لجريدة عمان:
2025-04-06@11:03:48 GMT

أفول التكتلات وهيمنة الفرادنية

تاريخ النشر: 4th, March 2025 GMT

يقول الفيلسوف الإغريقي أرسطو: «الإنسان مدني بطبعه»، بمعنى أنه لا يستطيع العيش بمعزل عن الجماعة، لأن العزلة تجعله عرضة للأخطار، بينما تمنحه الجماعة قوة وحماية. وهذا القانون الطبيعي الذي يحكم حياة الأفراد ينطبق تمامًا على الدول، فحين تشعر بالخوف أو التهديد، فإنها تبحث فورًا عن تجمع أكبر تحتمي به، سواء كان ذلك سياسيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا.

التكتلات الدولية لم تنشأ من فراغ، بل جاءت استجابة لحاجة الدول إلى ضمان أمنها، وتأمين مصالحها، وتعزيز مكانتها بين الأمم.

منذ نشأة الدول الحديثة، كانت فكرة التحالفات والتكتلات أساسية في تشكيل النظام العالمي، فالأمم المتحدة على سبيل المثال نشأت بعد الحرب العالمية الثانية في محاولة لإنشاء مظلة سياسية تقي الدول ويلات الحروب والصراعات، والجامعة العربية أيضا جاءت لتجميع الدول العربية تحت راية واحدة تضمن نوعًا من الوحدة والمساندة المشتركة. دول مجلس التعاون الخليجي أيضا قامت على المبدأ ذاته وهو تشكيل تكتل خليجي إقليمي لحماية مصالحها وتعزيز أمنها المشترك فيما بينها، وحديثا نشأ الاتحاد الأوروبي بعد سلسلة من الأزمات والحروب ليعزز التعاون الاقتصادي والسياسي بين دول القارة لتمنع تكرار مآسي الماضي.

التكتلات الاقتصادية، مثل مجموعة بريكس، جاءت أيضا كرد فعل على هيمنة النظام المالي التقليدي، حيث سعت دول مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا إلى خلق منظومة اقتصادية تضمن لها مكانًا أكثر استقلالية في الاقتصاد العالمي مثلها مثل منظمة الآسيان التي سعت منذ تأسيسها إلى توحيد الصوت الآسيوي في وجه القوى العالمية الكبرى.

كل هذه التكتلات لم تكن رفاهية سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، بل جاءت استجابة طبيعية لحاجة الدول إلى الحماية والتوازن والشعور بالأمان والاطمئنان، لكنها اليوم تواجه تحديات كبرى تهدد وجودها وتفتح الباب أمام عالم تسوده الفردانية حيث تبرز بعض القوى الفردانية المهيمنة على المشهد العالمي، فيما تتراجع فاعلية التجمعات التي لطالما شكلت درعًا لأعضائها.

مشهد التكتلات والتجمعات العالمية يختلف اليوم عن المشهد ذاته في الماضي فكثير من هذه التكتلات وإن كانت لا تزال قائمة فهي بالاسم فقط، لكنها لم تعد بالقوة نفسها. الأمم المتحدة، التي يُفترض أنها تضمن الاستقرار العالمي، أصبحت غير قادرة على فرض قراراتها أمام القوى الكبرى التي تستخدم الفيتو لمصلحتها والجامعة العربية تُصدر قرارات، لكنها في كثير من الأحيان لا تُنفذ أو لا تؤخذ بجدية وبعض منها غير ملزم للأعضاء.

