جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-06@10:39:14 GMT

القيادة الأخلاقية

تاريخ النشر: 4th, March 2025 GMT

القيادة الأخلاقية

 

 

د. ذياب بن سالم العبري

 

في عالم اليوم، أصبحت الأخلاق في القيادة قضية محورية تهم الأفراد والمجتمعات على حد سواء. فالقيادة ليست مجرد منصب أو نفوذ، بل هي سلوك وأسلوب حياة، تنعكس فيه القيم والمبادئ التي يؤمن بها الشخص. ولعلّ ما يميز المجتمعات الناجحة هو وجود أفراد يتحلون بالنزاهة، والعدل، والمسؤولية، وهي قيم أصيلة أكد عليها الإسلام، وتعززها العادات العُمانية المتوارثة، وتدعمها أحدث النظريات الإدارية الحديثة.

لم تكن القيادة الأخلاقية مفهومًا مستحدثًا، بل هي مبدأ متجذر في الإسلام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" (متفق عليه). ويعني ذلك أن القيادة لا تقتصر على أصحاب المناصب، بل يمارسها كل فرد في حياته اليومية، سواء في أسرته أو عمله أو مجتمعه. أما في المجتمع العُماني، فقد كانت الأخلاق ولا تزال حجر الزاوية في بناء الشخصية العُمانية، حيث ترسخت قيم النزاهة، والتسامح، واحترام الكبير، وحفظ العهد، وهي صفات انعكست في أنظمة المجتمع التقليدية مثل المجالس العُمانية التي تُعدّ منصة للحكمة والتشاور، ونظام الأفلاج الذي يعكس روح العدل والمسؤولية الجماعية.

وتشير الدراسات الإدارية الحديثة إلى أن القادة الأكثر نجاحًا هم أولئك الذين يلتزمون بقيم أخلاقية واضحة. ومن بين المبادئ الأساسية التي حددها علماء الإدارة مثل جون ماكسويل وستيفن كوفي نجد النزاهة والاستقامة، حيث يُتوقع من القائد أن يكون قدوة حسنة، تمامًا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا لأصحابه بأفعاله قبل أقواله. كما تشمل القيادة الأخلاقية مبدأ تحمل المسؤولية والمساءلة، فالقيادة ليست امتيازًا؛ بل التزام، وهو ما يتوافق مع الحديث النبوي: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" (رواه الطبراني). ومن الركائز الأخرى العدالة والشفافية، حيث إن بناء الثقة يتطلب وضوح الرؤية والتعامل بإنصاف مع الجميع، كما أمر الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58).

ولكي يكون الفرد قائدًا أخلاقيًا في حياته، فإن هناك عوامل أساسية تسهم في تعزيز هذه القيادة، أولها القدوة الحسنة، فالشخص الذي يلتزم بالقيم في أفعاله قبل أقواله يترك أثرًا إيجابيًا فيمن حوله، وهو ما يعزز بيئة أخلاقية قائمة على الاحترام والثقة. وثانيها التوازن بين المصالح الشخصية والعامة، حيث يجب على القائد الأخلاقي أن يتخذ قراراته بناءً على العدل والمصلحة العامة، وليس بدافع المنفعة الشخصية فقط، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (رواه البخاري). أما ثالث العوامل فهو الشجاعة في اتخاذ القرارات الصائبة، فالأخلاق تتطلب أحيانًا مواجهة التحديات واتخاذ قرارات قد لا تكون سهلة ولكنها صحيحة، وهو ما يعكس مبدأ الثبات على الحق والاستقامة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (فُصِّلَت: 30).

ومن العوامل المهمة أيضًا الالتزام بالوعود والعهود، فالقيادة الأخلاقية تقوم على الوفاء بالالتزامات، وهي صفة متجذرة في الثقافة العُمانية، حيث كان الأجداد يتعاملون بالكلمة الصادقة التي تُعتبر عهدًا لا يُنقض. بالإضافة إلى ذلك، فإن القدرة على التأثير الإيجابي تعد من أبرز عوامل القيادة الأخلاقية، حيث يسهم القائد في بناء بيئة تحفز الآخرين على الالتزام بالقيم، وهو ما نجده واضحًا في المجالس العُمانية التي تعزز الحوار والتوجيه القائم على الحكمة.

