الحركة الصهيونية نشأتها، ودور بريطانيا في اقامة دولتها (1)
تاريخ النشر: 27th, February 2025 GMT
بسم الله الرحمن الرحيم
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
(أ) الصهيونية المسيحية ،وتأثيرها في نشأة الحركة الصهيونية:
الحركة الصهيونية حركة استيطانية عنصرية استعمارية ،تتحذ من الدين وسيلة لترويج اهدافها ،ومن القومية اليهودية سبيلا لا قناع اليهود بها.
بدأت الحركة على يد الصهيونية المسيحية في أوروبا خلال القرن السابع عشر، وازدادت قوة وتأثيراً في القرن التاسع عشر.
بدأت الفكرة تتبلور في أوساط الجماعات البروتستانتية المتأثرة بنظريات نهاية الزمان، حيث اعتقدت هذه الجماعات بضرورة عودة اليهود إلى "أرض الميعاد" (فلسطين) كجزء من تحقيق النبوءات الدينية المذكورة في الكتاب المقدس.( التوراة)
بدأت قوة ونشاط الحركة الصهيونية تزداد في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر كرد فعل على تزايد معاداة اليهود والفشل في تحقيق اندماجهم في المجتمعات الأوروبية. ومن ثم يمكن القول بان الغرب او أوروبا، قد أسهمت بشكل كبير في نشاة ونمو الحركة الصهيونية من خلال عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية أثرت في اليهود، وأدّت إلى نشوء فكرة القومية اليهودية، ومن أبرز تلك العوامل:
1-معاداة السامية والتمييز: ففي أوروبا، واجه اليهود موجات من المعاداة والتمييز على مدى قرون. ففي روسيا، كانت هناك مذابح واضطهادات ضد اليهود عُرفت بـ"البوغرومات" في أواخر القرن التاسع عشر. كما ظهر في فرنسا، قضية ألفريد دريفوس ( 1859 ـ-1935 )، وهو ضابط مدفعية فرنسي، يهودي الأصل، حوكم وأدين سنة 1894 بتهمة الخيانة و التجسس لصالح ألمانيا، وبيعه أسراراً عسكرية فرنسية إلى الألمان ، وبعد وضعه في السجن واتخاذه مثالاً لليهود المعادين للغرب، خرج من السجن لتفتح قضيته مجدداً وينال العفو بعد جدل استمر 12 عاماً. و أظهرت القضية مدى انتشار معاداة اليهود مما جعلهم يشعرون بضعف اندماجهم في المجتمعات الأوروبية.
2-القومية الأوروبية: في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، شهدت أوروبا صعودًا للحركات القومية التي دفعت الأقليات للبحث عن هويات قومية خاصة بها. وهذه الأجواء شجّعت العديد من المثقفين اليهود على البحث عن حل لمشكلة اليهود في أوروبا.
3-الهجرة اليهودية: مع زيادة الاضطهاد في أوروبا الشرقية، هاجر الكثير من اليهود إلى دول أوروبا الغربية. لكنهم لم يجدوا فيها الحلول الكافية، بل واجهوا تحديات جديدة مثل العزلة وعدم الاندماج في المجتمعات الاوربية، مما ساعد على انتشار الأفكار الصهيونية التي روجت لإنشاء وطن قومي لليهود.
4-دور المثقفين اليهود الأوروبيين: كان للمثقفين اليهود الأوروبيين دور كبير في نشر الأفكار الصهيونية مثل اليهودي النمساوي ثيودور هرتزل، الذي تأثر بقضية دريفوس وكتب كتابه "الدولة اليهودية" (Der Judenstaat) في عام 1896، كرد فعل على تصاعد معاداة اليهود في أوروبا،ودعا فيه إلى إقامة دولة لليهود، و يعتبر الكتاب النص المؤسس للحركة الصهيونية. قد أكَّد في هذا الكتاب على أن الحل الوحيد للمسألة اليهوديّة في أوروبا، بما فيها تنامي معاداة الساميّة هو تأسيس دولة لليهود.
هذه العوامل ساعدت في دفع اليهود إلى تبنّي فكرة القومية اليهودية والبحث عن وطن قومي، مما أدى إلى نشوء الحركة الصهيونية كحركة سياسية تهدف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.
