يمانيون:
2025-02-28@04:49:07 GMT

السيد نصرالله.. مشاهد على عتبة الألم

تاريخ النشر: 28th, February 2025 GMT

السيد نصرالله.. مشاهد على عتبة الألم

مصطفى خليفة

أيامٌ تقف بيننا وبين حزننا المؤجّل منذ ما يزيد على شهرين.

يوم عاهدنا النفس على التصبّر وإرجاء الوجع، حتى لا يتمكّن منا عدو استطاع أن يخطف أغلى ما عندنا.

على عتبة الألم والحزن واستحقاق اليتم العميق، تحضر في خاطري مشاهد رسمت علاقتي العاطفية بقائد امتلك الأفئدة، قائد كان يُطاع حباً.

المشهد الأول

في ملعب بنت جبيل، في الـ26 من مايو 2000م، يقف عالم دين شاب على بعد بضع قرى عن الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، في تحدٍّ شجاع وجريء للاحتلال الإسرائيلي بعد أيام قليلة على إخراجه مدحوراً من جنوبي لبنان.

كنت حينها في الـ9 من عمري، طفلاً لا يفقه في السياسة شيئاً، في منزل لا يحب الأحزاب والتحزب، بل لديه موقف سلبي مسبق تجاه كل ما يمتّ إلى الحياة الحزبية في لبنان، كنت أجلس بين جمع يستمع بفرح وفخر، يومها رأيت في عيني والدي للمرة الأولى الإعجاب والتقدير لسياسي وقائد حزب في لبنان (لم يكن يرى فيه حينها أكثر من ذلك).

“إن إسرائيل هذه أوهن من بين العنكبوت”، أذكر قول والدي تعقيباً: “هيدا الزلمي بيحكي دهب”.

وكانت بداية رحلة الفضول عند الطفل ابن الأعوام الـ9 لمعرفة من هو هذا القائد.

المشهد الثاني

في الـ29 من يناير 2004م، تنجح المقاومة الإسلامية في لبنان في إنجاز صفقة لتبادل الأسرى بينها وبين العدو الصهيوني، لتفرج عن 462 أسيراً لبنانياً وفلسطينياً.

مواضيع متعلقة

إرث عماد مغنية في المقاومة.. كيف أسس لمعركة لا حدود لها؟

12 شباط 12:31

لبنان: الاستحقاقات التي تنتظر الحكومة.. تحديات وملفات حساسة

5 شباط 13:07

في مطار بيروت، اجتمعت الشخصيات الرسمية (رئيس الجمهورية، رئيس مجلس النواب، رئيس الوزراء… وغيرهم) في صالون الشرف، بينما أفردت صالات في المطار لعوائل الأسرى الذين ينتظرون وصول أبنائهم.

لحظة وصول سماحة السيد إلى مطار بيروت، اتجهت وسائل الإعلام كلها نحو صالون الشرف، حيث كبار الشخصيات، لتوثق لحظة دخوله، بينما استدار هو باتجاه أهالي الأسرى، حيث ينتظرون، فكانوا أول من التقاهم لينتظر بينهم وصول أبنائهم.

المشهد الثالث

في الـ28 من مارس 2006م، تُلقي القوى الأمنية في لبنان القبض على مجموعة إرهابية مسلحة، تخطط لاغتيال الأمين العام لحزب الله، إبان توجهه إلى مبنى البرلمان اللبناني للمشاركة في إحدى جلسات الحوار الوطني آنذاك.

بعد أيام على إعلان إحباط المحاولة والقبض على عناصر المجموعة الإرهابية، يخرج السيد حسن ليعلن عفوه عن الأفراد المعتقلين، ويُسقط حقه في مقاضاتهم.

أذكر يومها ملامح وجهه، بسمته السمحة، وهو يُعلِن عفوه، كأنّ قلبه كان ممتلئاً بمحبة أولئك الذين كانوا يخططون قتله.

المشهد الرابع

في الأيام الأولى لمعركة الوعد الصادق في يوليو 2006، يظهر السيد حسن في رسالة متلفزة، بدا فيها متعب العينين، مبعثرَ اللحية قليلاً، كان متعباً، وكانت القذائف الإسرائيلية تتساقط على الضاحية الجنوبية في بيروت، وكان الناس يفترشون المدارس والساحات والحدائق العامة، يجمعهم همٌّ واحدٌ، بعد تلك الرسالة، “السيد تعبان”، لم يعد أي شيء يعني لهم في مقابل “شوفته تعبان”.