وتظل القيادة الأخلاقية ممارسة يومية تحتاج إلى التزام فردي ومجتمعي. ولكي يكون الفرد قائدًا أخلاقيًا في حياته، عليه أن يضع القيم أساسًا لقراراته، فيسأل نفسه: هل يعكس قراري الصدق والأمانة والعدل؟ كما يحتاج إلى التحلي بالحكمة في التعاملات اليومية، مستلهمًا ذلك من تعاليم الإسلام والمجالس العُمانية التي تركز على التفكير قبل التصرف. وتحمل المسؤولية عنصر مهم في القيادة الأخلاقية، فالإنسان مسؤول عن أفعاله وتأثيرها على الآخرين، كما أن الالتزام بالمبادئ هو ما يصنع الفارق الحقيقي، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (النحل: 90). أما الإحسان والإتقان في العمل فهما من صفات القائد الحقيقي، إذ إن كل وظيفة أو مسؤولية، مهما كانت صغيرة، تؤدي دورًا في بناء مجتمع قوي ومتوازن.

القيادة الأخلاقية ليست رفاهية؛ بل هي جوهر نجاح الأفراد والمجتمعات. وبينما تواجه البشرية اليوم تحديات متعددة، يبقى الالتزام بالقيم والمبادئ الأخلاقية هو البوصلة التي توجهنا نحو مستقبل أكثر إشراقًا. فمن يتمسك بروح الإسلام، ويحافظ على أصالة العادات العُمانية، ويطبق أفضل ممارسات القيادة الحديثة، يكون بلا شك نموذجًا يُحتذى به في بناء مجتمع مزدهر يقوم على العدل والنزاهة والتسامح.

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

نيفين عبد الخالق: رئاسة مصر لبرلمان المتوسط تعكس ثقة العالم في القيادة السياسية

قالت الدكتور نيفين عبد الخالق عضو مجلس إدارة  جمعية رجال الأعمال المصريين، إن تولي مصر، ممثلة في النائب محمد أبو العينين، رئاسة برلمان الاتحاد من أجل المتوسط، يُعد إنجازاً تاريخياً ودليلاً قاطعاً على المكانة الإقليمية والدولية التي تحظى بها الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وأكدت عبد الخالق فى تصريحات خاصة لـ " صدى البلد"، أن هذا الحدث، الذي جاء بإجماع رؤساء وممثلي برلمانات 38 دولة، يعكس ثقة المجتمع الدولي في مصر ودورها المحوري في تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، كما يعكس تقدير العالم لجهود الرئيس السيسي في دعم قضايا السلام والتنمية، وعلى رأسها المبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة ودفع جهود الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية.

خبير: اختيار أبو العينين لرئاسة برلمان الاتحاد من أجل المتوسط جاء في توقيته الصحيح ويدعم مصرأبو العينين يفوز برئاسة برلمان الاتحاد من أجل المتوسط .. تعليق قوي من أحمد موسىفخر لمصر.. جريدة الحياة البحرية تهنئ أبو العينين بفوزه برئاسة البرلمان الأورومتوسطي

وأضافت أن هذا التقدير الدولي يجب أن يُترجم إلى مزيد من التعاون الاقتصادي والتجاري بين دول الاتحاد من أجل المتوسط، مشيراً إلى أن رجال الأعمال في مصر يرون في هذا المنصب فرصة لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية مع دول المتوسط، بما يحقق المصالح المشتركة ويدعم جهود التنمية المستدامة في المنطقة.

وأكدت عبد الخالق  على دعم مجتمع الأعمال المصري الكامل لجهود الدولة في تمثيل مصر دولياً، مشدداً على أهمية استثمار هذا النجاح السياسي في تعزيز مكانة الاقتصاد المصري إقليمياً وعالمياً.
 

مقالات مشابهة

  • الخضيري يحذر من استخدام الجوال أثناء القيادة
  • مختصون لـ"الرؤية": "محكمة الاستثمار والتجارة" نقلة نوعية في المنظومة القضائية العُمانية تساهم في جذب رؤوس الأموال
  • نيفين عبد الخالق: رئاسة مصر لبرلمان المتوسط تعكس ثقة العالم في القيادة السياسية
  • فقرات فنية تبرز الهـوية الثقافية العُمانية فـــــي افتتـاح دورة الألعـاب الشـاطئية الخليجية
  • 376.4 مليون ريال صادرات عُمانية ومبيعات محلية مؤمَّن عليها لدى ""كريدت عُمان"
  • المفتي قبلان: اللحظة للتضامن الوطني وليس لتمزيق القبضة الوطنية العليا التي تحمي لبنان
  • من عامل بناء بالمملكة إلى برلماني.. كوري: السعودية أرض الأمل التي دعمتنا بسخاء
  • استقالة قائد القيادة السيبرانية الأمريكية ومدير وكالة الأمن القومي تيموثي هوغ
  • أول تعليق عُماني على الرسوم الجمركية الأمريكية ضد الصادرات العُمانية
  • مشاركة واسعة في مهرجان عيد الفطر للفروسية والفنون العُمانية المغناة بولاية بدية