د. عصام محمد عبد القادر يكتب: رمضان.. شهر التقوى والفضيلة
تاريخ النشر: 5th, March 2025 GMT
نتطلع إلى ما يجري خلال أيام شهر رمضان الكريم؛ فنجد تغيّرات حميدة في العديد من السلوكيات لدى الكثير؛ فنرى استعدادات معنوية ومادية تلوح ملامحها في أجواء تشكّل روحانيات رمضانية؛ فتسمع القرآن والتواشيح والأدعية التي تطرب القلوب وتشنف الآذان وتسقي الوجدان من فيض نغم شجن التلاوات المتنوعة لكبار القرّاء والمنشدين.
في شهر الطيبات والتسابق تجاه أعمال البر، حثّنا القرآن الكريم على تدبّر الآيات ووعي ما يوجَّه إلينا من تعاليم تهدينا إلى الصراط المستقيم، وفي التنزيل العزيز قال الله – تعالى –:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 185).
عَظُم هذا الشهر بتنزّل القرآن الكريم، الدستور المنظِّم للحياة بمكتمل أركانها؛ فلم يترك شاردة ولا واردة إلّا وتجد لها أصلًا وحكمًا في كتاب الله – عز وجل – لذا فقراءة القرآن وتدبّر ما به من أحكام تنير لنا الطريق ولا تدع مجالًا للغيّ أو التشرذم؛ فقد أتى بالتكليفات وشفعها بالرخص؛ فخالق الخلق أدرى وأعلم بخلجات الصدور وما تكنّه الأفئدة. وعلينا أن نزكّي النفس ونطهّرها من خلال الانغماس في الطاعات والبعد عن كل ما من شأنه أن يضعف العزيمة وينال من الإرادة تجاه الأعمال الصالحات في تلك الأيام الطيبة التي تمضي سريعًا.
رمضان فرصة سانحة كي نخرج من بيئة ممتلئة بزخم المادة ونتّصل بعبق نفحاته التي تكمن في العديد من السلوكيات الحميدة؛ حيث إن العطاء من المداخل التي تسهم في خلق مناخ إيجابي تبحر الروح من خلاله في التدبّر؛ فترى أن هجران ما يعيق الطاعات بات أمرًا ميسورًا؛ فقد أصبح سياج الحماية قائمًا على فلسفة التقبّل التي تبدو جلية فيما ننهله من مواعظ وتذكرة وما نسمعه من قصص ملهمة تخرج من ألسن صادقة وقلوب عامرة بذكر الرحمن الرحيم.
شهر التقوى والفضيلة تتكاثر فيه أسباب الخير، وتتّسع فيه شراكات الطاعات وفضائل الأعمال وصور البر، وتلك من المعينات التي تغرس في النفوس والوجدان قيمًا نبيلة، مجتمعةً كانت أم مرتبطة بالعقيدة. وهذا يجعل الإنسان لا يتهاون في أداء الفرائض، ولا يتكاسل عن أفعال الخير، ولا يتراجع عن طريق نور الهداية، بل يجتهد قدر استطاعته ويتلمّس عبر ذلك رضا الله – تعالى – ويطلب راجيًا عفوه وغفرانه بكلمات رقراقة. كما كان يقول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم:
«اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ الهُدَى، وَالتُّقَى، وَالعَفَافَ، وَالغِنَى». رواه مسلم.
نحتاج من الحين إلى الآخر لأوقات نختلي بها؛ لتأخذ الروح قسطًا من الراحة؛ حيث تشتاق للذكر وتلاوة القرآن بغية التدبّر في معانيه، والغور في سياق تراكيبه البديعة، واستلهام الموعظة والعِبرة في متلون قصصه؛ فتزداد تقوى الإنسان منا، وتلك – والله – غاية عظيمة تصبّ في فلسفة الاستخلاف على الأرض. فقد قال الله – تعالى – في محكم التنزيل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
ولا ننسى أن من مفردات العبادة يتمخّض الإعمار بالعمل والجد والاجتهاد؛ فالارتباط وثيق دون ريب.
في أيام شهر التقوى والفضيلة نتخلّص من هموم الحياة وحساباتها الضيقة، ونتطلّع إلى رب السماوات والأرض، ونحاول تصفية نفوسنا من شهوات ورغبات امتلكت الوجدان، وصار البحث عنها واللهث وراءها في هرم الأولويات؛ لذا لا نتقاعس عن كل فعل وعمل مكوّنه البر ومفاده نفع الناس؛ فما أجمل استدامة العطاء.
