فبراير 28, 2025آخر تحديث: فبراير 28, 2025

د. عبدالحسين الطائي

صدر حديثاً كتاب للبروفِسور محمد الربيعي عن دار لندن للطباعة والنشر بعنوان: أسرار التفوق، رحلة عبر أنظمة التعليم العالمية، تضمن معلومات رصينة ذات أهمية بالغة في تغطية ملهمة لأنظمة التعليم الرائدة حول العالم، لتزيدنا وعياً بمعرفة الكثير من  التجارب العالمية.

وفيه مقارنات ومقاربات معمقة بين هذه الأنظمة التعليمية تُبين أسرار تفوقها، في إطار تحليل موضوعي لنقاط القوة والضعف. ومحاولة الإجابة عن سؤال جوهري: أي من هذه التجارب يناسب عالمنا العراقي والعربي ؟.

التعليم ركيزة أساسية لتقدُّم الشعوب ونهضتها، ولذلك تسعى أغلب الدول إلى تطوير أنظمتها التعليمية باستمرار من خلال الاستفادة من التجارب الناجحة للدول المتقدمة، والاعتماد على أساليب حديثة وتقنيات متطورة تساعد في تحقيق مخرجات تعليمية متميزة تواكب تطورات العصر. وتركزإهتمامها بكيفية تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية بين جميع فئات المجتمع بمختلف خلفياتهم الثقافية. هذا هو الجوهر الذي يشكل أحد أهم أسرار تفوق الشعوب، ولكنه ليس السر الوحيد بالتأكيد، بل يحتاج إلى عوامل أخرى داعمة ليؤدي إلى نهضة حقيقية، تتمثل بايمان الدولة بأهمية الاستثمار في التعليم المرتكز على البحث والابتكار.

استخلص د. الربيعي من رحلته حقيقة أن الدول المتفوقة هي التي اعتمدت على مناهج حديثة تركز على تنمية المهارات الفكرية والإبداعية لدى الطلاب بدلاً من التلقين والحفظ، واهتمت بتطوير طرق التدريس لتشجيع التفكير النقدي وحل الاشكالات التي تعيق الارتقاء بجودة التعليم. ويرى بأن مناهج التعليم في الدول المتقدمة تتسم بالديناميكية والتحديث المستمر وفقاً لاحتياجات سوق العمل والتطورات العلمية والتكنولوجية، وهو ما ينبغي للدول الأخرى الاستفادة منه لتطوير مناهجها بشكل يتناسب مع التحديات المعاصرة.

والواقع يشير إلى أن التكنولوجيا تُعد أداة فعالة في تحسين العملية التعليمية، من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الإلكتروني والتطبيقات التفاعلية لتعزيز الفهم وتوفير تجربة تعليمية أكثر جذباً وكفاءة. والاساليب الحديثة في مجال التعليم لا تغفل تطوير مهارات المعلمين بشكل مستمر لتحديث أساليب التدريس لديهم، وإكسابهم مهارات جديدة تتناسب مع تطورات العملية التعليمية بطرق أكثر حيوية.

تضمن الكتاب (17) فصلاً ومقدمة وافية تشير إلى ملخص مكثف لتجارب الدول المتفوقة  في مجال التعليم. ولعل ما يميز هذا الكتاب هو ليس بعرض التجارب بل بتسليط الضوء على طبيعة الأنظمة التعليمية المتبعة، وتحليل مكامن الأسرار التي جعلتها متفوقة. فالجوهر يتطلب الاستفادة من تجارب الدول المتفوقة في مجال التعليم، والدول الطموحة أن تتبنى أفضل الممارسات التعليمية، مع مراعاة خصوصياتها، لتحقيق نهضة تعليمية تسهم في تقدمها وازدهارها في المجالات كافة.

