وعدتُ فـي نهاية مقال الأسبوع الماضي أن أسرد حكاية تدمير الإنجليز لقصر «بيت الحكم»؛ أحد أهم مفردات التاريخ العُماني فـي شرق أفريقيا، والذي كان يتوسط «بيت العجائب» و«بيت الساحل»، وقد دمره الإنجليز تدميرًا كاملًا بالفعل يوم 27 أغسطس 1896، فـي اعتداء سافِر حدث اعتراضًا على تسلّم السيد خالد بن برغش الحكم.
وفـي الواقع لم تكن تلك حربًا ولا هم يحزنون، وإنما كانت عدوانًا سافرًا -كما سبقت الإشارة- وتدخلًا فـي شؤون السلطنة، خرج بعدها السيد خالد بن برغش من أنقاض قصر الحكم بمساندة رئيس الحرس السلطاني الذي بقي مواليًا لسيده ومرابطًا معه، فاتجه به مباشرة إلى القنصلية الألمانية، ونقله الألمان إلى دار السلام التي كانت مستعمرة ألمانية وبقي هناك لاجئًا سياسيًّا، ماكثًا فـيها حتى نشوب الحرب العالمية الأولى، وعندما خسر الألمان الحرب عرضت عليه الإدارة الألمانية الانتقال والعيش فـي برلين إلا أنه رفض، فنفته بريطانيا إلى سيشل ثم جزيرة سانت هيلانة، ثم سمحت له الإدارة البريطانية بالعيش فـي ممباسا بعد تدخل واليها السيد علي بن سالم البوسعيدي، وبقي فـيها حتى وفاته عام 1927.
المحزن فـي حكاية تدمير «بيت الحكم» من قبل الإنجليز أنه لم يُعَد بناؤه بعد ذلك، وإنما حُوِّل إلى حديقة، على عكس «بيت الساحل» الذي رُمِّم وأجريت له بعض الإصلاحات.
على بعد خطوات من «بيت الساحل»، وفـي الباحة الداخلية، حيث نسير وراء دليلنا السياحي محمد، وجدنا المقبرة السلطانية مفتوحة فتوّجهنا إليها. من الجيد أن أذكِّر هنا أن هذه المقبرة أنشأها السيد سعيد بن سلطان لدفن المتوفـين من الأسرة البوسعيدية الحاكمة، وقد ظلّ أموات هذه الأسرة يُدفنون فـيها حتى انتهاء الحُكم العُماني عام 1964. سألتنا موظفة الاستقبال: هل أنتم ضيوف أم من أبناء البلد؟ فأجبناها أننا ضيوف، وقد كان سؤالها لأنّ رسوم تذكرة الدخول للضيوف تختلف عنها للمواطنين. وبعد أن دفعنا الرسوم المقررة أخذتنا هذه الموظفة فـي جولة داخل مبنى بجانب المقبرة، عبارة عن المعرض الوثائقي والتاريخي الدائم للمقبرة السلطانية بزنجبار، الذي هو من تنظيم هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية العُمانية، بعد إجرائها أعمال تحسينات وصيانة وترميم لتلك المقبرة، وبات فـيها أرشيف دائم يؤرخ لأسماء وتواريخ المدفونين فـيها. وقد أحسنت الهيئة بهذا الصنيع؛ فحالة المقبرة قبل الترميم كان يُرثى لها، وكلُّ الشواهد على القبور اختفت؛ بل إنّ الأمر الأسوأ أنها كانت مفتوحة ويدخلها العابثون، وسبق لي أن كتبتُ عن ذلك فـي أحد مقالاتي، غير أنّ المفاجأة السارّة هذه المرة، أنّ الفرق صار شاسعًا على الصعيد الإيجابي بالطبع.
