بقلم: ياسين ايصبويا / باحث

برحيل محمد بن عيسى، فقد المغرب رجل دولة محنكا، ودبلوماسيا بارعا، ومثقفا واسع الأفق، أما أصيلة، فقد فقدت روحها الملهمة، وعراب نهضتها الثقافية، وصوتها الذي جعلها منارة للحوار والسلام.

لم يكن مجرد مسؤول تقلد مناصب وزارية وبرلمانية واخرى، بل كان رجلا آمن بأن الثقافة ليست ترفا، بل قوة ناعمة قادرة على تغيير واقع المجتمعات.

كان مؤمنا بأن الفكر قادر على بناء الجسور، وبأن المدن الصغيرة قادرة على صنع إشعاع عالمي إذا حملت مشروعا ثقافيا قويا.

لم تكن جنازة محمد بن عيسى مجرد حدث رسمي، بل كانت لحظة تاريخية ووداعا مهيبا اختزل حب المدينة وأهلها له. فقد خرجت ساكنة أصيلة بمختلف شرائحها، من العائلات الزيلاشية، وشباب المدينة، ونخبها الفكرية والثقافية، لتودع ابنها البار الذي منحها إشعاعا عالميا وجعلها منبرا للحوار والثقافة.

لكن الحضور لم يقتصر على سكان المدينة، فقد شهدت الجنازة أيضا قدوم شخصيات من دول مختلفة، من أصدقاء الفقيد، ومثقفين، ودبلوماسيين، ممن تتلمذوا على يديه أو شاركوه مسيرة بناء الحوار الثقافي. كما عاد إلى أصيلة شبابها المقيمون في الخارج، الذين لم يتمكنوا من البقاء بعيدا في هذه اللحظة المؤثرة، إذ كان محمد بن عيسى بالنسبة لهم أكثر من شخصية عامة، بل كان رمزا وأبا روحيا، ترك فيهم أثرا لن يمحى.

المشهد في جنازته كان شاهدا على حجم التأثير العميق الذي خلّفه الراحل في المشهد السياسي والثقافي المغربي والدولي. فقد شهدت الجنازة حضورا وازنا لأعضاء الحكومة الحالية والسابقة، وعلى رأسهم وزير الخارجية والتعاون، ووزير العدل، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات والأمين العام للحكومة، والأمناء العامين للأحزاب السياسية، ممثل وزير الشباب والثقافة والتواصل، ووالي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، ورئيس الجهة، وعمدة طنجة، ورئيس مجلس عمالة طنجة-أصيلة،

الوزير الأول الأسبق، رئيس مجلس المنافسة الاسبق، إلى جانب عدد من رؤساء الجماعات الترابية بالجهة، وبرلمانيين والمؤسسات القضائية والامنية والمصالح الخارجية، وأعضاء المجلس الجماعي لأصيلة، وممثلي الأحزاب السياسية، ووجوه بارزة من عالم الفكر والأدب والفن والسياسة، وفعاليات المجتمع المدني ووسائل الإعلام.

لم يكن هذا الحضور الكبير مجرد بروتوكول رسمي، بل كان اعترافا جماعيا بمكانة رجل لم يكن يبحث عن الأضواء، بل كان يصنعها من خلال عمله، وإبداعه، ورؤيته البعيدة المدى، تاركا بصمة لا تمحى في مسيرة الدبلوماسية والثقافة والتنمية بالمغرب.

وفي حضن الزاوية العيساوية بالمدينة العتيقة لأصيلة، حيث اختار أن يوارى الثرى، كان الحزن عميقا، لكنه ممتزج بفخر الانتماء لهذه المدينة التي صنع لها إرثا ثقافيا عالميا.

في خضم هذا الرحيل المؤلم، جاءت البرقية الملكية السامية التي بعثها جلالة الملك محمد السادس إلى أسرة الفقيد، كأرفع تكريم لمسيرة رجل وهب حياته لخدمة وطنه، وملكه، ومدينته.

كلمات جلالة الملك كانت شهادة تاريخية على الدور الريادي الذي لعبه محمد بن عيسى، حيث وصفه بـ”رجل الدولة المقتدر والدبلوماسي المحنك”، الذي أبان عن كفاءة استثنائية في كل المهام التي تقلدها، سواء كوزير للخارجية، أو وزير للثقافة، أو سفير للمغرب في واشنطن، أو كمنتخب محلي وبرلماني.

لكن الأهم من ذلك، كما أكدت الرسالة الملكية، هو أنه كان رمزا ثقافيا بامتياز، أخذ على عاتقه هم الإشعاع الثقافي لمدينته أصيلة، التي سهر على تنميتها وفرض إشعاعها وطنيا ودوليا. فبفضل إيمانه العميق بأن الثقافة قوة دبلوماسية وتنموية، نجح في تأسيس “منتدى أصيلة”، الذي لم يكن مجرد تظاهرة ثقافية، بل مشروعا استراتيجيا جعل من أصيلة نموذجا عالميا لمدن الثقافة والفكر والفن.

بالنسبة لي، كان محمد بن عيسى أكثر من رجل سياسة أو مثقف مخضرم، كان مدرسة في الحياة. كل لحظة معه، كل حديث، كل خطوة مشيناها سويا، كانت درسا في الرؤية، في التواضع، في العمق الإنساني.

لم يكن فقط يشجعني على المبادرات الثقافية والشبابية التي كنت أؤمن بها، بل كان يحضر ويدعم ويشارك، ليس كراعي فعالية، بل كفكر يؤمن بأن الشباب هم الاستثمار الحقيقي للمستقبل، ويفتخر عندما يسمع شاب او شابة من اصيلة يصل الى هدفه بمجهوده ومتابرته واجتهاده، تكون فرحته كبيرة بالكفاءات الزيلاشية المتواجدة بالمغرب والخارج، يطلب منا دائما الاهتمام بالأطفال ودعم الشباب من أجل ان يهتموا بالعلم والمعرفة.