توسع د. الربيعي كثيراً في الفصل الأول المخصص للتجربة البريطانية المعروفة بنظامها التعليمي المتميز الذي يجمع بين التقاليد العريقة والتطلع لما هو جديد في إطار تطوير مهارات التفكير النقدي وحل الاشكاليات بطرق ابداعية، وقد أفاض بمجالات الاستفادة من تجربة هذه الدولة الرائدة في مجالات التعليم. وتناول في الفصل الثاني التجربة الصينية المتمسكة بنهج اكثر توازناً وشمولية من خلال عملية الاصلاحات الواسعة التي تهدف إلى تقليل الضغط على الطلاب وتحسين جودة التعليم. وغطت التجربة السنغافورية مساحة واسعة من الفصل الثالث لأهميتها القصوى والاعجاب بنظامها التعليمي المتفرد بحيث أصبحت الأفضل في العالم، لأنها تستثمر حوالي 20% من ميزانيتها الوطنية في التعليم، وتسعى إلى تطوير كل المهارات  التعليمية.

وأكد في الفصل الرابع بأن التجربة الكورية تعتبر من التجارب الناجحة عالمياً، لأنها حققت قفزة نوعية بل ثورة في مسارها التنموي، يكمن سر تفوقها استثمارها بقطاع التعليم والبحث العلمي بميزانيات ضخمة، وتركيزها على تحسين جودة التعليم، ولم تهمل غرس القيم الأخلاقية والوطنية لدى الأجيال في منهاجها التعليمي. وتطرق في الفصل الخامس إلى التجربة الهولندية باعتبارها مصدر إلهام للعالم في مجال التعليم. ويأتي سر تفوقها من خلال استثمارها بالحاضر والمستقبل في كيفية إعداد الأجيال المتميزة القادرة على مواجهة التحديات، واهتمامها بالمهارات الحياتية الاساسية، والتفكير النقدي.

وغطى الفصل السادس التجربة الفنلندية الرائدة في مجال رفاهية الطلاب والمعلمين والاعتماد على الاستقلالية في التدريس وتوفير البيئة التعليمية التي تضمن تكافؤ الفرص للجميع بتعليم مجاني لكل المراحل. أما الفصل السابع احتوى التجربة الكوبية ذات التاريخ العريق في ميدان التعليم. فرغم التحديات الكبيرة التي واجهتها كوبا، ظل نظامها التعليمي أنموذجاً يحتذى به بفضل تركيزه على الشمولية والعدالة والجودة وضمان المساواة في الفرص التعليمية المجانية للجميع من الروضة حتى الجامعة. وتضمن الفصل الثامن التجربة الايرلندية، جوهرة اوروبا الخضراء، المتميزة بجودة تعليمها وكفاءة المعلمين وتعاونهم مع الأُسر، واهتمامهم بالصحة النفسية للطلاب بتوفير البيئة التعليمية الآمنة.

ونطل في الفصل التاسع على التجربة اليابانية، البلد الذي ادهش العالم بمنجزاته العلمية والتقنية وبجودة نظامه التعليمي وتفرد خصائصه. ورغم شهرة النظام التعليمي الياباني بصرامته، إلا انه يشجع على الابتكار والابداع، وهو ما نحتاج إليه في وطننا وعالمنا العربي. وفي الفصل العاشر نتعرف على التجربة الألمانية التي تمكنت من تجاوز أزمات الماضي وتتفوق بكل مجالات الحياة لا سيما الجانب الأكاديمي المعروف بسمعته العالمية، المرتكز على تطوير المهارات النقدية والابداعية وتأهيل الكفاءات لسوق العمل المتغير باستمرار. وتطرق الفصل الحادي عشر إلى التجربة الامريكية المعروفة بنظامها اللامركزي الذي يعتمد التفكير النقدي والابداع والسعي لتوفير الفرص المتساوية، ولكنه يواجه تحديات كالتفاوت في جودة التعليم، وارتفاع تكاليف التعليم العالي والفجوة في التحصيل بين الطلاب من خلفيات وطبقات مختلفة.

وجرى تناول التجربة السويدية في الفصل الثاني عشر التي امتازت بربط البحث العلمي الذي يسهم في ايجاد حلول للتحديات المجتمعية المختلفة، بالنزاهة العلمية والاخلاق البحثية. يهتم نظامها التعليمي بالتدريب العملي للطلاب وبتطوير البرامج الدراسية التي تتناغم مع متطلبات سوق العمل والانفتاح على العالم. وكان الفصل الثالث عشر حول التجربة الكندية الرائدة الفريدة على مستوى العالم، المعروفة بجودة نظامها التعليمي المتاح لجميع الطلبة على اختلاف خلفياتهم الثقافية. أما الفصل الرابع عشر بحث التجربة الدانماركية التي تُعد أنموذجاً فريداً بنظامها التعليمي الشامل الذي يركز على بناء الانسان وكيفية اكتسابه للمعرفة المرتبطة بالبحث.

