نجاة عبد الرحمن تكتب: الخِطَّة المصرية
تاريخ النشر: 5th, March 2025 GMT
في الآونة الأخيرة، شهدت العلاقات بين مصر وقطاع غزة تطورات مهمة تهدف إلى تحسين الأوضاع الإنسانية وتعزيز الاستقرار في المنطقة، أخرها خِطَّة مصرية لإعادة إعمار غزة تم طرحها خلال القمة العربية التي عقدت بالقاهرة في 4 مارس 2025، تبنى خلالها القادة العرب الخِطَّة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة.
تهدف هذه الخِطَّة إلى إعادة بناء القطاع دون تهجير سكانه بقيمة 53 مليار دولار، وتأتي كبديل للمقترحات السابقة التي كانت تتضمن نقل السكان، و الرئيس الفلسطيني محمود عباس رحب بهذه المبادرة و ثمن جهود الدولة المصرية داعيًا المجتمع الدُّوَليّ، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية لدعمها.
كما تبنت مصر تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار: حيث مازالت تواصل الدولة المصرية جهودها لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لحقن دماء الأبرياء، فضلا عن الزيارات و الجهود الدبلوماسية المصرية، هذه التطورات تظهر التزام مصر بتحسين الأوضاع في غزة، بإجراء مبادرات إعادة الإعمار، و تثبيت الهدنة، وتقديم الدعم الإنساني المستمر الذي لم ينقطع لسكان القطاع.
في المقابل، اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خُطَّة تهدف إلى تحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" ب إخلاء سكانها وإعادة تطويرها تحت السيطرة الأمريكية، وهو ما قوبل بانتقادات واسعة من مصر و القادة العرب ومنظمات حقوق الإنسان.
و ردًا على الخِطَّة المصرية، صرّح المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، برايان هيوز، بأن الخِطَّة المصرية غير واقعية نظرًا للوضع الحالي غير الصالح للسكن في غزة، مؤكدًا تمسك البيت الأبيض بمقترح الرئيس ترامب تحت زعم إعادة بناء غزة خالية من حركة حماس، لتمرير مخطط جيورا إيلاند لبناء مملكة صهيون الكبرى لاستعادة الهيكل حسب معتقد بني صهيون.
الموقف الحالي يعكس صراعًا بين رؤيتين لإعادة إعمار غزة: رؤية أمريكية يقودها ترامب، تسعى إلى إعادة تطوير غزة ولكن مع تهجير سكانها، مقابل رؤية مصرية تدعمها الدول العربية، تهدف إلى إعادة الإعمار مع ضمان بقاء الفلسطينيين في أراضيهم.
خِطَّة ترامب لإعادة إعمار غزة تبدو غير واقعية سياسيًا وإنسانيًا، حيث أنها تتطلب تهجير السكان، وهو ما يتعارض مع القانون الدُّوَليّ الإنساني وحقوق الإنسان التي تنادي بها أمريكا و ظلت عقودا تعمل على ترسيخ هذا المفهوم و أنفقت مليارات الدولارات لإنشاء منظمات تتوغل داخل المجتمعات لتنخر في عظام السلطات الحاكمة تحت زعم ترسيخ مفاهيم حقو الإنسان و رصد مخالفات تلك الأنظمة لمبادىء حقوق الإنسان !!!
و البيت الأبيض يرى أن الوضع الحالي في غزة غير صالح للسكن، لكنه يربط إعادة الإعمار بإزالة حركة حماس، مما يعني استمرار النزاع بدلًا من إيجاد حلول سلمية، و هذه الخُطَّة تلقى رفضًا عربيًا واسعًا، وقد تواجه صعوبات في التنفيذ بسبب المعارضة الدولية والإقليمية للموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل بشكل مطلق.
تحليلي للموقف المصري والعربي:
الخِطَّة المصرية تقدم حلًا أكثر واقعية، حيث تتجنب التصعيد للحفاظ على استقرار المنطقة العربية، وتطرح إعادة إعمار غزة بتمويل عربي ودولي، وهو ما يجعلها مقبولة دوليًا، و هذه الخُطَّة تحظى بدعم القادة العرب، وهو ما يعزز موقف مصر كوسيط إقليمي رئيسي في القضية الفلسطينية، و نجاحها يعتمد على قدرتها على كسب دعم القِوَى الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا، خاصة إذا استمرت أمريكا في دعم مقترحها الخاص.