في المقابل، نشهد على الجانب الآخر تصاعد قوة الدول الفردية المهيمنة، الولايات المتحدة ما زالت تفرض نفوذها سياسيًا وعسكريًا على كل دول العالم دون استثناء خصوصا خلال المرحلة الترامبية، الصين أصبحت قوة اقتصادية هائلة، وروسيا تتصرف وفق مصالحها دون اكتراث بالقرارات الدولية. هذه الدول تفرض واقعًا جديدًا، حيث يبدو أن التكتلات لم تعد قادرة على مجاراة النفوذ الفردي المتصاعد فنحن اليوم أمام عالم تتحكم فيه القوى الكبرى وحدها، بينما تتراجع فاعلية التكتلات التي شكلت لعقود موازين القوى في العالم.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل ستستمر هذه التكتلات أم أنها وصلت إلى مرحلة الشيخوخة وبدأت تفقد أهميتها حتى مع أعضائها أنفسهم؟ إذا نظرنا إلى التاريخ، سنجد أن العديد من التكتلات التي بدت في زمنها قوية ومؤثرة لم تستطع الصمود مع تغيّر الظروف؛ فتكتل مثل تكتل الدول الاشتراكية، الذي كان يقوده الاتحاد السوفييتي، انهار تمامًا مع سقوط الاتحاد نفسه، وذهبت دوله لتبحث عن مصالحها بعيدًا عن الفكر الجماعي الذي كان يجمعها. حركة عدم الانحياز، التي كانت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تمثل قوة متوازنة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، فقدت تأثيرها مع انتهاء الحرب الباردة، ولم تعد تُذكر إلا في المؤتمرات الدبلوماسية الرمزية.

اليوم، تبدو التكتلات الدولية في وضع مشابه. صحيح أن بعضها لا يزال قائمًا، لكنه يواجه صعوبات حقيقية في الاستمرار بنفس القوة والتأثير. الاتحاد الأوروبي يعاني من التحديات الداخلية، خاصة بعد خروج بريطانيا، والحديث عن خلافات بين دوله الأعضاء. الأمم المتحدة تفقد قوتها أمام الدول الكبرى التي تتلاعب بقراراتها حسب مصالحها. الجامعة العربية لم تعد تملك التأثير الحقيقي لحل الأزمات العربية. حتى مجموعة بريكس، رغم صعودها الاقتصادي، إلا أن تباين مصالح أعضائها قد يحدّ من قدرتها على التحرك كقوة موحدة حتى تجمع دول مجلس التعاون الخليجي يعاني من انقسامات بين أعضائه.

في المقابل، نشهد تصاعد نفوذ الدول الكبرى التي بدأت تحل محل هذه التجمعات، الولايات المتحدة، رغم المنافسة التي تواجهها، لا تزال القوة الأكثر تأثيرًا سياسيًا وعسكريًا. الصين تتوسع اقتصاديًا بشكل غير مسبوق وتفرض نفوذها في آسيا وإفريقيا، روسيا تتحرك منفردة لتحقيق مصالحها دون الحاجة إلى تحالفات قوية، وكأننا نعود إلى عصر القطب الواحد، أو ربما إلى عالم تحكمه ثلاث أو أربع قوى كبرى، بينما تبقى بقية الدول مجرد لاعبين ثانويين في مشهد تهيمن عليه المصالح الفردية بدلًا من التعاون الجماعي.

فهل ستتمكن هذه التكتلات من إعادة ترتيب صفوفها واستعادة تأثيرها؟ أم أننا بالفعل نشهد نهاية عصر التكتلات وبداية عالم تتحكم فيه الهيمنة الفردانية وحدها؟ سؤال سيجيب عنه المستقبل القريب.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: لم تعد

إقرأ أيضاً:

الكفاءات العربية بين الهجرة والتهميش.. عقول مهاجرة تبحث عن وطن

لطالما كانت العقول العربية رافدًا رئيسيًا للنهضة العلمية والاقتصادية في العديد من الدول الغربية، حيث استطاع العلماء والأطباء والمهندسون والمفكرون العرب أن يحققوا إنجازات لامعة في مختلف المجالات، بعيدًا عن أوطانهم التي لم تحتضنهم كما يجب.

لكن مع تصاعد الخطاب السياسي المناهض للمهاجرين في بعض الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، والتلويح بإجراءات طرد وتقنين شديد للهجرة، تجد هذه النخبة نفسها في مواجهة مصير غامض، بين تهميش أوطانهم لهم من جهة، وخطر الإقصاء من بيئاتهم الجديدة من جهة أخرى.
في المقابل، لا تزال العديد من الدول العربية تعاني من ضعف التنمية وتراجع الأداء في القطاعات الحيوية، في الوقت الذي تعتمد فيه اقتصادات الدول الغربية على كفاءات كان يمكن أن تكون ركيزة لبناء مجتمعاتها الأصلية، فهل تتحرك الحكومات العربية لاستعادة هذه العقول والاستفادة منها، أم أن نزيف العقول سيستمر في ظل بيئات غير جاذبة للابتكار والتطوير، وما مصير الكفاءات العربية التي أصبحت عالقة بين خيارين أحلاهما مُر؟
استنزاف الكفاءات
قال الأكاديمي والخبير في الموارد البشرية، فرج المجريسي، إن الكفاءات العربية تفكر في الهجرة بدلًا من البقاء في أوطانها بسبب مجموعة من العوامل الطاردة.

