لقد شرع الله سبحانه وتعالى لنا صيام شهر رمضان المبارك، وبيّن لنا مشروعية الصيام وفرضه على العباد بقوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».

إن صيام شهر رمضان الفضيل يُعد وسيلة نحو تحقيق التقوى، والتقوى في الدين الإسلامي الحنيف معناها فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه ابتغاء مرضاته سبحانه، ولذا يُعد الصيام من أعظم الأسباب التي تعين العبد على القيام بأوامر الدين التي بينها الله تعالى في كتابه العزيز، وفصلها في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وذكرها علماء الدين على أن مشروعية الصيام هي من خصال التقوى العظيمة التي يتقرب بها العبد إلى خالقه.

بعد ساعات قليلة، تهلُّ علينا بشائر الخير بقدوم شهر رمضان المبارك، شهر عظيم بكل ما فيه من روحانيات وعبادات وشعور إنساني لا يوصف، وزائر لطالما انتظرنا وصوله محملًا لنا بنسماته العاطرة، شهر جعل الله عزوجل صيامه أحد أركان الإسلام الخمسة، واختصه بفضائل عظيمة لا تُعد ولا تُحصى، فهو شهر «الصيام والقيام وقراءة القرآن»، شهر تتنزل فيه الرحمات من فوق سبع سماوات، وفيه تُغفر الذنوب والسيئات، وتُضاعف فيه الأجور والحسنات، وفيه أيضًا يتقرب المسلم من ربه تعالى بفعل الطاعات، فيفتح الله عليه أبواب الجنة، ويغلق عن وجهه أبواب النار في هذا الشهر الفضيل.

إنه شهر اختصه الله تعالى بنفسه، وأخبرنا بأنه سيعتق فيه عباده من النيران، شهر أُنزِل فيه القُرآن الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويقول الله تعالى في كتابه العزيز: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».

ولكن هناك البعض منا قد لا يكون قد استعد لرمضان بالشكل المطلوب، فتنفلت منه أيام ثمينة من أيام الرحمة، وهو لم ينغمس بعد في روح رمضان وأنواره التي تشع في كل جنبات الحياة ومسالكها، ومن هنا تأتي أهمية الاستعداد النفسي والديني لصوم الشهر المبارك، وهذا الاستعداد يتمثل في ترتيب أوقاتنا وقلوبنا ونياتنا الخالصة لله تعالى، راجين ومتضرعين له بأن يمتعنا بالقوة والصبر على أداء ما فيه من واجبات تجعلنا أكثر قربًا للمولى عز وجل.

وقد رصد الفقهاء وعلماء الدين مجموعة كبيرة من الأحكام في مشروعية صيام شهر رمضان الفضيل، من أبرزها أن الصوم هو وسيلة إلى شكر النعم، فمن خلال الصيام يكف الإنسان نفسه عن «متاع الدنيا الزائل» مثل: الأكل والشرب، وبالتالي يستشعر في ذاته من خلال هذا المنع أهميتها في الحياة ويتحمل الجوع والعطش وأحيانًا الأجواء المناخية الصعبة، ولذا يتوجه المسلم إلى المولى عز وجل بالشكر على هذه النعم وبما أعطاه من أشياء قد لا يحس بها إلا عندما يُمنع عنها.

أيضًا، الصوم يُعد من إحدى الوسائل المهمة في ترك المحرمات والموبقات، وهي نقطة محورية ومهمة في حياة الإنسان بشكل عام، وليس المسلم فقط؛ لأن الإنسان المستقيم هو الذي يشعر بالراحة والسكينة في حياته، لأنه يُخلص نفسه من براثن الخطايا والذنوب والمعاصي بالابتعاد عنها والإقلاع عن بعض التصرفات، سواء بالقول أو الفعل، ابتغاء مرضاته عز وجل.

كما أن من الأمور المهمة في حياة المسلم في هذا الشهر المبارك أن الصوم يسهم إيجابًا في التغلب على الشهوات ويكبح جماح النزعات الشيطانية، إلى جانب ذلك، فإن الصوم موجب للرحمة والعطف على المساكين والمحتاجين ممن يحتاجون إلى المساعدة، وهنا تتأصل معاني التكافل الاجتماعي التي دعانا إليها الدين الحنيف.

ولشهر رمضان الفضيل خصوصية أخرى، وهي أنه قهرٌ للشيطان والتغلب على وسوسته للإنسان، فتقل معه المعاصي. ومن أفضل الأمور في رمضان أن الصائم يُدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه؛ لأنه يعلم بأن الله مطلع عليه، وقد يفقد ثواب صومه.

ومما سبق ذكره نجد أن الصيام هو نوع من التزهيد في الدنيا الفانية، والبعد عن شهواتها التي لا تجلب للإنسان سوى الذنوب والوقوع في الموبقات والخطايا، ولذا فالصوم هو الترغيب الحقيقي فيما عند الله تعالى من عطايا وأجر عظيم، والصوم يُعوّد المؤمن على الإكثار من الطاعات، فعندما يزيد العبد منها يصبح أكثر تقربًا إلى الله تعالى، وتُفتح أمامه أبواب الطاعات الكثيرة، وفي كل باب منها منافع للإنسان ولغيره، فينال الرضا والقبول من لدنه سبحانه.

