سلطت صحيفة "وول ستريت جورنال" على مدينة إدلب شمال غربي سوريا التي انطلقت منها فصائل المعارضة للإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، مشيرة إلى أن المدينة هي نموذج لما يرغب حكام البلاد الجدد في أن تصبح سوريا عليه.

وقالت الصحيفة في تقرير ترجمته "عربي21"، إن إدلب، معقل المقاومة ضد الأسد حيث بدأ الحكام الجدد في تدريب أنفسهم، تعج بالحياة الاقتصادية.

وتزدحم شوارع المدينة بحركة المرور. وتمتلئ مطاعم الإفطار التي تقدم الفلافل وحساء الحمص حتى آخر مقعد. ويصطف الرجال خارج مكاتب الحكومة للانضمام إلى قوات الأمن الجديدة. وهناك حتى حديقة حيوانات حيث يتطلع القادمون من خارج المدينة إلى عائلة من الأسود ونمر في قفص. 

وأضافت أن إشارات المرور التي تعمل، والسلع المستوردة، والساحات النظيفة، وهي كلها أشياء نادرة في أماكن أخرى من البلاد المدمرة، تشكل مصادر للفخر. 

لسنوات، كانت إدلب منطقة نائية منسية، وصفها نظام الأسد بأنها "عش متقيح للإرهاب الإسلامي"، ويديرها مسلحون صنفتهم الولايات المتحدة وأوروبا على أنهم "إرهابيون".


وخلال الحرب، أصبحت المدينة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 160 ألف نسمة، والمحافظة المحيطة بها مركزا لدولة موازية بناها الثوار الذين يتولون السلطة الآن في دمشق، وتحولت إلى مركز تجاري. والآن أصبحت بمثابة مغناطيس للسوريين المحرومين من الوصول إلى السلع الأجنبية الصنع بسبب سنوات من العزلة الاقتصادية في ظل العقوبات. 

وقال مهند العلي البالغ من العمر 35 عاما، والذي كان في محافظة إدلب يشتري أحذية رياضية بكميات كبيرة لمتجره في حلب على بعد ساعة تقريبا، إن "هذه هي المرة الثانية التي أزور فيها إدلب، وما زلت مندهشا من مدى تطورها. وأنا سعيد لأن كل السوريين أصبحوا الآن واحدا، وأن البلاد أصبحت متصلة مرة أخرى". 

قبل الإطاحة بنظام الأسد في هجوم خاطف في أواخر العام الماضي، كانت جماعة "هيئة تحرير الشام" الإسلامية تدير إدلب لسنوات كدولة شبه مستقلة بإدارتها ولوائحها الخاصة. لقد قمعت المعارضة السياسية بالقوة، لكنها حفزت النمو الاقتصادي من خلال تقديم مزايا تجارية أشبه بالمنطقة الاقتصادية الحرة، وفقا للتقرير.

إلى الشمال من مدينة إدلب، برزت بلدة سرمدا كواحدة من أكثر مراكز سوريا ازدحاما بتجارة الجملة للسلع المنزلية والسيارات. طورت "هيئة تحرير الشام" دولة ظل تركز على توفير الأمن وبعض الخدمات والنمو الاقتصادي، وهو النموذج الذي يقدم الآن أدلة على الكيفية التي قد تسعى بها المجموعة إلى حكم بقية البلاد. 

مع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر، اختفت الخطوط الأمامية ونقاط التفتيش، ما سمح للسوريين بالدخول إلى أجزاء من البلاد لم يروها منذ سنوات. يأتي الكثيرون الآن إلى إدلب ليشهدوا هذا الجيب من شمال غرب سوريا الذي صمد في وجه النظام. كما يأتون لشراء السلع الرخيصة - من الغسالات إلى السيارات. 

قال محمد بري، 24 عاما، الابن الأكبر في شركة إطارات عائلية نمت في السنوات الأخيرة إلى 7 ملايين دولار في الإيرادات: "في إدلب كان هناك تقدم كبير، لم تشهده أي محافظة أخرى تحت حكم نظام الأسد.  نحن فخورون بالعمل خلال الحرب، وأظهرنا للعالم أن السوريين لا يمكن إخضاعهم".  

افتتح والد بري شركة الإطارات في عام 2012 بعد فرار العائلة إلى هنا. قال، مشيرا إلى الطريق السريع المزدحم بالخارج، حيث تبيع المتاجر كل شيء من أحواض المطبخ والنباتات البلاستيكية إلى المجوهرات الذهبية والمانجو المستوردة من تركيا بخمسة دولارات: "لم يكن هناك شيء عندما انتقلنا إلى هنا". الرجال في الساحة المركزية يحملون أعلاما تصور الألوان الثلاثة السورية أو أعلاما تحمل الشهادتين. 
في حين رفع الأسد الرسوم الجمركية لدعم الإيرادات للنظام وحظر العملات الأجنبية لتعزيز الليرة السورية، أعفت هيئة تحرير الشام التجار في إدلب من الضرائب، على غرار المناطق الحرة في دبي.