و من المحتمل أن يستمر التوتر بين الموقفين الأمريكي والعربي، وقد تسعى واشنطن إلى الضغط على الدول العربية لتقديم تنازلات، بينما نجاح الخِطَّة المصرية سيعتمد على تحركات دبلوماسية قوية لكسب الدعم الدُّوَليّ، وربما يحتاج الأمر إلى تفاهمات مع واشنطن نفسها.
و الأوضاع في غزة ستظل معقدة ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية بين جميع الأطراف، وهو أمر يبدو بعيد المدى في ظل التباين الحالي في المواقف.
بشكل عام، يبدو أن الخِطَّة المصرية تملك فرصًا أكبر للنجاح على المدى الطويل، لكنها ستحتاج إلى جهد دبلوماسي كبير لضمان تنفيذها.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غزة المزيد إعادة إعمار غزة لإعادة إعمار ة المصریة فی غزة وهو ما
إقرأ أيضاً:
منى أحمد تكتب: القوة الناعمة
في مطلع عام 1961 كان الزعيم الخالد جمال عبد الناصر فى زيارة للمغرب، و اِصطحبه الملك محمد الخامس فى جولة بشوارع الرباط، فاصطف المواطنون للترحيب بالزعيم الراحل ، وإذا فجأة يعترض موكبهما رجل مغربي تبدو عليه البساطة، فطلب الرئيس عبد الناصر من السائق أن يتوقف لتحية الرجل فصافحه الرجل، وفاجئه بسؤاله عن موعد عودته للقاهرة وسط دهشة الملك محمد الخامس ،فأجابه عبد الناصر ليفاجئه بطلب آخر أغرب من سؤاله وهو إبلاغ تحياته وإعجابه للفنان إسماعيل ياسين.
واقعة أخرى في عام 1956، وأثناء زيارة عمل للقاهرة لرئيس أركان الجيش الأردنى لواء راضى عناب فى ذلك الوقت، صادف زيارته حفل لكوكب الشرق أم كلثوم فطلب أن يحضرها ،وكان للمذيع بالإذاعة المصرية التى كانت تنقل الحفل لقاء معه، تحدث فيه رئيس أركان الجيش الأردنى منبهرا عن السيدة أم كلثوم وعن مدى شغفه بالإذاعة المصرية، وقوة تأثيرها وانتشارها في المملكة الأردنية، بل إنه كان يعرف اسم محدثه المذيع المصري قبل أن يجرى الحوار ،فأي مجد كان هذا للفن المصرى وللإذاعة المصرية.
واقعة مشابهة رواها أحد الصحفيين التونسيين عام 1969 ،عندما غنت كوكب الشرق فى الحى الأولمبي بتونس كان أقل سعرا لتذكرة الحفل 20 دينارا تونسيا ، فحكي له والده أنه باع نصف أثاث البيت لشراء تذكرة لحفل الست كما كان يحب أن يطلق عليها ولم يكن وحده من فعل ذلك بل المئات من التونسيين.
هكذا كانت تلك قوة مصر الناعمة، اِمتدادا سياسيا وجغرافيا وظهيرا ومساندا للدولة، وكانت سلاح مصر الأَثير في الخمسينيات والستينات من القرن الماضى ، وظلت أحد أهم أدوات التأثير والنفوذ فى الإقليم لسنوات عديدة ،فكان الفن مكملا للقوة الضاربة المصرية، بل اِستطاع أن ينجز ما عجزت عنه السياسة في أوقات كثيرة ، فيكفى أنه في سنوات المقاطعة مع مصر فى السبعينات أعقاب اِتفاقية السلام ، كان تلاميذ المدارس العراقية ينشدون فى طابور الصباح بالعامية المصرية النشيد الوطنى والله زمان يا سلاحى، وكان تلاميذ المدارس الليبية ينشدون النشيد الوطنى الله أكبر فوق كيد المعتدين ، وحتي بعد إنقسام الفرقاء في ليبيا لم يجمعهم سوى النشيد الوطنى الليبى الحالي يا بلادى من ألحان المبدع محمد عبد الوهاب.
لكن ما الذي حدث، لماذا توارت وخفتت قوة مصر الناعمة، هل نضب الإبداع والمبدعون ، ماذا حدث لهذه الصناعة ، للأسف فقدنا الكثير بافتقادنا للفن الراقي بعناصره وأدواته، فمصر الآن أحوج ما يكون لقوة ناعمة فاعلة فهل من مجيب .