عالم في علم النبات وعلوم اللغة والمعاجم وطبيب مبدع. ألف أول موسوعة لغوية طبية في التاريخ، فكان صاحب سبقٍ طبي ولغوي فريد من نوعه، ولد الطبيب عبدالله بن محمد الأزدي الملقب بابن الذهبي في مدينة صحار في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، وفي صحار تلقى ابن الذهبي تعليمه الأولي من خلال حضور حلقات القرآن الكريم واللغة العربية ومبادئ الحساب.
وفي مرحلة الشباب اعتنى ابن الذهبي بدراسة الطب وصناعة الأدوية ودراسة النباتات الطبية التي يمكن الاستفادة منها في صناعة الأدوية، فقد كان شغوفا بتعلم كل ما هو جديد في مجال تشخيص الأمراض العضوية والنفسية وكل ما هو جديد في مجال استخدام النباتات في علاج الأمراض، فقرر دراسة خصائص النباتات التي تنمو في مدينة صحار، ودرس استخداماتها الطبيبة، كما درس كتب الفلسفة، وقرأ كتب الكيمياء والصيدلة، وبعد فترة قضاها في البحث والتقصي حول النباتات التي تستخدم كعلاج للأمراض في عمان قرر ابن الذهبي شق عصا الترحال لمزيد من المعرفة الطبيّة والصيدلانية.
وكانت البصرة خلال العصور الإسلامي محطة ثقافية مهمة يحرص طلاب العلم على السفر إليها من أجل الالتقاء بكبار علماء الإسلام في تلك الفترة وحضور حلقاتهم العلمية، هذا ما حدا بابن الذهبي إلى السفر للبصرة لينهل من معين علمائها ويجالسهم ويتباحث معهم في العلوم الطبيبة. وفي البصرة زار ابن الذهبي المكتبات ودور الوراقين فاطلع على كتب الطب والصيدلة، والتقى فيها بأشهر علماء العراق من أمثال الطبيب أبي الحسن الحراني، فجالسه وتعلم منه وقرأ كتبه وتباحث معه حولها، وقرأ مؤلفات يعقوب بن إسحاق الكندي الذي كتب كتاب رسالة في قدر منفعة صناعة الطب، حيث وضع في هذا الكتاب مقياس رياضي لتحديد فعالية الدواء، وأطلع ابن الذهبي على مؤلفاته في الكيمياء كرسالته التي تحمل عنوان كتاب في إبطال دعوى من يدعي صنعة الذهب والفضة، وقرأ كتابه في صناعة العطور، ودرس ابن الذهبي كتاب فردوس الحكمة أو جنة الحكمة لمؤلفه أبي الحسن علي بن سهل الطبري، وقرأ مؤلفات أبي زكريا يوحنا بن ماسويه الخوزي مثل: كتاب النوادر الطبية، وكتاب الأزمنة، وكتاب عن دغل العين، وكتاب معرفة محنة الكحالين، وكتاب المنجي في التداوي من صنوف الأمراض والشكاوي، ودرس مؤلفات محمد بن زكريا الرازي، وإسحاق بن عمران البغدادي، ومحمد بن محمد الفارابي، وخلال إقامته في العراق اختبر النباتات العراقية وتعرف على فوائدها وقارنها بالنباتات العمانية.