ومنذ توليها السلطة في دمشق، سمحت الإدارة الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام بالمعاملات بالدولار وخفضت الرسوم الجمركية بنسبة تصل إلى 60% للمساعدة في حماية المنتجين المحليين. 

وقال بري إن إدارة هيئة تحرير الشام لم تفرض على شركته سوى 20 دولارا كرسوم جمركية عن كل حاوية من البضائع المستوردة من الهند والصين عبر تركيا المجاورة، وهي ميزة تنافسية تتمتع بها شركات إدلب الآن مقارنة بالشركات في أماكن أخرى من سوريا. وأضاف أن السيارات هنا تباع بربع السعر في المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام سابقا. 

استفادت إدلب، وبالتالي هيئة تحرير الشام، من الحدود مع تركيا. حيث عرضت تركيا، التي تستضيف ثلاثة ملايين لاجئ سوري وتخشى عدم الاستقرار في سوريا، خصومات على الصادرات لتجار إدلب ووفرت الكهرباء لتشغيل المصانع الجديدة. ولا تزال الليرة التركية هي العملة المفضلة في إدلب. 

وفي المقابل، اكتسبت تركيا نفوذا كبيرا على مستقبل سوريا. وكان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، ورئيس جهاز المخابرات التركي، أول كبار الشخصيات الأجنبية رفيعة المستوى يزورون دمشق بعد تولي هيئة تحرير الشام السلطة. وتبعهم رجال الأعمال، معربين عن اهتمامهم بإعادة بناء قطاع الطاقة في سوريا. 

وفي الوقت نفسه، حكمت هيئة تحرير الشام بعصا. وقالت "هيومن رايتس ووتش" إنها اعتقلت وعذبت المعارضين السياسيين بشكل تعسفي، على غرار التكتيكات التي يستخدمها نظام الأسد.

وخرج المتظاهرون في إدلب بانتظام إلى الشوارع، مطالبين بالإفراج عن السجناء وإنهاء قمع أصوات المعارضة. واندلعت الاحتجاجات بسبب الصعوبات الاقتصادية، حيث طالب الناس بإنهاء سيطرة هيئة تحرير الشام الاحتكارية على الاقتصاد. 

تتعرج الطرق المؤدية إلى إدلب عبر بلدات متناثرة الأنقاض حيث تسببت الغارات الجوية الروسية في تقشير واجهات الكتل السكنية. والخنادق والمعدات العسكرية المهجورة هي بقايا الصراع الأخير. وتمتد معسكرات الخيام الضخمة على طول الطريق السريع، حيث تؤوي بعض المليوني شخص الذين نزحوا داخليا هنا، وفقا للأمم المتحدة. 

ولكن الأهم بالنسبة للجمهور الذي دعم المجموعة، أن إدلب كانت آمنة إلى حد كبير، وأن الابتزاز والنهب السائد في المناطق التي يسيطر عليها النظام كان غائبا إلى حد كبير، وفقا للخبراء في الحرب السورية والسكان. تدريجيا، خففت هيئة تحرير الشام من صورتها العامة. 

ونقل التقرير عن دارين خليفة، المستشارة البارزة في مجموعة الأزمات الدولية، وهي منظمة لحل النزاعات مقرها بروكسل والتي تابعت حكم هيئة تحرير الشام في إدلب لسنوات، قولها إن الاستقرار ساعد هيئة تحرير الشام في بناء اقتصاد مزدهر بشكل أسرع من الأكراد السوريين الذين احتفظوا بمساحة شبه مستقلة في شمال شرق سوريا لفترة أطول، لكنهم واجهوا هجمات مستمرة من تركيا.

وأضافت أن سوريا أكثر تنوعا عرقيا وسياسيا من إدلب المحافظة ذات الأغلبية السنية، إلا أن تجربة هيئة تحرير الشام أعطتهم الاعتقاد بأنهم قادرون على إدارة البلاد بأكملها. 

وقالت: "أعلم أنهم يتعرضون للكثير من الانتقادات الآن، بما في ذلك منا، قائلين إنهم لا يستطيعون ببساطة طرح نموذج إدلب على البلاد بأكملها. لكن من وجهة نظرهم، كان نموذجا ناجحا، ويمكن أن يكون مفيدا في الأمد القريب". 


على مر السنين، طورت هيئة تحرير الشام حكومة في انتظارها في إدلب، استعدادا للحظة التي قد تواجه فيها الأسد، كما قال المقدم حسن علي أبو محمد، مدير إدارة شؤون الضباط في وزارة الداخلية في إدلب.

وكان رئيس الوزراء المعين حديثا ورئيس المخابرات ووزير العدل جميعا من المقربين من زعيم هيئة تحرير الشام والرئيس الحالي أحمد الشرع في إدلب. 

في الوقت نفسه، أعادت الجماعة هيكلة جيشها استعدادا للاستيلاء على دمشق. وجاءت لحظة الدفعة الأخيرة مع إضعاف حزب الله، الميليشيا اللبنانية المدعومة من إيران والتي كانت داعما أساسيا للأسد.