وفي عام 1897م، عُقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا، وتم فيه إعلان الهدف الرئيسي للحركة الصهيونية، وهو إقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين"، تحت الحماية الدولية. وقد كان لهيرتزل موقف شهير مع السلطان العثماني عبد الحميد حيث طلب من السلطان بيع فلسطين (وكانت جزءً من سوريا)،وقدم للسلطان العديد من المغريات المادية نظير ذلك ،فما كان من السلطان الا أن قال قولته الشهيرة :" لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدة من البلاد لأنها ليست لي، بل لشعبي، ولقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم، وسوف ندافع عنها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا"
. لكن السلطان عبد الحميد دفع ثمن موقفه المعارض للصهيونية بخلعه من منصبه، يقول السلطان عبد الحميد في رسالته إلى محمود أبو الشامات، شيخه الشاذلي قبل وفاته بفترة "إن هؤلاء الاتحاديين أصروا علي أن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة فلسطين، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وقد وعدوا بتقديم 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبا، فرفضت بصورة قطعية أيضا، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا، فضلا عن 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي".
وأضاف في رسالته "لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على 30 سنة، فلم أسوّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أيضا. وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سالونيك فقبلت بهذا التكليف الأخير".
بل أن العرب بقيادة الشريف حسين:( 18531931 )،الذين لم يكونوا على علم بمؤامرة وعد بلفور، ومعاهدة سايكس -بيكو التي بموجبها ستقسم تركة الرجل المريض، وتقديم فلسطين لقمة سائغة لليهود ،حاربوا السلطنة العثمانية بدعمهم للحلفاء (فرنسا وبريطانيا) ،مقابل الوعد الكاذب بإنشاء مملكة عربية مستقلة عن السلطنة، فلا كانت المملكة، ولا كان السلطان، وسقطت الإمبراطورية العثمانية، ومعها العرب الذين باتوا تحت سلطة الانتداب الفرنسي – البريطاني، بتفويض من عصبة الأمم في مؤتمر سان ريمو. الذي عقده المجلس الأعلى للحلفاء فيما بعد الحرب العالمية الأولى، في مدينة سان ريمو، إيطاليا، في الفترة من 18 إلى 26 أبريل/نيسان 1920.
وهكذا يمكن القول بان الصهيونية المسيحية، كان لها دور كبير في دعم نشأة الصهيونية اليهودية، خاصة من خلال تحفيز الحكومات الأوروبية، ولا سيما البريطانية، على تأييد مشروع الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ويظهر هذا الدور بشكل واضح في "إعلان بلفور" عام 1917، الذي أبدى دعم الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. والذي جاء نتيجة لتأثير الصهيونية المسيحية على السياسة البريطانية، والتعاون الوثيق بين القادة المسيحيين الصهاينة واليهود الصهاينة.
(ب) دور بريطانيا في اقامة الدولة الصهيونية : قد لعبت بريطانيا دورًا محوريًا في نشأة الصهيونية وإقامة الدولة الإسرائيلية، وذلك من خلال المحطات التاريخية التالية:
• ففي 2 نوفمبر 1917، أصدرت بريطانيا وعد بلفور الذي كان بمثابة تصريح رسمي تعهدت فيه بدعم إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين. « ونص التعهد على ما يلي: "تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر. » وجاءهذا الوعد ضمن رسالة بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 مُوَجَّهَةٌ من وزير خارجيّة المملكة المتحدة آرثر بلفور إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد أحد أبرز أوجه المجتمع اليهودي البريطاني، وذلك لنقلها إلى الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العُظمى وإيرلندا. نُشر نص الوعد (أو الإعلان) في الصحافة في 9 نوفمبر/تشرين الثانيّ عام 1917.هذا الوعد جاء خلال الحرب العالمية الأولى عندما كانت بريطانيا تبحث عن حلفاء لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، ولضمان دعم اليهود للحلفاء ضد ألمانيا.