تنقسم المقبرة إلى ثلاثة أجزاء، وتضم عددًا من القبور يصل عددها إلى سبعة وثمانين قبرًا، كما يتضمن الضريحُ الذي يقع فـي الركن الشمالي للمقبرة -وهو أبرز معلم فـيها- قبرَ السيد سعيد بن سلطان، إضافة إلى ثمانية قبور أخرى. شيَّد هذا الضريح السلطان ماجد بن سعيد تكريمًا لأبيه، حيث أرسل إلى الهند يطلب المهندسين والبنّائين والأحجار المناسبة وغير ذلك من مواد البناء، وأنفق فـي سبيل ذلك أموالًا كثيرة، فشرع فـي بناء مقام الضريح الذي ضمَّ فـيما بعد قبور السلاطين ماجد وبرغش وخليفة بن سعيد، الذين تولوا حكم زنجبار بعد وفاة أبيهم. ويحكي الشيخ سعيد بن علي المغيري فـي كتابه «جهينة الأخبار فـي تاريخ زنجبار» أنه عندما بلغ بناء القبة ارتفاعًا معينًا، اعترض المطاوعة (علماء الدين) على ذلك البناء وعدّوه منكرًا عظيمًا وأفتوا بعدم جواز البناء على القبور، فلم ير السيد ماجد بُدًّا من الانصياع لاعتراضات هؤلاء العلماء وأهمل البناء. «والذي يشاهد ذلك المقام اليوم يرى ذلك النحت البديع البادي فـي أعمدته، وتلك النقوش الفنية البارعة فـي بنيانه، ويتصور مقدار حسنه ونفاسته رغم أنه قديم ولم يكتمل، ويرى كم فقدت مدينة زنجبار جاذبية سياحية نتيجة إهمال ذلك التذكار على ضريح ذلك الرجل الجليل»، كما يقول المغيري.
وقد ذكرَتْ لنا موظفة أرشيف المقبرة أنّ جميع سلاطين زنجبار ابتداءً من السيد سعيد بن سلطان دُفنوا فـي تلك المقبرة عدا اثنين منهم هما: السلطان علي بن حمود الذي دفن فـي فرنسا، والسيد خالد بن برغش الذي دفن فـي ممباسا بكينيا حاليًّا، أما آخر السلاطين العُمانيين السلطان جمشيد بن عبدالله بن خليفة بن حارب فقد توفـي فـي الثلاثين من ديسمبر 2024، أي بعد انتهاء هذه الرحلة بنحو أسبوعين.
وفـي نهاية زيارتنا للمقبرة السلطانية، وجّهنا -أنا وسيف- ملاحظة لموظفة الاستقبال بأنّ القبور حتى الآن ليس بها شواهد، وإنما هناك شرحٌ مفصل لجهات المقبرة ولمن دفن فـيها. بل إنه حتى من دفن بجانب قبر السيد سعيد بن سلطان من أبنائه، لا توجد شواهد على قبورهم، وهم الذين تولوا السلطة من بعده. وبالطبع فإنّ وجود الشواهد على تلك القبور كان سيضيف بُعدًا معرفـيًّا للمقبرة، وما من شك لديّ أنّ الشواهد كانت موجودة، وربما كان الهرج والمرج الذي ساد بعيد الانقلاب هو ما أدى إلى اقتلاعها فـي إطار الحقد الأعمى على كلِّ ما هو عُماني فـي تلك الفترة العصيبة، التي حاول الانقلابيون خلالها طمس كلِّ شيء جميل يعود لفترة الحكم العُماني لزنجبار.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: السید خالد الع مانی ع مانی
إقرأ أيضاً:
شادي السيد: حذار ممن يريد للبنان ان يقدم سلاما مجانيا لاسرائيل
اعتبر رئيس اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان الشمالي النقيب شادي السيد في بيان، ان "ملاقاة العدو الاسرائيلي ببعض المواقف والتطلعات فيها شيء من المبالغة لان اسرائيل، إذا كانت تطلب بالفعل سلاما او تطبيعا او غير ذلك، فإنها تطلبه بالهدم والقتل والتدمير والتشريد والاذلال". وقال: "إننا تحت سقف المطالب اللبنانية وتحت سقف المواقف الرئاسية، موقف فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وموقف دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري، وقد اكد كل منهما ان لبنان يرفض الافعال الاسرائيلية ويرفض استدراج لبنان الى مفاوضات مباشرة دبلوماسية، فيما المطلوب ان تلتزم اسرائيل في الوقت الراهن بالقرار الدولي 1701".
