قبل أن يبدأ عرض مسلسل "معاوية"، أستطيع أن أعلنها بكل ثقة أن الجدل الفقهى الذى بدأ منذ أن تناثر الحديث عن المسلسل سوف يسرق الكاميرا من كل الأعمال الدرامية، على الأقل فى الأيام الأولى من الشهر الكريم. سيدنا "معاوية" صار العنوان.
كثيرًا ما تُثار بين الحين والآخر تلك الأسئلة. الدراما المصرية ملتزمة قطعًا بوجهة نظر الأزهر الشريف فى عدم تجسيد الصحابة وآل البيت والخلفاء.
قبل عشر سنوات، شاركت فى وفد من النقابات الفنية وعدد من النجوم للقاء مع شيخ الأزهر، الذى تفضل مشكورًا بالترحيب بنا.
كان رأى شيخنا الجليل الدكتور أحمد الطيب أنه لا مجال للتجسيد التزامًا بما قررته هيئة كبار العلماء على مدى عشرات من السنين، ملحوظة هيئة كبار العلماء تجدد سنويًّا الرفض.
قلت له يا مولانا وشيخنا الأكبر: "الدراما الإيرانية جسدت سيدنا على والحسن والحسين، ومن حقنا أن نقدم وجهة نظر السنة".
قال لى الإمام الأكبر: "الشيعة لهم تفسيرهم الخاص فى التجسيد، ولنا وجهة نظر مغايرة قائمة على حفاظنا على الإسلام".
قلت له: ولكن مسلسل سيدنا عمر حصل على موافقة العديد من علماء السُّنّة، بتجسيد الخلفاء جميعًا؟.
كان من المستحيل أن نحصل على موافقة من الإمام الأكبر، خاصة أنه قال إن الدراما- يقصد بها الخيال- سوف تتدخل بإضافة تفاصيل فى الحياة حتى يتم ملء زمن المسلسل، وهو ما لا يمكن أن تعتبره هو بالضبط ما حدث، وهذا يعنى الإضافة والحذف، وهو ما يتعارض مع الإسلام، وقتها كان قد تردد أن هناك مسلسلًا مصريًّا يجرى إعداده عن حياة السيدة أسماء بنت أبى بكر، بينما الأزهر الشريف رفض السيناريو بسبب التجسيد.
ولو قلبنا فى صفحات الماضى، فسنكتشف أن رأى الأزهر الشريف بمنع التجسيد تم إقراره قبل نحو 100 عام عندما أشارت الجرائد المصرية إلى أن الفنان الكبير يوسف بك وهبى يستعد لتقديم حياة "سيدنا محمد عليه الصلاة السلام" فى فيلم من إخراج وداد عرفى، وكانت التجارب الأولى للسينما الناطقة قد بدأت فى العالم، أى أنه كان فيلمًا به حوار مسموع وموسيقى تصويرية.
نشرت الصحافة صورًا ليوسف وهبى، تؤكد حماسه للفيلم وتشير إلى أنه سوف يعرض فى كل أنحاء المعمورة لينشر من خلاله الدعوة الإسلامية الصحيحة، وتباينت ردود فعل بعض الصحفيين، فتح بعضهم النيران ضد يوسف وهبى وأعادوا نشر صورة له وهو يؤدى دور الراهب، وأيضًا العربيد الروسى راسبوتين، الذى كانت له قداسة فى روسيا القيصرية قبل قيام الثورة البلشفية التى أطاحت بالقياصرة.
ورغم ذلك ظل يوسف وهبى متمسكًا بأداء الفيلم حتى صدر بيان من الأزهر الشريف يحذر من ذلك لأنه ضد الإسلام، ولم يكتفِ رجال الأزهر بالتحذير فقط من تجسيد سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام، بل قرروا منع تجسيد كل الأنبياء والخلفاء والمبشرين وآل البيت والصحابة، وذلك لكى يصبح درعًا واقية لمواجهة شطط السينما.
كان هناك مَن يعتبر السينما الوليدة "رجسًا من عمل الشيطان"، ووجدوا فيها انحلالًا وهكذا كانت كل الاتجاهات ضد السينما فى المطلق، فما بالكم عندما يصبح الحديث عن تجسيد الأنبياء؟!.
