الدجاجة المحشوة تقتل فرانسس بيكون!
تاريخ النشر: 23rd, August 2023 GMT
في الحقبة المزدهرة لحروبه وحملاته، كان جنود نابليون بونابرت يتساقطون، ولما يصلوا بعد إلى ساحة المعركة، كان العدو أبشع وأكثر ضراوةً من الجنود المحتملين وأسلحتهم على الجانب الآخر، كان هذا العدو ببساطة هو الجوع. فالطعام الذي يتم إرساله مع الجنود - على كثرته - لا يلبث حتى يفسد سريعًا، فتفتك بهم أمراض التسمم منه، أو الموت جوعًا دونه، لذلك، أعلنت حكومة بونابرت في عام 1795 جائزةً مقدارها 12 ألف فرنك لمن يتمكن من اختراع وسيلة حفظٍ ناجحة للطعام تضمن نجاة الأعداد الكبيرة من الجنود المرسلين في البر والبحر.
وسعيًا لنيل هذه الجائزة، قضى نيكولاس أبيرت – طاهي فرنسي- أربعة عشر عامًا محاولًا حفظ أطعمة مختلفة داخل برطمانات زجاجية، كان يضع فيها الحساء، أو الخضروات، أو الفاكهة، أو اللحوم، ويربطها بالخيوط ويحكم إغلاقها بالشمع قبل أن يضع هذه الزجاجات في الماء المغلي، وفي عام 1810، حصل أبيرت على الجائزة عن اكتشافه لـ «فن حفظ كل أصناف الطعام من اللحوم والخضار لعدة سنوات». ولم يتوقف أبيرت عند تموين الحملات الفرنسية بالغذاء الآمن، ولكنه استخدم الجائزة ليبدأ بها أول معمل للطعام المعلب بواسطة فرن الضغط.
فهل كانت هذه بداية قصة حفظ الطعام؟
على العكس تمامًا، كان تعليب الغذاء بهذه الطريقة هو أحدث الطرق الشائعة التي لا نزال نستخدمها حتى وقتنا الحالي، فقد فهم الإنسان الأول سر نجاته الأساسي على هذا الكوكب، فمثلما كان عليه أن يحتمي من الكائنات المفترسة من حوله، أدرك أن وجوده وبقاءه مرتبطان بقدرته على تناول الغذاء، وأن استقراره على الأرض محكومٌ بشكلٍ رئيسي ببقاء الغذاء وتوفره في تلك الأرض، فتعلم خصائص الغذاء وتحويله من جذورٍ صلبةٍ ولحومٍ قاسية إلى طعام ساخن مطهو وسهل المضغ، وتعلم زراعته وتخزينه، ويثق الباحثون في تاريخ الغذاء بأن الزراعة كانت مهدًا أولًا للحضارة، فاستقر الإنسان على الأرض باستقرار ووفرة موارده الغذائية فيها، واتسع حولها فظهرت الأعمال والأدوار المختلفة والتجارة.
ولكن مخازن الغذاء كان يعلوها التلف، الطعام الرطب سرعان ما يصبح فريسةً سهلة للعفن من الفطريات وأنواع البكتيريا التي تُغير في خصائصه الفيزيائية والحسية الظاهرة، فيتغير لونه وقوامه ورائحته وطعمه، وكان الناس يمرضون إذا تناولوه أو يموتون، فأدرك الناس منذ العصور الأولى – وحتى قبل ظهور الزراعة- أن عليهم أن يحفظوا طعامهم من ظواهر الطبيعة، ولما لم يكن حولهم من وسيلة غير الطبيعة نفسها، استعانوا بها، فجففوا ما يجمعون تحت الشمس، أو غمروه بالملح، أو بالثلج في المناطق الباردة، فعرف الإنسان التجفيف والتمليح وتجميد الغذاء لأسابيع وأشهر طويلة. واستمر في محاولاته لتطوير هذه الوسائل حتى عصرنا الحالي، ولعل من طرائف تجارب حفظ الغذاء محاولة فرانسس بيكون لإثبات فعالية التجميد في حفظ اللحوم، فقام بحشي دجاجةٍ كاملة بالثلج واختبار مدة صلاحيتها، ورغم أنه مهّد لنا طريق تجميد الأغذية بصورتها الحديثة إلا أن تجاربه الأولى تلك وتماديه فيها أودت به ميتًا بالتهاب الرئة في عام 1626!