ومن منظور الموارد البشرية، تعود هذه الظاهرة إلى ندرة فرص البحث العلمي في الدول العربية، وانعدام الدعم المادي والمعنوي الذي يتيح للعقول المتميزة تنفيذ أبحاث أو إعداد أوراق علمية، مقارنة بما توفره الدول الغربية في هذا المجال.
واستشهد المجريسي بتصريح سابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أشار إلى وجود ميزانيات مالية ضخمة تُصرف على الأبحاث، في إشارة إلى الأهمية التي توليها هذه الدول للعلم رغم الجدل حول فعالية هذه المصروفات.
وأضاف المجريسي في حديثه لـ”سبوتنيك” أن غياب بيئة العمل الاحترافية في معظم الدول العربية، التي تتسم بها الدول الغربية، يُعد من الأسباب الأساسية وراء هجرة الكفاءات، كما أشار إلى الفارق الكبير في مستوى الرواتب بين الأكاديميين في الدول العربية ونظرائهم في الدول المستضيفة، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل الاستقرار الأمني والسياسي، والتي تجعل من الدول الغربية بيئة جاذبة للكفاءات.
وقال: “بحسب تقرير للبنك الدولي، فإن حوالي 50% من الطلاب العرب الذين يتم ابتعاثهم للدراسة في الغرب لا يفضلون العودة إلى بلدانهم الأصلية، وهو مؤشر يعكس حجم المشكلة”.
كما نوه المجريسي إلى أن الكفاءات العربية المقيمة في الولايات المتحدة تتأثر سلبًا بالتهديدات التي تلوّح بها السلطات الغربية من وقت لآخر، مما يؤدي إلى زعزعة الأمن الوظيفي لديهم، ويؤثر كذلك على المؤسسات التي يعملون بها.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة كانت تستقطب الكفاءات في مجالات التكنولوجيا والقطاع الصحي والبحث العلمي، خاصة من خلال المهاجرين الذين يشكلون قرابة ربع القوى العاملة فيها، وربما يعود ذلك إلى انخفاض تكلفة توظيفهم مقارنة بالمواطنين الأمريكيين.
وظهرت نتائج هذا الأمر بوضوح عندما صرّح ترامب خلال فترة رئاسته في 2017 بتوجهات أدت إلى عودة العديد من الكفاءات إلى بلدانهم، ما أثّر على المؤسسات الأمريكية وأدى إلى ارتفاع في الأجور.