وفي هذا الإطار نختم كلامنا بحديث رواه ابن عمر – رضي الله عنهما –:
أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله! أيُّ الناس أحبُّ إلى الله؟
فقال:
«أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهُمْ للناسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ – عزَّ وجلَّ – سرورٌ يُدْخِلُه على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولأنْ أَمْشِيَ مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ أعتَكِفَ في هذا المسجدِ شهرًا. ومَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عورتَهُ، ومَنْ كَظَمَ غيظَهُ ولَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضاهُ ملأَ اللهُ قلبَهُ رجاءً يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ، أثْبَتَ اللهُ قدمَهُ يومَ تزولُ الأقدامِ».
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: شهر رمضان شهر رمضان الكريم روحانيات رمضانية المزيد
إقرأ أيضاً:
صلاح الدين عووضة يكتب.. أأضحك أم أبكي؟!
ميني حكاية
أأضحك أم أبكي؟!
جلست ضحى أكتب..
وبما أن الكهرباء لم ترجع بعد – والطقس حار – فقد كان جلوسي في ظل شجرة بالخارج..
فأتاني مهرولا من بيته القريب ليترجاني الإشارة إليه في كتاباتي..
وكان يسرف في التظارف ، ويكثر من التودد..
فتساءلت في سري بكل معاني الدهشة: أتراه
نسي؟…أم يتناسى؟!..
فهو نفسه الذي أتاني بمثل هرولته هذه – قبل أشهر – يهددني بالدعامة إن لم أسدد له دينه..
ومبلغ الدين هذا 14 ألف جنيه عبارة عن قية أشياء اشتريتها منه ولما يمض عليه نصف شهرفقط..
فهو نائب فاعل ، أعني نائب تاجر ، حل محل صاحب المتجر الأصلي بعد حذفه..
بعد أن أضطرته ظروف الحرب إلى النزوح خوفا على بناته ؛ لا على نفسه..
ونائب الفاعل هذا هو جاره ، ومهنته حداد ، فاستأمنه على متجره ، وعى بيته أيضا..
وبما أن لديه زوجة ثانية فقد جلبها إلى البيت هذا ليستقرا فيه معا..
وأصبح تاجرا على حين فجأة..
إلا أنه – وعلى العكس من صاحب المتجر الأصلي – تاجر صعب ، صعب جدا..
ما كان يرحم ؛ ولا يضع اعتبارا لظروف الحرب القاسية هذه..
وتهديده لي بالدعامة هو عنوان واحد من عناوين تعامله مع الناس..
وهو في نفسه – سامي -ليس دعاميا ؛ ولكن يقال أن أصهاره كذلك..
وقد كنت شاهدا على اكتظاظ البيت في مناسبة عقد القران بالدعامة ، وعلى اصطخاب الجو بالأعيرة النارية..
ورغم إنه ليس دعاميا فقد كان على يقين ببقاء الدعم السريع إلى ما شاء الله..
وبما أن الدعامة باقون فهو باق كتاجر إلى ما شاء الله ،وكساكن في البيت الجديد إلى ماشاء الله ..
ثم هجم الجيش فجرا..
فتبين – صاحبنا – الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر حقائق الأشياء..
وسألني ضباط عن بعض الجيران من واقع معلومات أولية لديهم..
ومنهم صاحبنا نائب الفاعل هذا..
فأخبرتهم بما أعرفه ؛ بعيدا عن ضغينة التهديد بالدعامة تلك..
والآن هو يستعد – ومعه زوجته الثانية – إلى الرحيل بعيدا ؛ بعيدا عن المتجر ، وعن المسكن ، وعن الشعور بالعظمة..
وربما يعود إلى مهنته الأولى – والأصلية – كحداد..
والبارحة يطلب مني أن أكتب عنه..
وهاءنذا أفعل ؛ حبا وكرامة..
وليعذرني إن لم أجد ما أكتبه عنه سوى هذا..
وليالي حربنا هذه – وحتى نهاراتها هي محض ليال كالحة السواد – حبلى بكل ضروب المضحكات والمبكيات معا..
وأهل الدراما يسمون مثل هذه التناقضات الكوميتراجيديا..
إذن ؛ فتساؤلي – إزاء خاطرتنا هذه – في محله..
أأضحك أم أبكي؟!!.