• خلال الحرب العالمية الأولى، سيطرت بريطانيا على فلسطين بموجب نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم في عام 1922. وقد كان الهدف المعلن من الانتداب هو تنفيذ وعد بلفور وإنشاء المؤسسات الضرورية لإقامة الوطن القومي اليهودي. لعبت بريطانيا دورًا حاسمًا في تمكين اليهود من السيطرة على فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني من خلال عدة سياسات وإجراءات رئيسية:
• الانتداب البريطاني (1920-1948)فرضت بريطانيا انتدابها على فلسطين بموجب قرار عصبة الأمم عام 1920، حيث تم تضمين وعد بلفور ضمن صك الانتداب، مما أضفى عليه شرعية دولية.وفرت بريطانيا الحماية للمهاجرين اليهود وشجعتهم على الاستيطان، بينما كانت تفرض قيودًا شديدة على الفلسطينيين.خلال فترة الانتداب ساعدت بريطانيا في تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتوفير البنية التحتية لإقامة مستوطنات يهودية، فقد سمحت بريطانيا خلال فترة الانتداب بزيادة أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين. خاصة بين عامي 1920 و1939، فزاد عددهم من نحو 60 ألفًا إلى أكثر من 450 ألفًا.3. تمكين اليهود اقتصاديًا وعسكريًا سمحت بريطانيا للحركة الصهيونية بتأسيس مؤسسات اقتصادية قوية، مثل الوكالة اليهودية، بينما فرضت قيودًا على الفلسطينيين.ودعمت تشكيل قوات شبه عسكرية صهيونية، مثل الهاجاناه، بينما قيدت التسلح الفلسطيني في المقابل، بل كانت تلاحق التنظيمات الفلسطينية التي قاومت الاستيطان.
• قمع المقاومة الفلسطينية:واجهت بريطانيا الثورات الفلسطينية بعنف شديد، وأبرزها:ثورة 1920 و1921: قوبلت بقمع دموي واعتقالات.ثورة البراق 1929: قامت بريطانيا بإعدام عدد من القادة الفلسطينيين.الثورة الكبرى:( (1936-1939 قمعت بريطانيا):تلك الثورة بوحشية،،واستخدمت أساليب قاسية، مثل القصف الجوي، الاعتقالات الجماعية، الإعدامات، وهدم المنازل ,قامت بريطانيا بنزع سلاح الفلسطينيين بينما تركت الجماعات الصهيونية تحتفظ بأسلحتها مما أضعف المقاومة العربية،و.اعتقلت ونفت العديد من القادة الفلسطينيين، مما أدى إلى فراغ قيادي استفادت منه الحركة الصهيونية
• ففي عام 1947، أحالت بريطانيا القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، التي اقترحت خطة تقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية وأخرى يهودية. وهو ما عارضه العرب حينها، ومع تزايد الصدامات والعنف، انسحبت بريطانيا من فلسطين في 15 مايو 1948، ما سمح بإعلان قيام دولة إسرائيل في اليوم التالي.
• بعد الحرب العالمية الثانية، أوصت لجنة بيل (1937) ثم الأمم المتحدة (1947) بتقسيم فلسطين،و دعمت بريطانيا خطة التقسيم التي أقرّتها الأمم المتحدة، رغم معارضة الفلسطينيين، و رفض العرب. وانسحبت بريطانيا من فلسطين عام 1948 دون تنظيم أي تسوية عادلة، مما سمح للصهاينة بإعلان دولة إسرائيل وشن عمليات تهجير للفلسطينيين.وخلال انسحابها من فلسطين عام 1948، لم تتدخل بريطانيا لمنع المجازر الوحشية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني ، من طرد وقتل وتشريد وتدمير وترهيب ومن،أبرز تلك المذابح : مذبحة بلدة الشيخ ،1947حيث اقتحمت عصابات الهاغاناه القرية ولاحقت المواطنين العزل، وقد أدت المذبحة إلى مصرع العديد من النساء والأطفال حيث وبلغت حصيلتها نحو 600 شهيد وجدت جثث غالبيتهم داخل منازل القرية .ومذبحة دير ياسين، التي وقعت اثر عملية إبادة وطرد جماعي نفذتها عصاباتي الصهيونية في نيسان 1948 مجموعتا الإرغون وشتيرن ،وكان معظم ضحايا المجزرة من المدنيين ومنهم أطفال ونساء وعجزة، ويتراوح تقدير عدد الضحايا بين 250 و 368 ،ومذبحة قرية أبو شوشة : التي، راح ضحيتها 50 شهيدا من النساء، والرجال، والشيوخ، والأطفال، ضربت رؤوس العديد منهم بآلات حادة، وقد أطلق جنود لواء جعفاتي الذي نفذ المذبحة النار على كل شيء يتحرك دون تمييز ،ومذبحة الطنطورة : حيث قتل بدم بارد أكثر من 200 شخص، وقد خلفت المذبحة أكثر من 90 قتيلا دفنوا في حفرة كبيرة، وفي المقبرة التي دفنت فيها جثث القتلى من أهالي القرية في قبر جماعي، أقيمت لاحقا ساحة لوقوف السيارات كمرفق لشاطئ "دور" على البحر المتوسط جنوبي حيفا، وقد مهدت هذه المجازر لإعلان دولة إسرائيل.ولم تبذل بريطانيا أي جهود لمنع مثل هذه المجازر وما اعقبها من تهجير قسري للفلسطينيين خلال حرب 1948. وأدت هذه السياسات إلى ترسيخ الوجود الصهيوني، ومهدت الطريق لقيام إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية، مما تسبب في نكبة عام 1948، وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين.
