دينا الرميمة
بعد غياب دام عاماً، مجدّدًا عاد الضيف الكريم كعادته، وما بين مغادرته وعودته مررنا بالكثير من الأحداث التي أتخمت قلوبنا بالمآسي، لا سِـيَّـما ونحن في صراع دائم مع قوى الشر التي لا تزال تمعن وتتفن في إيذائنا بحروب عسكرية سواء علينا كشعب يمني أَو على أهلنا في غزة وفلسطين وسائر أرضنا العربية، أَو بحربهم الناعمة علينا كأمة إسلامية، لا شك أن الكثير تأثر بها وتلوثت عقولهم، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن حال صحائفنا كيف أصبحت بعد أن عزمنا في رمضان السابق أن نملأها بصالح الأعمال وحاولنا جاهدين ألَّا نلوثها بسيء الفعل، إلَّا أننا بلا شك ندرك أننا مقصّرون.
لكن معية الله لا تزال تهدينا الفرص السانحات منها شهر رمضان يحل علينا ضيفاً كريماً حاملاً عطايا من الرحمن تضاعف الأجور وتستجاب فيها الدعوات، التي تجنبنا العقوبة الإلهية، وتمحي الزلل وتغير حياتنا إلى الأفضل، ولا ينالها إلا من أحسن استقباله فيدخل في ضيافة الرحمن.
فشهر رمضان له طقوسه التي تميزه عن بقية الشهور، كونه شهرًا أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، أي أنه معيار للحق والباطل، وهو شهرُ الإحسان، وشهرُ الرضوان شهر الجهاد، شهر توبة وتسامح تُفتح فيه أبواب الجنان، منها باب يدخل منه الصائمون يسمى الريان، هو شهر تُغلق أبواب النيران، ويُصفد فيه كُـلّ شيطان، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر!!
بالتالي مخطئ من يعتقد أن الاستعداد لرمضان يكون بتوفير متطلبات البطن الجائعة من أكل وشرب ومتطلبات القلوب الغافلة بما تعده لها قنوات التلفزة من مسلسلات وبرامج للترفيه عن النفس كما يحسبون، فيقضون نهاره نياماً وليله بإشباع البطن والنفس بشهواتها، وهنا يفوتهم ما لهذا الشهر من عظيم الخير وفرص الغفران.
إنما لكي نحسن استقبال وإكرام هذا الشهر علينا أن ننظر إلى معنى ما يحمله معه من فريضة اختصها الرحمن من بين الفرائض لنفسه فقال بحديث قدسي: «كل عمل ابن أدم له إلا الصوم فَــإنَّه لي وأنا أجزي به».
وإذا ما تأمَّلنا في معنى الصوم من حَيثُ نَظَرنا إليه، هو عتقُ النَّفسِ الإنسانيةِ مِن كُـلّ رِقٍّ: من رِقِّ الحَياةِ ومَطالِبِها، ومن رِقِّ الأبدانِ وحاجاتِها في مَآكِلِها ومَشارِبِها، من رِقِّ النَّفسِ وشهواتِها، ومن رِقِ العُقول ونوازِعِها، ومن رِقِ المخاوِفِ حاضِرِها وغائبِها.
وهنا يكون استقباله كما ذكر السيد عبدالملك -سلام الله عليه- بالاستعداد النفسي والذهني للإقبال على هذا الشهر، وأن لا نتأثر بالحالة الروتينية الاعتيادية، فنستقبله بمتطلبات الروح العطشى للهدى والمثقلة بالهموم، علها تحظى برضا ربها وتصل لمرحلة التقوى غاية الله من هذه الفريضة.
وفي هذا يقول الإمام علي -عليه السلام- “صيام القلب عن الفكر في الآثام أفضل من صيام البطن عن الطعام”.