كل ما يتعلق بالدين، ولا أقصد فقط الدين الإسلامى، كل الأديان نجد خط الدفاع الأول هو الرفض لأى شىء مستحدث، القهوة مثلًا كانت فى البداية استنادًا إلى رأى فقهاء الدين تُعد من المحرمات، اعتبروها مُغيِّبة للعقل، استخدام الصنبور "الحنفية" فى الوضوء بدلًا من (الكوز) كان رأى أغلب العلماء فى كل المذاهب فى البداية أنه حرام شرعًا، ما عدا المذهب "الحنفى"، وهكذا أطلقنا عليها فى مصر "حنفية"، وانتشر هذا التعريف من بعدها لكل الناطقين بالعربية.
سبق أن جسدنا الخلفاء وآل البيت والصحابة قبل نحو 13 عامًا فى مسلسل "عمر" إخراج حاتم على.
بينما الآن يتساءلون كيف يجسد إياد نصار دور سيدنا على، وكان قد سبق له أداء دور يشتبه أنه مثلى جنسيًّا فى فيلم "أصحاب ولا أعز" رغم أنه دراميًّا لم يكن مثليًّا؟!، فهل المُشاهد يقطع الخط الفاصل بين الفن والحياة، وتظل تلك الصفة ملتصقة بالممثل، فلماذا إذن تعاطفنا مع محمود المليجى فى فيلم "الأرض"، رغم أنه شرير السينما الأكبر؟!.
أنتظر رأى ورؤية أكثر هدوءًا فى تلك القضية، لسنا بصدد خلاف فكرى بين سُنة وشيعة، ولكن هذه المرة رؤيتان يمثلان السُّنّة، مع كل التقدير لأزهرنا الشريف، وشيخه الجليل، الإمام الأكبر!!.
المصدر: موقع 24
كلمات دلالية: وقف الأب رمضان 2025 عام المجتمع اتفاق غزة إيران وإسرائيل صناع الأمل غزة وإسرائيل الإمارات الحرب الأوكرانية رمضان 2025 الأزهر الشریف
إقرأ أيضاً:
عصام السيد ينتقد صمت الأزهر أمام تحريم مسلسل «معاوية»
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
انتقد المخرج عصام السيد، صمت الأزهر امام تحريم هيئة كبار العلماء لمشاهدة مسلسل «معاوية» المقرر عرضه فى رمضان 2025.
وكتب السيد عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» قائلا: «منذ فترة حاولت بعض التيارات الدينية خارج مصر منع مسلسل معاوية من العرض و دفعت الأزهر لتحريم مشاهدته، ولم يستجب الأزهر، واليوم نرى تحريما قد صدر عن هيئة كبار العلماء بتحريم مشاهدة المسلسل بينما يصمت شيخ الأزهر تماما».
وتابع: «وللاسف الشديد أن سبب التحريم هو عدم تجسيد الصحابة على الشاشة برغم تصريح شيخ الأزهر سابقا أنه موافق على تقديم مسرحية «الحسين» لعبد الرحمن الشرقاوى، وكان الأولى والأجدى بتلك الهيئة أن يكون سبب التحريم هو الخوف من اثارة نعرات طائفية والعودة لمعركة فرقت المسلمين فى حين أننا اليوم فى أشد الإحتياج للوحدة، ألم يكن هذا أكثر منطقية فى زمن السماوات المفتوحة».
تجدر الإشارة إلى أن مسلسل «معاوية» تصدر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن شاركت إحدى المنصات الشهيرة على «إنستجرام» برومو المسلسل، وتم التعليق عليه بعبارة: «الملحمة التاريخية معاوية، قصة الإمبراطورية التي كتبت تاريخًا لا يُنسى امتد من الشرق إلى الغرب».
إذ جاء في البرومو التشويقي ما يوضح أسباب الجدل الذي طرح على مواقع التواصل: «عهد اختلف عليه المؤرخون، إمبراطورية امتدت من الشرق إلى الغرب، حكم جمع بين الدهاء والقوة، ملحمة سياسية كتبت تاريخاً لا ينسى، من كاتب للوحي إلى أول ملوك الإسلام. معاوية».
المسلسل من تأليف الكاتب الصحفي خالد صلاح، وإخراج طارق العريان، وقد تكلف المسلسل ميزانية ضخمة تقدر بحوالي 100 مليون دولار، وسيُعرض العمل على مجموعة قنوات «MBC»، وتم تأجيل المسلسل لعامين سابقين، إذ كان مقررا له أن يعرض في شهر رمضان قبل الماضي عام 2023.