بعد العراق عزم ابن الذهبي السفر إلى بلاد فارس ليدرس على يد الطبيب والصيدلاني والفيلسوف والفلكي الملقب بالأستاذ أبي الريحان محمد بن أحمد البيروني، فتعلم منه وناقشه في كل ما يخص علم الأمراض والأعشاب الطبية، وتعلم على يديه من كتاب البيروني الصيدلة في الطب وهو كتاب موسوعي ذكر فيه مجموعة كبيرة من الأدوية وحدد طريقة إعدادها وكيفية استخدامها، وأسماء النباتات والأعشاب في اللغة العربية والهندية والفارسية. وبعدها سافر ليلتقي بأبي علي الحسين بن عبدالله بن الحسن بن علي بن سينا، الذي كان أشهر أطباء عصره وله كتاب مهم في الطب بعنوان القانون في الطب، فدرس على يد ابن سينا أحدث ما توصل إليه الطب في تلك الفترة، وقرأ على يدي ابن سينا مؤلفات ابن سينا الطبية، والشعرية كذلك، مثل قصيدة ابن سينا التي مطلعها: نزلتُ إليك من المحلِ الأرفعِ، وكان ابن الذهبي يُجِلُ ابن سينا كثيرًا ويقدره ويصفه بشيخنا العلامة احترامًا واجلالا له.
خلال هذه الرحلة المعرفية الشيقة والممتعة في البحث والدراسة والتقصي كان ابن الذهبي يسجل في كتابه وبطريقةٍ علميةٍ أهم ما توصل إليه من معرفةٍ فيما يخص النباتات والتداوي بها، فكتب معجم طبي لغوي عنونه بعنوان الماء، ورتبه على حروف المعجم، وجعل الجذر الثلاثي للكلمة أصلا للمادة. وابتدأ هذا المعجم الطبي اللغوي بمادة الماء، ثم بدأ بعدها بمادة الهمزة، ثم بقية حروف الهجاء إلى أن انتهى بمادة الياء.
كتب ابن الذهبي في مقدمة كتابه هدفه من كتابة هذا المعجم، حيث قال: "وأردته نافعًا لمن سَمتْ به همته من غير الأطباء، إلى أن يتعرف صنعة الطب، ويتشوف إلى معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم (ما وضع الله داء إلا وضع له دواء)، ومسعفا للطبيب الراغب في تعريب لسانه ولوازم صنعته وآلات مهنته. فقد بلغنا عن أطباء عصرنا ومتطببيه، وصيادلته وعطاريه، وأهل الجراحة والتشريح والكحالين، ما بلغنا من خروجهم على لغة العرب، وتفضيلهم لكلام العجم، يتمادحون بذلك فيما بينهم، ويغمضون فيه أمام مرضاهم، إظهارًا لقدرة لا تستحق الإظهار وعجمة لا تستوجب الافتخار... فجهدت جهدي أن أعيد الأعجمي من لفظ الأطباء إلى رسوم لسان العرب). إذًا كان هدف ابن الذهبي من هذا المعجم تعريب علم الطب، وحمل الأطباء على التحدث باللغة العربية والاعتزاز بها.
واعتمد ابن الذهبي في معجمه على مصادر لغوية مثل كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي الذي سار على نهجه وطريقته، واستفاد ابن الذهبي أيضًا من كتاب الطب النبوي لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري، والمؤلفات اللغوية لمحمد بن يزيد المُبرد، كما رجع إلى المؤلفات الطبية التي كتبها علماء الإغريق والهنود والإسلام.
وفي مقدمة الكتاب لم ينس ابن الذهبي أن يقدم شكره وعرفانه لمن كان سنده ومرجعه في تأليف كتابه حيث قال: "وقد عولت في هذا الكتاب على ما اختبرته بنفسي وما أفاضه علي شيوخ الأطباء الكبار فأولهم استحقاقا للتنويه الشيخ العلامة ابن سينا، فله على كل كلمة ها هنا عارفة، وعلى كل علم نوليه طارفة. فمنه أخذت معظم أبواب صنعة الطب. وعن أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد أفدت تعريب ما كنت أصليت من أسماء ومسميات. فأليهما فضل ما في هذا الكتاب من طبٍ نافعٍ، ومعنى شافعٍ".