• وهذه المجازر تدحض الخرافة التي يسوقها الصهاينة من أن الفلسطينيين تركوا ديارهم بمحض إرادتهم، وتثبت أن التهجير كان قسرياً عبر ارتكاب المجازر والترويع .
فدور بريطانيا كان إذن أساسياً في تأسيس الدولة الإسرائيلية، سواء من خلال وعد بلفور الذي أعطى الشرعية الدولية للحركة الصهيونية، أو من خلال الانتداب الذي أتاح بتواطؤ ومساعدة البريطانيين، للقيادات الصهيونية فرصًا، لتنظيم المجتمع اليهودي واقامة المؤسسات العسكرية والمدنية الصهيونية.
ومن ثم يمكن القول بان بريطانيا لعبت دورًا رئيسيًا في تمكين إسرائيل من السيطرة على فلسطين من خلال توفير الدعم السياسي، الاقتصادي، والعسكري للحركة الصهيونية، في مقابل قمع المقاومة الفلسطينية بوحشية. وقد أدت هذه السياسات إلى نكبة 1948 وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، مما أسس للصراع المستمر حتى اليوم.
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
يتبع
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الصهیونیة المسیحیة الحرکة الصهیونیة الحرب العالمیة الیهود إلى على فلسطین فی فلسطین وعد بلفور فی أوروبا العدید من من خلال فی عام
إقرأ أيضاً:
دعم بلا حدود.. فلسطين قضية مصر الأولى
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
ما زالت الجهود المصرية في صدارة الجهود الإقليمية والدولية الداعمة للقضية الفلسطينية للتصدي لكافة المحاولات الهادفة للتهجير القصري، وذلك امتدادًا لدورها التاريخي إزاء قضية الشرق الأوسط الأولى، والذي لم يتأثر مع تغير القيادات السياسية المصرية على مر التاريخ.
وقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال العديد من المؤتمرات التي دعت لها الدولة المصرية على رفض مصر القاطع لتصفية القضية الفلسطينية والتهجير القسري للشعب الفلسطيني، من غزة إلى مصر أو الأردن أو أي دولة عربية، أو محاولة دفع المدنيين الفلسطينيين إلى اللجوء والهجرة من القطاع بلا عودة.
وشدد الرئيس السيسي، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع المستشار الألماني، في 18 أكتوبر 2023، على أن مصر دولة ذات سيادة حرصت خلال السنوات الماضية ، ومنذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل على أن يكون السلام خيارًا استراتيجيًا نحرص عليه وننميه، ونسعى أيضًا لأن يكون هذا المسار داعمًا لدول أخرى للانضمام إليه.
حيث ظلت القضية على رأس أولويات اهتمام القيادة المصرية، نتيجة الإيمان والقناعة الراسخة بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته التي انتزعها منه الاحتلال الإسرائيلي منذ نكبة 1948، والتي ولدت حينها الدولة الإسرائيلية بالسيطرة على أراضي فلسطين التاريخية، وتهجير سكانها قسريًا من أراضيهم ومنازلهم.
نكبة 1948 والجهود الديبلوماسية المصرية
لم تكترث الدولة المصرية جهدًا سياسيا أو دبلوماسيا للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في أراضيه، فعلى الصعيد الدبلوماسي، شاركت مصر في العديد من الفعاليات المرتبطة بالقضية ومن بينها؛ المؤتمر الإسلامي الأول بالقدس عام 1931، ومؤتمر بلودان عام 1937، والمؤتمر البرلماني للبلاد العربية والإسلامية بالقاهرة 1938، كما دعت لإقامة المؤتمر الإنساني الشرقي في القاهرة في نفس العام.
وشاركت في مؤتمر لندن عام 1939، وفي نفس العام، رفضت مصر الكتاب الأبيض الذي كان يؤكد علـى مبـدأ إقامـة الوطـن القومـي اليهـودي، علاوة على ذلك قامت مصر بتنظيم المؤتمر النسائي العربي بالقاهرة في عام 1944.