علينا أن نعقدها توبة نصوح ونحاسب أنفسنا عن كُـلّ مظلمة وكلّ معصية ونسعى لإصلاح مكامن الخلل في أنفسنا وكبح جماح شهواتها التي تسلبها زكاءها وتضيع الوقت، فنكون في حالة جهاد دائم، ويكون صيامنا صوم البطن والجوارح معاً نستشعر فيه المعنى الحقيقي للصوم، نحافظ على الصلاة المفروضة، ونكثر من النوافل التي تزيد من رصيد الحسنات، ونحيي مساجد الله بالصلاة والذكر وقراءة القرآن بتدبر وخشوع، لا بكم ما نختم، إنما نقف على آياته آخذين منها العبرة، مستلهمين منها مواقع الزلل ومواضع الطمأنينة وما يضاعف الأجور، أيضاً حفظ اللسان وإشغاله بالذكر والدعاء.
وتحسس الأعمال التي تخلق التقوى بالإحسان إلى أنفسنا بما يكرمها عند ربها والإحسان إلى من حولنا، والتنقيب عن المحتاجين والأسر المتعففة، لا سيَّما في يمننا الحبيب الذي أنهكته الحرب والحصار وسلبت الكثير أحبائهم ومنازلهم وأرزاقهم وفيها الكثير ممن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، أَيْـضًا إخراج الزكاة المفروضة التي تطهر النفس والمال وهي ركن من أركان الإسلام.
هنيئاً لأُولئك الصائمين المرابطين بالثغور جهاداً في سبيل الله وذوداً عن دينه وأمته مجسدين سيرة النبي الكريم وغزوة بدر، وهناك حَيثُ هم تجمعت كُـلّ الشعائر في جبهات العزة والكرامة صلاة وصيامًا وجهادًا ببنادقهم التي تسبح في وجه أعداء الله تنكيلًا، هناك على هوى متارسهم، حَيثُ تكمن كُـلّ التقوى فلا ملذات ولا لهو ولا شيء يُغري سوى صوت طلقات الرصاص التي تفجر رؤوس الظالمين، هناك حَيثُ قد لا تسعفهم اللحظات لكسر صيامهم إلا برائحة البارود المنطلق من فوهات بنادقهم.
ومنهم من قد يرحل شهيدًا ليفطر هناك، حَيثُ الحياة الأبدية في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وهذا هو الفوز العظيم.
المصدر: يمانيون
إقرأ أيضاً:
خطبتا الجمعة من المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف
مكة المكرمة
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور بندر بن عبدالعزيز بليلة المسلمين بتقوَى اللهِ، لابتغاء رحمته.
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام: “إنَّ مواسمَ الخيرِ لَا تنقَضِي، وأزمِنَةَ القُرَبِ لا تنتهِي، وإِن كُنَّا قدْ ودَّعْنا قبلَ أيَّامٍ قلائِلَ ضَيفًا مِن أكرَمِ الضِّيفانِ، وشهْرًا هو أَجوَدُ أشهُرِ العامِ، غيرَ أنَّ الفُرَصَ تَتَتابَعُ، والسَّوانِحَ تَتَوالَى، وأعمالُ البرِّ لا تنقطِعُ”، مبينًا أن رمضانُ محطَّةٌ للتزوُّدِ، ومدرسَةٌ للتَّغْيِيرِ، وبوّابةٌ للانطلاق .
وأوضح أن ميادِينُ الخيْرِ مُشْرَعَةٌ، وجميعُ العباداتِ الَّتِي كانَت مِضمارًا للسِّباقِ فِي رمضانَ، باقِيَةٌ لِلتَّنافُسِ فِي غيرِهِ مِنَ الأزمانِ، وأنَّ المداومَةَ علَى الطاعةِ، والاستمرارَ في العبادَةِ، مِمَّا حثَّ عليهِ الإسلامُ، وأشارَ إليهِ القرآنُ، والتزمَهُ خيرُ الأنامِ، وفِي الصَّحيحينِ مِن حَديثِ عائشةَ أنَّها سُئلت: (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللهِ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الْأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ يَسْتَطِيعُ).