وبعد بلاد فارس سافر ابن الذهبي إلى بلاد الشام فزار بيت المقدس وعدد من المدن الشامية فدرس خصائص النباتات فيها وأخضعها للتجريب والبحث، ثم ارتحل إلى الأندلس ليستقر فيها ويلتقي بعلمائها وأطبائها، لتوافيه المنية هناك وبالتحديد في مدينة بلنسية عام 456 هـ الموافق 1064م، وحضر جنازته جمعٌ غفيرٌ من الناس من بينهم علماء الأندلس ومنهم القاضي أبو القاسم صاعد بن أحمد عبدالرحمن التغلبي الأندلسي القرطبي صاحب أربعة مؤلفات مهمة وهي: كتاب حركات النجوم والكواكب، وكتاب جوامع أخبار العرب والعجم، وكتاب في الديانات والمعتقدات والفرق الإسلامية وغير الإسلامية، وكتاب طبقات الأمم، ولقد أشار القاضي صاعد الأندلسي في هذا الكتاب إلى وفاة ابن الذهبي في مدينة بلنسية.
وسعت وزارة التراث العمانية إلى العناية والاهتمام بمخطوط كتاب الماء فعملت على تحقيقه ودراسته وقام بتحقيق المخطوط الطبيب هادي حسن حمودي، وطبعت الوزارة الكتاب مرتان الأولى عام 1996م، والثانية 2015م، كما عُقِدت العديد من الندوات والمحاضرات داخل السلطنة وخارجها للتعريف والإشادة بهذا العالم الجليل، وقُدِمت العديد من الدراسات حول كتاب الماء للوقوف على أهمية الكتاب ودوره الفكري، ومساهمته العلمية.
قدم هذا الطبيب والصيدلاني العماني إلى المكتبة الإنسانية معجما طبيا لغويا أسهم من خلاله في إثراء العلم الإنساني، ووضع بصمته في تطويره، وهذا دأب العماني دائمًا الحرص على الابتكار والإقدام العلمي، وتقديم كل ما هو جديد. وسعت سلطنة عمان إلى إدراج هذا الطبيب إلى قائمة الشخصيات العالمية المؤثرة في المجتمع الإنساني بتقديمها خدمات جليلة للإنسان بالحفاظ على حياته وصحته من خلال كتابه الطبي "الماء"، فكان ذلك حيث وافق منظمة اليونسكو على إدراج ابن الذهبي إلى قائمة الشخصيات العالمية المؤثرة في عام 2015م.
*تربوية وباحثة في الشأن التاريخي
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی هذا الکتاب فی مدینة ابن سینا محمد بن بن أحمد بن سینا
إقرأ أيضاً:
قرن على كتاب هز العقول !
(1)
في السابع من أبريل القادم يكون قد مر قرن كامل على صدور كتاب أثار وما زال يثير نقاشا حيويا وخصبا، يمكن اعتباره الكتاب المؤسس في الثقافة العربية الحديثة؛ وأول كتاب يثير من المعارك والجدال ما زال قائما حتى وقتنا هذا، رغم ما شهده هذا القرن من أحداث مهولة بل أحداث جسام!
عن كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، للشيخ الجليل المستنير علي عبد الرازق (1888-1966) الذي أقام الدنيا ولم يقعدها منذ ذلك الحين بكتابه هذا (لم يتجاوز عدد صفحاته الـ136 صفحة من القطع الأقل من المتوسط)، وهو كتاب دشّن (معركة القدامى والمحدثين) أو (صراع المحافظين والمجددين)؛ مرحلة الإعلان عن بنية الثقافة والدولة الحديثة، في مواجهة تصورات وأنظمة بشرية وتجارب تاريخية انتهت ومضت، ولن يعيد التاريخ دورتها لأن التاريخ لا يعيد نفسه مهما جرى!
هذا بالضبط ما حدا بالبعض إلى النظر للكتاب، وقيمته وأهميته، كما يقول المؤرخ القدير الدكتور محمد عفيفي، من ناحية هذا المضمون الفكري "التجديدي" في بيان تاريخية نظام الخلافة وبشريته، في مقابل مَن روَّج إلى قداسة نظام الخلافة؛ إذ أوضح أن الخلافة نظام سياسي ابتدعه المسلمون، وليس نظامًا مقدسًا لا يستقيم الإسلام بدونه.