ولم تقتصر الحاجة لحفظ الطعام على رغبة الإنسان في النجاة، ولكنه حملها معه لما بعد الموت، إذ وجدت حملات الآثار في مصر أدلة واضحة على نجاح المصريين القدامى في تجفيف الطعام وتحنيطه لموتاهم ظنًا منهم أنه سيرافقهم للدار الآخرة قبل 1400 سنة قبل الميلاد، وعليه فقد كان عليهم الحفاظ عليه لذيذًا وآمنًا، وكان هذا يتطلب منهم تجفيفه بالحرارة بشكل بطئ مع لفه بالشاش وختمه بصمغ الشجر، ووجد علماء الآثار جرة عسلٍ عمرها 3 آلاف سنة لا تزال محتفظة بطعمها وخواصها بحسب زعمهم.
العامل الأهم
وحتى يصل الإنسان لهذه النتائج، كان لزامًا عليه أولًا أن يفهم ما يُفسد غذاءه، إذ تنمو الفطريات وأنواع البكتيريا لتنافس هذا الإنسان على طعامه وتأكله معه إذا توفرت لها الظروف الموائمة من حرارة ورطوبة في الغذاء وخارجه، ودرجة حموضة مناسبة ومغذيات تحتاج إليها للتكاثر والانتشار، وحتى إذا حُفظ الغذاء من هذه الميكروبات، فإن تعرضه للحرارة والهواء والرطوبة يجعل منه بيئةً خصبة للتفاعلات التي تفككه وتغير مكوناته إلى أخرى غير صالحةٍ للأكل. لذلك، فإن حفظ الغذاء لفترات طويلة كان – ولا يزال- يعتمد على قدرتنا على التحكم في هذه العوامل، ولعل من أهمها الحرارة.
تُشكل الحرارة عاملًا رئيسًا في فساد الغذاء وحفظه على حد السواء، فالتغيير في درجة حرارة الغذاء يغير جذريًا في قدرة الميكروبات على النجاة فيه أو التكاثر والانتشار، إذ لا تنمو الميكروبات مباشرةً في وسطها الجديد، بل تنتظر حتى تصبح درجة الحرارة ملائمة، ولهذا فإن التبريد – أو التجميد- أقل من درجة الحرارة تلك يعيق من قدرتها على النمو وبالتالي يسهم في حفظ الطعام ، بالإضافة إلى أن درجات الحرارة المنخفضة تسهم في إبطاء التفاعلات الإنزيمية الأخرى التي تفسد الغذاء وتغيره. وهذه الميكروبات -كما الإنزيمات- لا يمكنها الاستمرار إذا ما رفعنا درجة الحرارة أعلى من الدرجة التي تعينها على النجاة والتكاثر – أو التفاعل- فحمضها النووي – أو تركيبها في حال الإنزيمات- يتكون من البروتينات التي تتلفها الحرارة فتموت بفعل الطهي والبسترة والتعقيم وهي عمليات حرارية خلال التصنيع الغذائي بغرض حفظ الغذاء لفترات طويلة.
ومثل الحرارة، فإن حرمان هذه الميكروبات والانزيمات من الهواء يعيق نموها وتفاعلها، وهذا ما جعل عملية تعليب نيكولاس أبيرت ناجحة، فقيامه بتعليب الطعام في برطمانات يُسحب منها الهواء وتوضع في قدور ماءٍ مغلي تحت ضغطٍ عالٍ لا يحرم مُفسدات الغذاء من الهواء أو يقتلها بالحرارة فقط، ولكنه يعزلها -بالبرطمان أو العلبة- عن البيئة الخارجية، فيظل هذا الغذاء لأسابيع وشهور في أمانٍ من أي عاملٍ قد يسهم في تلويثه أو فساده.
أما عملية التمليح، أو مزج الطعام بالعسل أو السكر خصوصًا الفاكهة، فتعتمد على تقليل كمية الماء الحر المتاح لنمو الميكروبات أو لتفاعل الإنزيمات والمواد الأخرى داخل الغذاء، مما يجعله بيئةً منفرةً لهذه المفسدات حتى في وجود درجات الحرارة الملائمة أو الهواء، ولذلك لم يكن يخشى أجدادنا من وضع السمك المجفف معرضًا للهواء، ولا نخشى نحن وضع العسل والمربى على الرف خارج الثلاجة. كما نجحوا بمزج الطعام بالأعشاب والبهارات التي أظهرت فاعليتها في التصدي للنمو الميكروبي في الغذاء.