اضاف: "نحن نقف عند حدود مبادرة بيروت للسلام التي وقعت في اجتماع عربي كامل برعاية المملكة العربية السعودية والملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، ونلتزم بالمسار الذي وضع للمفاوضات التي ارست وقف اطلاق النار في لبنان، وغير هذا الكلام او التسرع والمراضاة لبعض الدول الكبرى امور في غير محلها، فعلينا ان نحذر ممن يريد للبنان ان يقدم سلاما مجانيا لاسرائيل وتطبيعا تحت وقع اطلاق النار والتدمير والتخريب".
وختم: "ندرك ان السلام لا بد حاصل ولكننا نريده سلاما مثل ذاك الذي دعت اليه المبادرة العربية وكفى. ولنتوقف عند هذا الحد والكلام لمن يفقه" .
مواضيع ذات صلة سلام: إنجاز اتفاق مع شركة دار الهندسة لإعداد دراسة مجانية لتشغيل مطار القليعات Lebanon 24 سلام: إنجاز اتفاق مع شركة دار الهندسة لإعداد دراسة مجانية لتشغيل مطار القليعات 02/04/2025 17:55:53 02/04/2025 17:55:53 Lebanon 24 Lebanon 24 خطوة إصلاحية مهمَّة حذارِ من إجهاضها Lebanon 24 خطوة إصلاحية مهمَّة حذارِ من إجهاضها 02/04/2025 17:55:53 02/04/2025 17:55:53 Lebanon 24 Lebanon 24 توقيف "شادي ذكية" في مخيّم البداوي Lebanon 24 توقيف "شادي ذكية" في مخيّم البداوي 02/04/2025 17:55:53 02/04/2025 17:55:53 Lebanon 24 Lebanon 24 الداخلية السورية: القبض على شادي عادل محفوظ المتورط بجرائم في أحداث الساحل الأخيرة Lebanon 24 الداخلية السورية: القبض على شادي عادل محفوظ المتورط بجرائم في أحداث الساحل الأخيرة 02/04/2025 17:55:53 02/04/2025 17:55:53 Lebanon 24 Lebanon 24 قد يعجبك أيضاً بالفيديو... طائرة للجيش في أجواء الجنوب Lebanon 24 بالفيديو... طائرة للجيش في أجواء الجنوب 10:48 | 2025-04-02 02/04/2025 10:48:15 Lebanon 24 Lebanon 24 دراسة لجامعة "Georgetown": هذه خيارات مطروحة أمام "حزب الله" Lebanon 24 دراسة لجامعة "Georgetown": هذه خيارات مطروحة أمام "حزب الله" 10:30 | 2025-04-02 02/04/2025 10:30:00 Lebanon 24 Lebanon 24 تحديث جديد لنظام "آبل"... لبناني يكتشف إحدى أخطر الثغرات الأمنية Lebanon 24 تحديث جديد لنظام "آبل"... لبناني يكتشف إحدى أخطر الثغرات الأمنية 10:24 | 2025-04-02 02/04/2025 10:24:13 Lebanon 24 Lebanon 24 الرئيس عون: للثقة بالبلد وضرورة مواكبة التطور التكنولوجي Lebanon 24 الرئيس عون: للثقة بالبلد وضرورة مواكبة التطور التكنولوجي 10:20 | 2025-04-02 02/04/2025 10:20:06 Lebanon 24 Lebanon 24 إشكال وإطلاق نار كثيف في باب التبانة (فيديو) Lebanon 24 إشكال وإطلاق نار كثيف في باب التبانة (فيديو) 10:18 | 2025-04-02 02/04/2025 10:18:05 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة من أجل "البريستيج"… تهافت غير مسبوق لشراء مُنتج في لبنان!