في نشرته الأولى من الكتاب يقول الدكتور محمد عمارة في تصديره لهذه الطبعة (1971): "منذ أن عرفت الطباعة طريقها إلى بلادنا لم يحدث أن أخرجت المطبعة كتابا أثار من الجدل واللغط والمعارك والصراعات مثلما أثار كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبد الرازق الذي نشر قبل ما يقرب من نصف قرن" (كتب هذه السطور سنة 1971).
(2)
وها نحن الآن، بدورنا، نؤكد صحة هذه الأسطر بعد مرور مائة عام على صدور الكتاب؛ لأسبابٍ كثيرة جدا منها أن الشيخ المستنير قد قدم وللمرة الأولى في تاريخ الثقافة العربية نقدا منهجيا لتجربة الحكم في ظلال ما سمي بالخلافة الإسلامية؛ وهي نظام للحكم أقيم على أسس حدّدتها سياقات الحكم والسياسة والعمران في وقتها؛ ولم يكن لها أدنى صلة بالعقيدة كعقيدة؛ إنما أريد لها ذلك في أزمنة تالية على نزول الوحي، ومن ثم تم تكريس هذا النظام باعتباره نظاما دينيا.
تاريخيا، وبعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وما جرى للدولة العثمانية، رجل أوروبا المريض، ونجاح أتباع تركيا الفتاة، قرر المجلس الوطني الكبير في أنقرة في نوفمبر من سنة اثنتين وعشرين (1922)، إعلان تركيا "جمهورية" وفصلها عن الخلافة، وكان قرار الفصل بين منصب رئيس الجمهورية ومنصب الخليفة، يعني الاعتراف بالاستقلال السياسي الكامل والتام عن الأتراك.
وتصدى بعض الكتاب الأتراك -آنذاك- لتأليف الكتب والدراسات التي تعضد هذا الموقف، فخرج كتاب «الخلافة وسلطة الأمة» لعبد الغني السني بك الذي أعيد نشره، كدراسة فقهية اعتمد عليها الكماليون للفصل بين الخلافة والسلطة، وفي المقابل (خاصة في مصر) كتب آخرون يرفضون هذا الإجراء مثل الشيخ الأصولي محمد رشيد رضا في المنار، وكتاب لمصطفى صبري أحد المعارضين لحزب تركيا الفتاة.
وفي مارس من سنة 1924، أُلغي منصب الخلافة ذاته في تركيا، فسَعَت أطراف عديدة إلى حيازة اللقب وفي القلب منهم ملك مصر آنذاك الملك فؤاد الأول، وكان المؤتمر الإسلامي في القاهرة جزءا من هذه الجهود.
(3)
وفي وسط هذه الموجة المحمومة من التطلع إلى وراثة نظام الخلافة ولقب الخليفة، خرج الشيخ علي عبد الرازق في أبريل من عام 1925 بكتابه «الإسلام وأصول الحكم»، ليعلن من خلاله أن الخلافة ليست أصلا من أصول الدين، أبدا، بل هي اجتهاد بشري للمسلمين،
واستعرض تاريخ الخلافة والفصل الفعلي بين الخلافة وغيرها منذ العصر العباسي حتى القرن العشرين. وهناك دائما فجوة بين النموذج النظري في كتب العقائد، وبين التحقق الفعلي في التاريخ الاجتماعي للمسلمين. وتلك هي الإشكالية التي يتعرض لها الكتاب. فمشكلة الخلافة ما زال البعض يناقشها من زاوية الدين، لا من زاوية الدنيا، ومن باب العقيدة، لا من باب السياسة.