وخصص الفصل الخامس عشر إلى تقديم عرض سريع لأهم ما يميز الانظمة التعليمية في الدول التي جرى الحديث عنها، برؤية شاملة ومبسطة مع التركيز على كيفية استخلاص الدروس التي يمكن أن تساهم في تطوير انظمتنا التعليمية. وتناول الفصل السادس عشر مقارنة هامة بين الانظمة التعليمية وتحليل مدى امكانية استفادة دولنا منها. أما الفصل الأخير فهو من الفصول المهمة التي تطرح التحديات التي تواجه مسألة التعليم في دولنا العربية وكيفية تجاوزها بايقاظ الوعي المجتمعي الذي يسهم في تطوير مشاريع التنمية الشاملة والمستدامة. وتضمنت نهاية الكتاب، ملحق رقم (1) مكرس لأهمية التفكير النقدي في بناء أجيال المستقبل، والملحق الثاني يتعلق بحوار مثير ضمن برنامج “مرايا فكرية” اجراه الباحث مراد غريبي مع البروفسور محمد الربيعي، الذي يرى بأن رحلته في هذا الكتاب، لا تهدف إلى تقديم حلول جاهزة أو وصفات سحرية، بل هي دعوة للتأمل والتفكير النقدي في انظمتنا التعليمية، وكيف يمكن أن نستلهم التجارب الناجحة ونوظفها بعقلانية لغرض تحقيق التميز والازدهار.

المصدر: وكالة الصحافة المستقلة

كلمات دلالية: فی مجال التعلیم التفکیر النقدی الاستفادة من فی الفصل من خلال

إقرأ أيضاً:

حاج رجم: “لا يهم الملعب الذي سنواجه فيه أورلاندو المهم الفوز وتشرف الجزائر”

تحدث رئيس مجلس إدارة فريق مولودية الجزائر، الحاج رجم، عن مباراتهم المقبلة في رابطة أبطال إفريقيا، أمام أورلاندو بيراتس الجنوب إفريقي، مؤكدا ضرورة الفوز على هذا الأخير.

وصرح رجم، اليوم الجمعة للإذاعة الوطنية: “من الدور التمهيدي اعتمدنا لدى “الكاف”، ملعبي “الدويرة”، و”5 جويلية””.

كما أضاف: “الأمور تسير في الطريق الصحيح بخصوص عودتنا لملعب “الدويرة”، وفي الأيام القادمة سيكون الجديد”.

واردف: “يجب أن تسير الأمور باحترافية في تسليم، واستلام تسيير الملعب من الوزارة، إلى فريق مولودية الجزائر، كون ذلك يتطلب أمور كثيرة”.

وتابع حاج رجم: “المهم بالنسبة لنا هو اللعب في الجزائر، والأهم أن نكون جاهزين لمواجهة أورلاندو بيراتس، من أجل تحقيق الفوز وشريف الجزائر في هذه المنافسة”.

مقالات مشابهة

  • حاج رجم: “لا يهم الملعب الذي سنواجه فيه أورلاندو المهم الفوز وتشرف الجزائر”
  • بحضور مريم بنت محمد بن زايد.. وفد مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع يزور مجمع زايد التعليمي بدبي
  • بحضور مريم بنت محمد بن زايد.. وفد مجلس التعليم يزور مجمع زايد التعليمي بدبي
  • محمد بن زايد: التعليم أساس التحول التنموي الذي نعمل عليه للحاضر والمستقبل
  • رئيس الدولة: التعليم أساس التحول التنموي الذي نعمل عليه للحاضر والمستقبل
  • الأزهر يحرم مشاهدة “مسلسل معاوية” الذي انتجته “إم بي سي” السعودية 
  • “الفصل مصير من يرفض”… شركة صينية تمنح موظفيها العازبين مهلة للزواج!
  • ما الذي يفعله “آل جابر” في قمة عسكرية أمريكية سعودية..! 
  • “الحكومة الرقمية” تُطلق مؤشر نضج التجربة الرقمية 2025