Lebanon 24 من أجل "البريستيج"… تهافت غير مسبوق لشراء مُنتج في لبنان!
13:00 | 2025-04-01 01/04/2025 01:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 شاب طلب يد مراسلة الجديد على الهواء.. وهذا كان رد فعلها (فيديو) Lebanon 24 شاب طلب يد مراسلة الجديد على الهواء.. وهذا كان رد فعلها (فيديو) 16:16 | 2025-04-01 01/04/2025 04:16:00 Lebanon 24 Lebanon 24 ساعات قبل انفجار القنبلة.. قرار تاريخي لترامب سيغير اقتصاد العالم Lebanon 24 ساعات قبل انفجار القنبلة.. قرار تاريخي لترامب سيغير اقتصاد العالم 14:30 | 2025-04-01 01/04/2025 02:30:48 Lebanon 24 Lebanon 24 صورة داخل مقهى في لبنان لأطفال تثير غضبًا واسعًا.. إليكم التفاصيل Lebanon 24 صورة داخل مقهى في لبنان لأطفال تثير غضبًا واسعًا.. إليكم التفاصيل 15:21 | 2025-04-01 01/04/2025 03:21:38 Lebanon 24 Lebanon 24 من الزواج السري إلى العلن: تعرف على أزواج نسرين طافش Lebanon 24 من الزواج السري إلى العلن: تعرف على أزواج نسرين طافش 14:00 | 2025-04-01 01/04/2025 02:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك أيضاً في لبنان 10:48 | 2025-04-02 بالفيديو... طائرة للجيش في أجواء الجنوب 10:30 | 2025-04-02 دراسة لجامعة "Georgetown": هذه خيارات مطروحة أمام "حزب الله" 10:24 | 2025-04-02 تحديث جديد لنظام "آبل"... لبناني يكتشف إحدى أخطر الثغرات الأمنية 10:20 | 2025-04-02 الرئيس عون: للثقة بالبلد وضرورة مواكبة التطور التكنولوجي 10:18 | 2025-04-02 إشكال وإطلاق نار كثيف في باب التبانة (فيديو) 10:14 | 2025-04-02 "الكتائب": لوضع السلاح على طاولة مجلس الوزراء فيديو صراخ وتدافع.. أسد يُهاجم مدربه خلال عرض سيرك في مصر وما حصل مرعب (فيديو) Lebanon 24 صراخ وتدافع.. أسد يُهاجم مدربه خلال عرض سيرك في مصر وما حصل مرعب (فيديو) 23:31 | 2025-04-01 02/04/2025 17:55:53 Lebanon 24 Lebanon 24 بالفيديو.. اعتقال عناصر لـ"حزب الله" في برشلونة Lebanon 24 بالفيديو.. اعتقال عناصر لـ"حزب الله" في برشلونة 11:48 | 2025-04-01 02/04/2025 17:55:53 Lebanon 24 Lebanon 24 تراجع فجأة خلال المباراة وفقد وعيه.. ملاكم توفي بطريقة مأساوية (فيديو) Lebanon 24 تراجع فجأة خلال المباراة وفقد وعيه.. ملاكم توفي بطريقة مأساوية (فيديو) 03:54 | 2025-04-01 02/04/2025 17:55:53 Lebanon 24 Lebanon 24 Download our application مباشر الأبرز لبنان خاص إقتصاد عربي-دولي فنون ومشاهير متفرقات أخبار عاجلة Download our application Follow Us Download our application بريد إلكتروني غير صالح Softimpact Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24