في اليوم التالي زارنا أحد الأقرباء؛ رجل صرف عمره في الاغتراب ليعود بما مكّنه من شراء بيته وتجهيزه، أتى يومها وكان قد علم، قبل ساعات، باستهداف المبنى الذي يوجد فيه بيته، وحوّله إلى ركام.

قال له أبي “يعوضك الله يا أبا علي”، فأجابه أبو علي: “عمر البيت ما يرجع، بس ما شوف السيد تعبان”.

المشهد الخامس

سأقفز أعواماً طويلة لأصل إلى هذا المشهد:

لحظة كان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ينتظر رد حزب الله على “العرض” الإسرائيلي بتحييد لبنان في مقابل وقف المقاومة إسنادها لقطاع غزة إبان معركة طوفان الأقصى.

وكان ذاك الجواب الذي زرع في قلبي أثراً لن يمحى: “أتعطينا الأمان وأطفال غزة لا أمان لهم؟”.

هكذا كان جوابه.

وبجوابه هذا، وضع روحه قرباناً لنصرة الحق: نصرة فلسطين، ونصرة المستضعفين.

هكذا ارتسم في قلبي قائداَ لم أره يوماً معصوماً عن الخطأ أو الزلل، وخالفته في موارد وموارد، لكنه استطاع أن يُطاع حباً، ومن يُطَعْ حباً فلن تقدر على الفكاك من الانتماء إليه، وإلى ما يمثّل، مهما اختلفت أو تمايزت وتعارضت معه.

كاتب لبناني

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: فی لبنان

إقرأ أيضاً:

انطباع يمني في تشييع نصر الله.. نصر جديد رغم الغياب

يمانيون/ كتابات/ علي ظافر

كانت مراسم التشييع التي شهدها لبنان وعدداً من البلدان الإسلامية، استفتاءً أممياً على محورية مشروع المقاومة الذي جاهد السيد نصر الله لأجله طوال أكثر من أربعين عاماً.

في مشهد تاريخي لم يشهده لبنان من قبل، ودّع ملايين اللبنانيين والأحرار من مختلف أنحاء العالم، وكنا من بينهم، أحد أعظم قادة المقاومة في العصر الحديث، السيد حسن نصر الله. لم يكن التشييع مجرد حدث عابر، بل كان تجسيداً لمعنى الصمود والوحدة التي أسسها هذا الرجل طوال عقود من الجهاد والعطاء والبناء والمقاومة.

في لحظات فارقة في تاريخ المقاومة، ارتفعت رايات العز والشجاعة لتحكي قصة قائدٍ حمل همّ أمته وأصبح نصيراً لكل المستضعفين. السيد حسن نصر الله لم يكن مجرد قائد لحزب الله، بل كان رمزاً للأمة بأسرها، صادقاً مع قضاياها ومخلصاً لمبادئها. وقفت الأمة معه، وفاءً له ولتضحياته، وظهرت في ملامح هذا الوفاء اللحظات التي كتبها التاريخ بحروف من دماء الشهداء.

تميز السيد نصر الله بكاريزما استثنائية، جمع بين القوة واللطف، وبين الحضور الهادئ والتأثير العميق الذي تخطى حدود الجغرافيا والمذاهب والطوائف. لقد كان الرجل الذي وحد الأمة تحت راية الحق، وأثبت أنه لا حدود يمكن أن تقف في وجه عزيمة الأحرار. لذلك، كان مشهد التشييع التاريخي في لبنان شاهداً على عمق التأثير الذي أحدثه هذا الرجل في العالم، حيث تجلت معاني التضامن والاتحاد بين مختلف الجنسيات والمذاهب.

في تلك اللحظات، حضر نحو مليون وأربعمئة ألف شخص، من لبنان والدول الأخرى، في تشييع لم يكن عادياً؛ فقد شهدت الأجواء تحليق طائرات العدو الإسرائيلي في محاولة لإثارة الخوف وتفريق  الحشود. لكن الرد كان قوياً، إذ هتف الملايين “الموت لإسرائيل والحياة لنصر الله”، مشهدٌ أكد أن حب السيد نصر الله محوري لا يقبل التراجع أمام الأعداء.