وبعيدًا عن كل ذلك، فيما هو مفروض وواجب علينا كمسلمين أداؤه كواجبات حتمية في الشهر الفضيل، نجد أن لرمضان طعمًا مختلفًا عن بقية شهور العام، هذا ليس حديثًا شخصيًا بقدر ما هو حقيقة واقعية يعلمها جميع الناس، ولا ينكرها إلا جاحد، فمنذ شهور قليلة، كان رمضان حاضرًا معنا، عشنا أيامه، فصمنا نهاره، واستشعرنا عظمة الخالق في ضياء لياليه بالطاعات والقربات، ثم انقضت أيامه ورحل بعيدًا عنا، وتوالت الشهور وانقضت بسرعة متناهية، وها هو اليوم يعود إلينا من جديد؛ إذن، هو تعاقب زمني لشهور تذهب نحو الذاكرة، وأخرى تأتي من جُبّ الغيب لتذكّر من لا يزال على قيد الحياة بأن المهمة لا تزال قائمة، وفرص التوبة والمغفرة أبوابها مفتوحة، وهناك قول صادق يقول: «لا توجد يد أخف من يد الزمن، وهو يسرق العمر»، نعم، أعمارنا تمضي كما تمضي الأيام في الدنيا، ونحن دومًا على ثقة تامة بأن الأيام الماضية لن تعود ثانية إلى الوراء، ولن تنتظرنا لنستفيق من غفواتنا وكبواتنا التي لا تنتهي؛ إذن، أيها المسلم، افعل ما يجعلك سعيدًا في دنياك، قريبًا من الله تعالى، تنل سعادة الدنيا والآخرة.

وخير ما نختم به هذا الحديث ونحن على أبواب هذا الشهر العظيم هو أن نسأل الله تعالى بأن نكون جميعًا من عتقاء رمضان الفضيل، وممن شملهم الحديث الذي رواه الترمذي: «إذا كان أول ليلة في شهر رمضان، صُفِّدَت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقَت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتِحَت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، ويُنادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة».

جعلنا الله ممن يقوم شهر رمضان إيمانًا واحتسابًا، وأن يجعلنا من الفائزين المقبولين عنده، وأن يرحم موتانا وموتى المسلمين، وأن يغفر لكل نفس اشتاقت لصوم رمضان لكن الموت عجلها ورحلت قبل أن تدرك أيام هذا الشهر الفضيل.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: رمضان الفضیل الله تعالى شهر رمضان هذا الشهر رمضان ا

إقرأ أيضاً:

حكم النوم طوال النهار في رمضان.. هل يؤثر على صحة الصيام؟

كشف الشيخ عبد القادر الطويل، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، عن حكم النوم في نهار شهر رمضان المبارك، وهل يؤثر ذلك النوم على صحة الصوم.

حكم النوم طوال نهار رمضان

وقال الشيخ عبد القادر الطويل، في فيديو لصدى البلد، إن النوم من الأمور المباحة للشخص، منوها أن النوم طول نهار رمضان لا يفسد الصوم ولكن يفوت على المسلم خير كبير هو أحوج الناس إليه، فالمسلم على موعد مع الله لمضاعفة الحسنات.

هل عدم ارتداء المرأة للحجاب في نهار رمضان يبطل الصوم؟.. أمين الفتوى يجيبهنشتغل كام ساعة؟.. عدد ساعات العمل الرسمية خلال شهر رمضان

وأشار إلى أن المسلم يأثم على نومه طول النهار في حال تفويته للصلوات المفروضة فيقوم عند أذان المغرب ويترك الصلوات بدون أدائها، فهنا يأثم على فعله هذا بالرغم من أن صيامه صحيح وقبول الصيام يرجع إلى الله عزوجل.

النوم في نهار رمضان

كما ورد إلى دار الإفتاء المصرية، من خلال البث المباشر عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي “ فيس بوك”، سؤال عن حكم النوم في نهار شهر رمضان.

وقال الشيخ عويضة عثمان أمين الفتوى بدار الإفتاء، إن الصيام طوال النهار صحيح لكن صاحبه فرط في الذكر، ولا ينبغي أن يصل إلى هذه الدرجة، يجعل له فترة يقيل فيها، ويجعل باقي يومه للذكر والقيام والصلاة.

وشدد على ضرورة مجاهدة هذه العادات التي تضيع الأجر، موضحاً أن المحب دائما يستاق إلى الذكر والعبادة والطاعة وملاقاة الله تبارك وتعالي في الأوقات التي ترضيه تبارك وتعالى، وعليه أن يعلم أن رمضان شهر طاعة وعبادة وعليه ألا يضيع الوقت في غير موضوعه.

مقالات مشابهة

  • خالد الجندي: إدراك رمضان نعمة كبيرة ورضا من الله | فيديو
  • «رمضان كريم».. أجمل عبارات تهنئة للشهر الفضيل
  • استشاري يوضح أبرز الأمراض الجلدية التي تحدث خلال الصيام ..فيديو
  • 7 كلمات رددها لتدخل رمضان نشيطا وتتقوى على العبادة
  • الأمين الذي فدى الأمة ..إنا على العهد
  • لقاء موسع بهيئة الأوقاف يناقش الاستعداد والتهيئة لبرامج الشهر الفضيل
  • أفضل وأهم عبادة تدخل بها رمضان.. داوم عليها من الآن لتكون من عتقاء النار
  • الدعاء عند رؤية هلال رمضان.. سنن نبوية مباركة مع اقتراب الشهر الفضيل
  • حكم النوم طوال النهار في رمضان.. هل يؤثر على صحة الصيام؟