وأكّد فضيلته أن أفضَل ما يستأنِفُ بهِ الإنسانُ أعمالَ البِرِّ بعدَ رمضانَ، صيامُ السِّتِ مِن شوَّالٍ، مُتتالِيَةً أو مُفرَّقةً علَى الأيَّامِ، فِي صَحيحِ مُسلمٍ مِن حَديثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ).
وقال: إذَا أرادَ اللهُ بعبدِهِ خيرًا، ثبَّتَهُ علَى طريقِ الطَّاعةِ، وألزمَهُ غرْسَ الاستقامَةِ، وفتَحَ لَهُ أبوابَ الخيْرِ، ويسَّرَ لَهُ سُبُلَ العبادَةِ، قال الإمامُ ابنُ القَيِّم -رحمه اللهُ-: (وَفِي هَذِهِ الفَتَرَاتِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلسَّالِكِينَ: يَتَبَيَّنُ الصَّادِقُ مِنَ الكَاذِبِ؛ فَالكَاذِبُ: يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَعُودُ إِلَى طَبِيعَتِهِ وَهَوَاهُ! وَالصَّادِقُ: يَنْتَظِرُ الفَرَجَ، وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، وَيُلْقِي نَفْسَهُ بِالبابِ طَرِيحًا ذَلِيلًا: كَالإِنَاءِ الفَارِغِ؛ فَإِذَا رَأَيتَ اللهَ أَقَامَكَ في هذا المَقَامِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَرْحَمَكَ وَيَمْلَأَ إِنَاءَكَ! ) .
وبين إمام وخطيب المسجد الحرام أنَّ مِن أعظَمِ مَا يُعينُ العبدَ علَى ذلِكَ استعانَتَهُ بِدُعاءِ اللهِ جلَّ وعلَا، فقدْ وعدَ سبحانَهُ عبادَهُ بِالاستجابَةِ، وَممَّا كانَ يدعُو بِه النبيُّ الثباتُ علَى الدِّينِ، فِي مسندِ الإمامِ أحمدَ وجامِعِ التِرمذِيِّ وحسَّنَهُ عَن أَنَسٍ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكْ)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ).
كما تحدّث إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالمحسن بن محمد القاسم عن أهمية المداومة على فعل الأعمال الصالحة من صلاة، وذكر، وصيام، وتلاوة القرآن الكريم، وصدقة، ودعاء، مبينًا أن العبد المؤمن لا ينقطع عن أداء الطاعات والعبادات على مرّ الأزمان.
وأوضح فضيلته في خطبة الجمعة اليوم من المسجد النبوي أن صفحاتُ اللَّيالي تُطْوَى، وساعات العُمُرِ تنقضي، مشيرًا إلى مُضي أيَّامٌ مباركات من شهر رمضان المبارك، قَطَعَتْ بنا مرحلةً من مراحل العُمُرِ لن تعود، مَنْ أحسن فيها فَلْيَحمدِ اللَّه وَلْيُواصلِ الإحسان، وأن الطَّاعة ليس لها زمنٌ محدود، بل هي حَقٌّ للَّه على العباد، إذ قال الله تعالى: “وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِين”.
وبيّن الشيخ القاسم أن مَن قَصَد الهدايةَ يَهْدِهِ الله إليها، ويثبِّته عليها، ويزدْه منها، فقال سبحانه: “وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ”، مضيفًا، أن مَن عمل صالحًا، فَلْيَسألِ اللَّهَ قَبولَه، وإذا صاحَبَ العملَ الصالحَ الدَّعاءُ والخوفُ من اللَّه رغَبًا ورهبًا، كان مَحَلَّ ثناءٍ من اللَّه، والمؤمن يجمع بين إحسانٍ ومخافة، فإذا أتمَّ عملًا صالحًا فَلْيَخْشَ من عَدَمِ قَبولِه، حَالُه كما قال سبحانه: “وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ”.