وقال أبو محمد، الذي كان في غرفة العمليات أثناء الهجوم، إنه بمجرد أن بدأت هيئة تحرير الشام هجومها في تشرين الثاني/ نوفمبر، تقدمت بسرعة كبيرة حتى أنها فاجأت قادتها. 

وأضاف "لم أصدق أننا وصلنا إلى العاصمة. اعتقدت أن الحد سيكون حماة"، المدينة الكبيرة الواقعة على بعد 130 ميلا شمال دمشق حيث تقدم الثوار بعد الاستيلاء على حلب في الشمال. 

أكثر من التسوق والسياحة، قال الزوار إنهم جاؤوا إلى إدلب للاحتفال بنهاية النظام والحرب التي قسمت السكان لأكثر من عقد من الزمان. 

وقال جهاد وحيدي، وهو صيدلاني يبلغ من العمر 44 عاما من حماة: "فرحتنا برحيل الأسد أكثر أهمية من التسوق. لأول مرة، أصبحت سوريا دولة واحدة".

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة إسرائيلية إدلب سوريا الأسد دمشق الشرع سوريا الأسد دمشق إدلب الشرع صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة هیئة تحریر الشام نظام الأسد فی إدلب

إقرأ أيضاً:

محمد السادس يوجه الشعب المغربي بعدم ذبح الأضاحي هذا العام.. لهذا السبب

ملك المغرب محمد السادس (وكالات)

في خطوة غير مسبوقة، وجه ملك المغرب محمد السادس رسالة إلى الشعب المغربي، داعياً إياهم إلى عدم القيام بشعائر ذبح الأضاحي بمناسبة عيد الأضحى لهذا العام.

وجاء هذا القرار في إطار استحضار التحديات المناخية والاقتصادية التي تمر بها المملكة حاليًا، والتي أثرت بشكل كبير على القطعان الحيوانية في البلاد، ونتج عنها تراجع ملحوظ في أعداد المواشي.

اقرأ أيضاً إسرائيل تتوجس: هذه الدولة العربية قد تصبح الخطر الأكبر في المستقبل 27 فبراير، 2025 تصعيد جديد: صنعاء تلوح بتعليق محادثات السلام بعد حدوث هذا الأمر 26 فبراير، 2025

ووفقًا للمعلومات الرسمية، فقد شهد المغرب تراجعًا حادًا بنسبة تصل إلى 38% في قطيع المواشي الوطني، مقارنة بالإحصاءات التي أُجريت قبل تسع سنوات، وهو ما يعتبر انخفاضًا خطيرًا يعكس تأثير سنوات الجفاف المتتالية التي ضربت البلاد.

هذه السنوات الطويلة من نقص الأمطار والموجات المتتالية من الجفاف كانت قد تسببت في تدهور حالة المراعي وزيادة صعوبة تربية المواشي، مما أدى إلى انخفاض أعدادها بشكل غير مسبوق.

في ظل هذه الظروف الصعبة، أشار ملك المغرب في رسالته إلى أن التوجيهات تأتي حفاظًا على استدامة الثروة الحيوانية وحماية الموارد الزراعية التي تعد من أهم دعائم الاقتصاد الوطني.

فقد أصبح من الضروري، في ظل هذه التحديات البيئية والاقتصادية، اتخاذ قرارات قد تبدو غير تقليدية، لكن تهدف إلى تحقيق مصلحة الجميع على المدى البعيد.

وتضمن خطاب الملك أيضًا دعوة للمواطنين إلى إظهار التضامن والتفاهم مع هذا الوضع الاستثنائي، مشددًا على ضرورة التركيز على التحديات الكبرى التي تواجهها البلاد في الوقت الراهن، والبحث عن حلول بديلة تدعم القطاع الزراعي وتحافظ على استدامة الموارد الطبيعية.

وفي نفس السياق، تم التأكيد على أن السلطات المغربية ستواصل العمل على توفير الدعم للمزارعين والقطاعات المتأثرة بالجفاف، مع وضع خطط للمستقبل تهدف إلى تعزيز القدرة على التكيف مع التقلبات المناخية المتزايدة.

مقالات مشابهة

  • ما خيارات حكام دمشق الجدد في الرد على العدوان الإسرائيلي المتصاعد؟
  • محمد السادس يوجه الشعب المغربي بعدم ذبح الأضاحي هذا العام.. لهذا السبب
  • هل تكون إدلب نموذجاً لمستقبل سوريا؟
  • عاجل | مصادر محلية للجزيرة: المتظاهرون في القرداحة بريف اللاذقية يطالبون بانسحاب قوات الأمن العام من المدينة
  • فيدان: مؤتمر الحوار الوطني مهم لمستقبل سوريا
  • الشرع يزور الأردن.. ومعالجة المشكلات الأمنية على الحدود أبرز المناقشات
  • في غياب الأقليات وهيمنة تحرير الشام..مؤتمر الحوار في سوريا لا يهدئ المخاوف على المستقبل
  • قصة الهزيمة التي صنعت النصر
  • قبل 34 عاماً كان تحرير الكويت