(4)
إجمالًا -وإذن- يمكن القول إن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» قد ظهر في أعقاب إلغاء نظام الخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924 حين انقسم الناس فريقين؛ فريق يطالب بإعادتها مرة ثانية (وستكون هذه الفكرة هي النواة التي التف حولها كل دعاة الإسلام السياسي وتسييس الإسلام من الشيخ رشيد رضا ومن بعد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان).. وتيار آخر يعيد النظر تماما ونقديا في نظام الخلافة، ويدعو إلى الحيلولة دون قيامها، ويتزعمه حزب (الأحرار الدستوريين)، الذي ينتمي إليه الشيخ علي عبد الرازق وعائلته، ويرأس تحرير صحيفته الدكتور محمد حسين هيكل (صاحب كتاب «حياة محمد») الذي احتفى بالكتاب احتفاءً كبيرًا في جريدة «السياسة»، لسان حال الحزب.
وقد عالج الكتاب قضية الخلافة من حيث نشأتها، وتاريخها وتطورها، وعلاقتها بالإسلام، كما يعرض لتفاصيل ذلك النظام السياسي الذي أوجده الإسلام منذ قيامه إلى زمن أو عصر المؤلف. وينتهي إلى أن الإسلام لا صلة له بالحكم، ولا بالمجتمع وشؤونه الدنيوية، وأنه يجب إنهاء الخلافة في العالم الإسلامي، بما أنها نظام غريب عن الإسلام، ولا أساس له في المصادر والأصول المعتمدة من كتاب وسنة وإجماع.
والكتاب عبارة عن مقدمة وثلاثة أقسام، القسم الأول بعنوان "الخلافة في الإسلام" تناول فيه طبيعة الخلافة، وحكم الخلافة، والخلافة من الوجهة الاجتماعية، أما القسم الثاني فيدور حول "الحكومة والإسلام" وقد تناول فيه الشيخ علي عبد الرازق نظام الحكم في عصر النبوة، مميزًا بين الرسالة والحكم، طارحًا فيه فكرته عن الإسلام باعتباره "رسالة لا حكم ودين لا دولة"، أما القسم الثالث فيتتبع فيه "الخلافة والحكومة في التاريخ"
ومنذ صدوره، أثار الكتاب جدلًا طويلًا في الأوساط الفكرية، وانقسم المثقفون إلى تيار "ليبرالي" مؤيد يمثله مفكرون ينتمون إلى حزبي (الوفد)، و(الأحرار الدستوريين)، وتيار سلفي معارض يأتي في طليعتهم الشيخ محمد رشيد رضا على صفحات مجلة «المنار»، والشيخ محمد الخضر حسين في كتابه «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم»؛ فضلًا عن هيئة كبار علماء الأزهر.
وقد نشرت دراسات كثيرة حول الكتاب، باللغة العربية واللغات الأجنبية، ومن بينها كتابا «الإسلام والخلافة في العصر الحديث» لمحمد ضياء الدين الريس، و«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق «دراسة ووثائق» لمحمد عمارة، وهو الذي نعتمد عليه هنا في هذه الحلقة من مرفأ قراءة والحلقات التالية التي سنفصل فيها القول عن الكتاب وحوله بمشيئة الله.
(5)
لقد أراد الشيخ علي عبد الرازق من كتابه، وبما أعلنه من أفكار حرة جريئة، تحرير العقول الإسلامية؛ لكي يتمكن المسلمون من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.
وتلك ببساطة -مع ضرورات الاختزال والتكثيف لحدود المساحة- هي أهم الأفكار التي يقوم عليها كتاب الشيخ المستنير علي عبد الرازق الذي كان ثائرًا بحق على الأوتوقراطية والثيوقراطية معا، والذي التقط أسلحته من الإنجاز العقلاني التراثي الإسلامي الأصيل، ومن الإنجاز الموازي لدعاة الدولة المدنية في الغرب الأوروبي الذي كان يعرفه، ولا يتردد في الإفادة منه عملًا بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وكان هدفه إعادة فتح أبواب الاجتهاد على مصاريعها، وهو أمر لا يقل عن إيمانه بالدولة المدنية ودفاعه عنها.