وأفاد أن الأعمالُ الصَّالحةُ إذا لم تكن خالصةً عن الشَّوائب لم تكن عند اللَّه نافعة، فَلْيَحْذَرِ العبدُ بعد رجاءِ قَبولِ عَمَلِه من إحباطِه وإفسادِه، إذ أنَّ السَّيِّئاتِ قد يُحْبِطْنَ الأعمالَ الصَّالحاتِ، كما أن من مفسدات العمل الصَّالح العُجْبُ به، لما يورثه من التقصير في العَمَل، والاستهانةِ بالذُّنوب، والأَمنِ مِنْ مَكْرِ اللَّه.
وقال إمام وخطيب المسجد النبوي: “إن العبدُ مأمور بالتَّقوى في السِّرِّ والعلن، ولا بُدَّ أن يقع منه أحيانًا تفريطٌ في التَّقوى، فأُمِر أن يفعل ما يمحو به هذه السَّيِّئة وهو إتباعها بالحسنة، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ”. (رواه أحمد).
وتابع بقوله: “إذا تقبل الله عملَ عبدٍ وفقه لعمل صالح بعده، والاستقامةُ على طاعة اللَّه في كلِّ حين من صفات الموعودين بالجَنَّة، فأَرُوا اللَّهَ مِنْ أنفسِكم خيرًا بعد كلِّ موسمٍ من مواسم العبادة، واسألوه مع الهداية الثَّباتَ عليها، وسَلُوه سبحانه الإعانةَ على دوام العَمَلِ الصَّالح، فقد أَوْصَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم معاذًا أن يقول في دُبُرِ كلِّ صلاة: “اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ” (رواه أحمد).
وحذّر الشيخ الدكتور عبدالمحسن القاسم من الانقطاعَ والإعراضَ عن الطاعات، موضحًا أن خير العمل وأحبّه إلى اللَّه ما داوم عليه العبدُ ولو كان قليلًا، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:” أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى: أَدْوَمُهَا، وَإِنْ قَلَّ” (متفق عليه).
وزاد مذكرًا، أن كلُّ وقتٍ يُخْلِيه العبدُ من طاعةِ مولاه فقد خَسِرَه، وكلُّ ساعةٍ يَغْفَلُ فيها عن ذِكْرِ اللَّه تكونُ عليه يوم القيامة ندامةً وحسرة، ومَنْ كان مُقَصِّرًا أو مُفَرِّطًا فلا شيءَ يَحُولُ بينه وبين التَّوبة ما لم يُعايِنِ الموت، فاللَّيالي والأيَّام خزائنُ للأعمال يجدها العِباد يومَ القيامة. مبينًا أن الأزمنةُ والأمكنةُ الفاضلةُ لا تُقَدِّسُ أحدًا ما لم يعمل العبدُ صالحًا، ويَسْتَقِمْ ظاهرًا وباطنًا.
وختم فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي خطبة الجمعة موضحًا أنه إذا انقضى موسمُ رمضان؛ فإنَّ الصِّيامَ لا يَزالُ مشروعًا في غيرِه من الشُّهور، ومن ضمن الأعمال الصالحة والطاعات أن يُتبع صيامَ رمضان بصيامِ سِتٍّ من شوَّال، وإن انقضى قيامُ رمضان، فإنَّ قيامَ اللَّيلِ مشروعٌ في كلِّ ليلةٍ من ليالِ السَّنَة، كما أن القرآن الكريم كثير الخير، دائم النفع، وكذلك الدُّعاءُ لا غِنَى عنه في كلِّ حين، والذِّكْرُ لا حياةَ للقلوبِ إلَّا به، والصَّدَقةُ تزكّي الأموالَ والنفوسَ في جميع الأزمان، داعيًا إلى المبادرة إلى الخيرات إذا فتحت أبوابها، فالمَغْبُونُ مَنِ انصرفَ عن طاعة اللَّه، والمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ رحمة اللَّه.