وشدد المجريسي على ضرورة أن تلعب الحكومات العربية دورًا أكبر في مواجهة هذه الظاهرة، والتي تعود إلى غياب استراتيجية واضحة وطويلة المدى لاستثمار الكفاءات الوطنية.
كما أشار إلى أن ربط التعليم بسوق العمل ما زال ضعيفًا، بالإضافة إلى تفشي المحاباة في ملفات التوظيف، وغياب حاضنات لرواد الأعمال، وافتقار الدول العربية إلى سياسات واضحة للاحتفاظ بالكفاءات من خلال التحفيز والتطوير المهني.
وفي المقابل، قال إن هناك بعض المبادرات الإيجابية مثل ما تقوم به منظمة الهجرة الدولية في ليبيا، والتي تسعى لتدريب الشباب وتجهيزهم لسوق العمل داخل بلدانهم، ما يسهم في الحد من دوافع الهجرة، كما نوّه إلى أن السعودية والإمارات شهدتا انخفاضًا ملحوظًا في نسب هجرة الكفاءات، بل باتت تستقطب كفاءات أجنبية وتوفر بيئة يمكن للكوادر الوطنية الاستفادة منها.
وأكد إن الكفاءات العربية المقيمة في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة، تشعر بالقلق على مستقبلها ومستقبل أسرهم في ظل التهديدات المستمرة، مما دفع الكثيرين منهم للتفكير في العودة إما إلى بلدانهم أو إلى دول الخليج التي توفر بيئة أكثر احتواء، وأضاف أن هجرة العقول ليست مجرد مشكلة فرص، بل هي أزمة خفية ستنعكس على مستقبل التنمية ومعدلات البطالة في الدول الأم.
أزمة ثقة
يرى المحلل السياسي المصري، عبد الستار حتيتة، أن السبب الأساسي وراء توجه الكفاءات العربية للهجرة هو سعيها نحو الأمن وتطبيق القانون بشكل عادل.
وأوضح في تصريح خاص لـ”سبوتنيك” أن الكفاءات المهاجرة تبحث عن بيئة تحترم حقوق الإنسان وتوفر الحد الأدنى من الاستقرار والعدالة.
وأشار حتيتة إلى أن هناك مستويات مختلفة في تعامل الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، مع المهاجرين العرب من أصحاب الكفاءات. وقال: “هناك شريحة حصلت على جنسية البلد الذي وصلت إليه، وهذه – في رأيي – ليست لديها مشكلة تُذكر. لكن هناك جانبًا آخر ما زال يحمل جنسية بلده الأصلي وينتظر الحصول على جنسية البلد الجديد، وهنا تكمن المعضلة”.
وأوضح أن هذه الفئة ستكون عرضة للتدقيق وربما لاتخاذ إجراءات بحقها. وقال: “من لديه كفاءة حقيقية، قد يتم التغاضي عن ترحيله، بينما من يفتقر لمستقبل مهني واضح، أظن أنه سيتم بحث إمكانية إعادته إلى بلده الأصلي”.
وفي حديثه عن تعامل الحكومات العربية مع هذه الكفاءات، قال حتيتة: “معظم الحكومات العربية، التي يفتقر كثير من أفرادها إلى الروح الوطنية الحقيقية، لديها فهم سطحي لأهمية هذه العقول. بل أحيانًا ترى أن التخلص منهم أفضل، وتعتقد أن عودتهم قد تشكل تهديدًا لها”.

وأضاف أن “العقول العربية تبحث عن بيئة يسودها السلام والأمن، وهو ما يتعارض مع البنية الهشة لمعظم الحكومات العربية”، وأكد أن تلك الحكومات تخلط بين الدولة والوطن من جهة، وبين الأشخاص الحاكمين من جهة أخرى.
وتابع: “في العديد من الدول العربية، باتت مفاهيم الحكومة والرئيس تعني الوطن، وأي نقد لهما يُعتبر ذمًا في الدولة ذاتها، وهو أمر لا يتقبله أصحاب الكفاءات المهاجرة”.

وحول مستقبل هذه الكفاءات في الغرب، رجّح حتيتة أن قرارات الطرد أو الترحيل إن حدثت قد تطال الشريحة الثانية، أي من لم يحصلوا بعد على جنسية البلد المضيف. ومع ذلك، سيتم إخضاعهم لعملية فرز دقيقة.
ولا يعتقد أن الغرب سيطرد أصحاب الكفاءات الحقيقية، ربما يطرد المدعين، وهم كُثُر، لكن أصحاب القدرات الحقيقية، إن لم يبقوا في الغرب، فسوف يتوجهون إلى دول آسيوية أكثر احتواء حسب تصريحه.

وكالة سبوتنيك

إنضم لقناة النيلين على واتساب

مقالات مشابهة

  • الكشف عن الدولة العربية التي قدمت دعما لحملة القصف على اليمن
  • هل ستختلف الدول العربية حول عيد الأضحى مثل حالة عيد الفطر؟
  • الكفاءات العربية بين الهجرة والتهميش.. عقول مهاجرة تبحث عن وطن
  • بالأرقام.. حجم تأثّر الدول العربية بـ«الرسوم» الأمريكية
  • الجامعة العربية تحذر من عواقب العربدة الإسرائيلية في المنطقة
  • كيف ستتأثر الدول العربية برسوم ترامب الجمركية؟
  • الخزانة الأمريكية: روسيا وبيلاروسيا ليستا على قائمة الدول التي ستتأثر بالرسوم الجمركية 
  • قائمة الدول التي شملتها رسوم ترامب الجمركية
  • هذه رسوم ترامب الجمركية على الدول العربية
  • من هي الدول العربية التي طالتها التعريفات الجمركية الأمريكية وما قيمة صادراتها لواشنطن؟