إن التشييع لم يكن مجرد وداع، بل كان نصراً جديداً للسيد نصر الله. لقد ظلت الأمة تؤمن بأن شهادته لم تكن نهاية الطريق، بل بداية تحوّل جديد، تحوّل تتجدّد فيه العزيمة وتهتز فيه أركان الظلم والعدوان. في قلوبنا، نحن اليمنيين ونحن في قلب مشهد التشييع المليوني، كان السيد نصر الله يعني أكثر من قائد، كان صديقاً وشريكاً في النصر، وكان كل كلامه عن الإيمان بالحق، والعزيمة على الاستمرار في مسيرة الجهاد المقاومة.

لم يكن لبنان يوماً إلا صورة في قلوبنا، كنا نراه في كل زاوية وفي كل كلمة، وما كان يحركنا أكثر هو حبه لليمن، ومواقفه الثابتة بجانب الشعب اليمني في مواجهة العدوان. كلماته الخالدة، التي ألقاها في مواسم النصر، كانت ولا تزال تلهب حماسة الجماهير وتملأ قلوبهم بالفخر والعزيمة والصبر والثقة بالنصر.

لقد كان السيد نصر الله جزءاً من كينونتنا، وكان صوتاً لنا في أصعب اللحظات. لم نكن نتخيل لبنان من دون سيد المقاومة، لم نتصور أن غيابه سيكون حقيقياً، فقد تربينا على صوته وخطاباته، على حديثه الذي يجذب القلب والعقل، وعلى رؤيته التي كانت سراجاً ينير الطريق لكل حر في هذا العالم.

وفي تلك اللحظات التي ودّع فيها السيد نصر الله هذا العالم، كان صوته يصل إلينا، من “تموز” ومن أعماق الجماهير، ليزيد جسور الاتصال متانة بينه وبين الشعب، وليعبّر عن الارتباط العميق بينه وبين المجاهدين والمقاومين في كل مكان. “إلى اللقاء يا سيدنا”، هكذا هتفوا، وهتفنا معهم: إنا على العهد يا نصر الله.

لقد كانت مراسم التشييع، التي شهدها لبنان وعدداً من البلدان الإسلامية، استفتاءً أممياً على محورية مشروع المقاومة الذي جاهد السيد نصر الله لأجله طوال أكثر من أربعين عاماً.

هذا المشروع لم يكن نتيجة اجتهاد شخصي، بل كان منحة إلهية، اختار الله لها صاحباً يبني التحوّلات والانتصارات بدءاً من التحرير وحتى معركة تموز والتحرير الثاني، وما سجل من انتصار تاريخي يوم التشييع.

السيد نصر الله لم يكن فقط قائداً سياسياً أو عسكرياً، بل كان معلماً للأجيال، يزرع فيهم القيم والمبادئ التي تُنير طريقهم في مواجهة التحديات. بدأ مشواره طالباً للعلم منذ السادسة عشرة من عمره، ثم قاد حزب الله بكل إصرار وعزيمة، ليحقق معه إنجازات تاريخية.

ومن لم يستطع التوجّه إلى لبنان للمشاركة في مراسم التشييع، أقام في اليمن والعراق وتونس وإيران مراسم رمزية، تعبيراً عن محبته واعتزازه بسيد المقاومة، ذلك السيد العربي المعمم بالنصر. كانت حشود التشييع الرمزية رسالة إلى الأعداء قبل الأصدقاء، بأن ساحات محور الجهاد والمقاومة ما زالت متآزرة ومتلاحمة، من جذورها وأعماقها، وأن العهد ما زال مستمراً.

مقالات مشابهة

  • الأسطورة الوطنية والحقيقة اللبنانية
  • عن نصرالله بعد تشييعه.. ماذا قالت صحيفة إسرائيلية؟
  • أمّة المقاومة.. مقاومة الأمّة
  • كاتب لبناني: الحضور اليمني في تشييع السيد نصر الله تأكيدٌ على وحدة محور المقاومة
  • انطباع يمني في تشييع نصر الله: نصر جديد رغم الغياب
  • يوم الوداع الكبير.. المشهد الذي حجب الضوء عن واشنطن و”تل أبيب”
  • انطباع يمني في تشييع نصر الله.. نصر جديد رغم الغياب
  • الإعلام العبري: تشييع السيد نصر الله أعاد لبنان إلى “ساحة قتال”
  • لقطات من انطلاق مؤتمر الحوار الوطني السوري وكلمة رئيس الجمهورية السيد أحمد الشرع