وفي عصرنا الحالي، عمل الإنسان الحديث جاهدًا على جعل عملية حفظ الطعام أكثر ملائمةً للتغيرات الواسعة في نمط الحياة وتفضيلات البشر والتقدم التكنولوجي والمؤثرات الحديثة، وأكثر فاعلية ضد أمراض التسمم التي تردي بمئات الآلاف من البشر كل عام، فأضاف إليه مواد حافظة معززة، وأدخل أنظمة تواريخ الإنتاج والانتهاء لتوجيه المستهلك، وابتكر وسائل التعبئة المختلفة، واستخدم تقنيات الإشعاع لتأثير أكبر دون المساس بخصائصه المغذية وبأقل آثار جانبية على صحة الإنسان .. ولا يزال يأمل بتجاربه ودأبه المستمر أن يدعم نجاته على هذه الكوكب واستقراره بالحفاظ على مصدر طاقته وقوته وصحته آمنًا سالمًا وموردًا مستدامًا.
د. عبير الكلبانية - متخصصة في الأمن الغذائي
محاضرة في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
مخاطر صحية غير متوقعة.. تعرف على أضرار تناول الطعام بسرعة
صورة تعبيرية (مواقع)
يُعد تناول الطعام بسرعة من العادات الغذائية التي يعاني منها الكثيرون في عصرنا الحالي، والتي رغم كونها شائعة، إلا أن لها تأثيرات صحية سلبية قد لا يدركها الكثيرون.
تكشف العديد من الدراسات الطبية الحديثة عن مجموعة من الأضرار الناتجة عن تناول الطعام بسرعة، حيث يعتبر ذلك سلوكًا غير صحي يؤثر على الجهاز الهضمي ويزيد من مخاطر الإصابة بعدد من المشكلات الصحية.
اقرأ أيضاً هل فرك العينين يهدد بصرك؟: تعرف على المخاطر المرعبة 3 أبريل، 2025 وداعا للسعال في ثوانٍ.. وصفات طبيعية فعّالة للتخلص من الكحة بدون أدوية 3 أبريل، 2025أحد أبرز هذه الأضرار هو الإصابة بالانتفاخ وعسر الهضم. فقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يأكلون بسرعة يميلون إلى ابتلاع كميات كبيرة من الهواء أثناء تناول الطعام، وهو ما يؤدي إلى اضطرابات هضمية ملحوظة، بالإضافة إلى الشعور بالثقل وعدم الراحة بعد الوجبة.
وقد تكون هذه الحالة مزعجة للغاية وتؤثر على نوعية الحياة اليومية للأفراد.
أكثر من ذلك، يؤدي تناول الطعام بسرعة إلى زيادة احتمالية الإصابة بالسمنة. ذلك لأن الجسم يحتاج إلى وقت لإرسال إشارات الشبع إلى الدماغ، وعندما يتناول الشخص طعامه بسرعة، فإن هذه الإشارات لا تصل في الوقت المناسب، مما قد يدفعه إلى تناول كميات أكبر من الطعام دون أن يشعر بالشبع الكافي.
ومع مرور الوقت، يتراكم هذا الإفراط في تناول الطعام، مما يعزز فرص زيادة الوزن والاصابة بالسمنة.
وللتخفيف من هذه المخاطر، تشير الأبحاث الطبية إلى ضرورة تغيير العادات الغذائية السيئة من خلال تناول الطعام ببطء ومهارة.
يعد هذا التصرف البسيط خطوة مهمة لتحسين عملية الهضم، حيث يمنح الجسم وقتًا كافيًا لمعالجة الطعام بشكل أفضل، مما يسهم في تقليل فرص الإصابة بعسر الهضم. كما أن تناول الطعام ببطء يسمح للفرد بالشعور بالشبع في وقت أسرع، وبالتالي يقلل من احتمالات الإفراط في الأكل.
بناءً على ذلك، يُوصى باتباع أسلوب غذائي أكثر وعيًا ومراقبة، حيث يجب تخصيص الوقت للاستمتاع بكل لقمة، ما يساهم في الحفاظ على صحة الجهاز الهضمي والحفاظ على وزن الجسم المثالي.