كان يتقاسم معي تجربته الملهمة بكل شفافية، ويقدم لي النصح بأسلوب يجعلك تشعر بالتقدير والاحترام، لا بفارق السن أو المنصب. كان دقيقا في التفاصيل الصغيرة، حريصا على كيفية التعامل مع الآخرين، وعلى احترام كل فئات المجتمع، مؤمنا أن العلاقات الإنسانية لا تبنى بالمصالح، بل بالاحترام المتبادل والإنصات الجيد.

يؤكد في كل لقائتنا الشبابية أن نفتخر بمغربيتنا وملكنا ومؤسساتنا الأمنية.

المصدر: زنقة 20

كلمات دلالية: محمد بن عیسى لم یکن بل کان

إقرأ أيضاً:

عندما يلتقي التراث بالمسرح.. بورسعيد تغني والطفولة ترقص في أجواء السامر

بعد ليال حافلة.. قصور الثقافة تختتم احتفالات عيد الفطر بمسرح السامر


شهد مسرح السامر بالعجوزة، مساء اليوم الخميس، ختام احتفالات عيد الفطر المبارك، التي أقيمت ضمن برنامج وزارة الثقافة، وبرعاية الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، ونظمتها الهيئة العامة لقصور الثقافة، برئاسة اللواء خالد اللبان.

نفذت الفعاليات بإشراف الكاتب محمد عبد الحافظ ناصف، نائب رئيس الهيئة، وشهد الحفل الختامي محمد يوسف، رئيس الإدارة المركزية لشؤون مكتب رئيس الهيئة، الفنان أحمد الشافعي، رئيس الإدارة المركزية للشئون الفنية، بحضور إيمان حمدي، مدير عام الإدارة العامة للمهرجانات، الدكتور وليد الشهاوي، مدير عام الإدارة العامة للموسيقى، المخرج محمد صابر، مدير عام الإدارة العامة للمواهب، سمر الوزير، مدير عام الإدارة العامة للمسرح، والفنان محمد حجاج، والمهندس محمد جابر، مدير مسرح السامر، ونخبة من الإعلاميين.

استهلت الفعاليات بعرض غنائي لفرقة مصطفى كامل للموسيقى العربية، بقيادة المايسترو أحمد شوقي، حيث قدمت مجموعة من روائع الأغاني، شملت: "ميدلي إسكندرية"، "يا إسكندراني"، "مستنياك"، "سواح"، "أما براوة"، "من حبي فيك يا جاري"، "الحب اللي كان"، "الليلة يا سمرا"، "الموضات"، "دارت الأيام"، و"مبيسألش عليا أبدًا".

وفي عرض زاخر بالألوان الفلكلورية، أمتعت فرقة بورسعيد للفنون الشعبية، بقيادة الفنان محمد صالح، الجمهور بمجموعة من التابلوهات الاستعراضية التي تحاكي التراث البورسعيدي الأصيل، منها: "البحرية، أم الخلول، السمسمية، الصيادين، آه يا لالي".

وضمن الفقرات المخصصة للأطفال، قدمت فرقة أجيال المسرحية، بقيادة الفنان عمرو حمزة، عروضا مميزة لـعرائس الماريونيت، وسط تفاعل الأطفال وأجواء مليئة بالمرح والبهجة.

احتفالات العيد بمسرح السامر نفذت من الإدارة المركزية للشئون الفنية، ممثلة في الإدارة العامة للمهرجانات، الإدارة العامة للموسيقى، والإدارة العامة للفنون الشعبية، إضافة إلى العروض الفنية للأطفال التي نفذت عبر الإدارة المركزية للدراسات والبحوث، برئاسة الدكتورة حنان موسى، ممثلة في الإدارة العامة لثقافة الطفل، وتولى تصميم الديكور المهندس محمد جابر.

جاءت الفعاليات ضمن برنامج ثقافي وفني شامل نظمته الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة والمحافظات، تضمن عروضا للموسيقى العربية والفنون الشعبية، إلى جانب العروض المسرحية في الفيوم، الشرقية، وكفر الشيخ.

كما تتواصل عروض "سينما الشعب"، التي تقدم أحدث الأفلام السينمائية بسعر موحد ومخفض قدره 40 جنيهًا للتذكرة، في 16 محافظة، إلى جانب البرامج الثقافية والفنية المقدمة بالمناطق الجديدة الآمنة.

مقالات مشابهة

  • ‏⁧‫رسالة‬⁩ من نوع آخر إلى ( ⁧‫صدر الدين الگبنچي‬⁩) الذي يريد يقاتل أمريكا من العراق دفاعا عن ايران !
  • فرقة "التحدي" لذوي الهمم تتألق في احتفالية عيد الفطر بثقافة وادي النطرون
  • عندما يلتقي التراث بالمسرح.. بورسعيد تغني والطفولة ترقص في أجواء السامر
  • عيسى الخوري صرّح عن أمواله
  • مي كساب تنعى زوجة نضال الشافعي: أصيلة ووش الخير
  • ورش فنية وإنشاد ديني في احتفالات عيد الفطر بثقافة دمياط
  • مصطفى قمر يتألق في حفل كامل العدد على مسرح محمد عبدالوهاب بالإسكندرية
  • ذكرى رحيله.. «محمد أحمد شبيب» صوت النصر الذي أبكى المصريين
  • رد فعل محمد صلاح على مؤثرة حاولت التودد له.. فيديو
  • خالد جلال : عرض "توتة توتة" مهم جدًا للأجيال الجديدة