حسب ما جاء في تحليل للمركز المصري للفكر والدراسات السياسية.
كما حرصت مصر على بلورة موقف عربي جماعي حيال القضية الفلسطينية، وهو ما تبلور عبر صدور قرار عن اجتماع الإسكندرية المنعقد خلال الفترة من 25 سبتمبر- 7 أكتوبر1944، والذي نص على أن فلسطين ركن هام من أركان البلاد العربية.
بالإضافة إلى استضافت مصر أول مؤتمر عربي في أنشاص في مايو 1946، كرد فعل على توصيات اللجنة “الأنجلو-أمريكية” التي أوصت بدخول مائة ألف من اليهود الفارين من الاضطهاد النازي إلى فلسطين، حيث اعتُبرت نتائج تحقيق اللجنة مجحفــة لعـرب فلسـطين وغير مراعية لحقوقهم في أرضهم ومنحـازة للجانب الصهيونيـة.
فقد حرصت مصر خلال المؤتمر على تأكيد أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب جميعًا، ومن ثم يتعين عليهم الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.
الدور المصري في حرب 1948
وإلى جانب أدوارها السياسية الدبلوماسية والإنسانية، قدمت مصر الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن القضية، فخلال معــارك فلســطين عامــي 1948 و1949، استشهد عــددًا كبيرًا من ضبـاط وأفـراد الجيـش المصـري ومـن المدنييـن، وقـد ذكـرت التقاريـر الرسـمية المصريـة أن عـدد الضبـاط الذيـن استشـهدوا خلال العمليـات الحربيـة فـي فلسـطين بلـغ 98 ضابطًا.
بينما ذكــرت مصــادر أخــرى أن إجمالــي عدد الشهداء المصريين بلغ 926 شهيدًا من الضباط والجنود والمدنيين، هذا بخلاف المدنييــن المتطوعيــن الذيــن شــاركوا فــي الحــرب ولــم تشــملهم تلــك المصــادر.
وامتدت الاستراتيجية المصرية لمحاولة حل القضية الفلسطينية، كان من بينها الأدوات الدبلوماسية التي تمثلت في التنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية المعينة بالقضية، والتحرك الإقليمي كمدخل للتحرك الدولي، وشملت الاجتماعات العربية مثل قمم مصر والأردن، واستضافة القمم الثلاثية بين مصر والأردن وفلسطين، وتدشين آلية التعاون الثلاثي بين مصر والأردن والعراق، ومُناقشة القضية في كل المحافل الدولية مثل اللجنة الرباعية الدولية «مصر، الأردن، ألمانيا، فرنسا»، من أجل تضافر الجهود ودعم كل جهود التهدئة لحلحلة القضية ودفع عملية السلام،
ضمان إقامة دولة فلسطينية مُستقلة
سعت مصر إلى ضمان إقامة دولة فلسطينية مُستقلة على حدود الرابع من يونيو لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تكفل للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وتوفير المناخ الملائم والأمن والسلام للتعايش جنبًا إلى جنب مع دولة إسرائيل، وبرزت مؤشرات هذا المسار في المواقف المصرية المعلنة لمبادرات السلام خلال الفترة الأخيرة، ومنها صفقة «القرن» لعام 2020.
كما عملت مصر على بناء أسس الثقة بين الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، وتكثيف المساعي المصرية بشأن توحيد الرؤى الفلسطينية باعتباره السبيل الوحيد لإيجاد حل دائم للقضية الفلسطينية، وظهرت نتائج الجهود المصرية في هذا المسار برعاية اتفاق المصالحة الفلسطينية عام 2017، بين حركتي فتح وحماس، واستضافة اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية في مدينة العلمين يوليو 2023.
كما تابعت مصر ديمومة انعقاد الاجتماعات بين الطرفين، للتوصل إلى التفاهمات الثنائية بشأن إجراء الانتخابات الفلسطينية، وضمان الحفاظ على كيان شرعي موحد للشعب الفلسطيني يتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية.
أنماط متعددة للمساعدات المصرية
وتعددت أنماط المساعدات المصرية المقدمة لفلسطين خلال الأزمات المختلفة، سواء بفتح معبر رفح لتقديم المساعدات الغذائية والطبية، واستقبال الجرحى والمصابين الفلسطينيين، أو إرسال قوافل الإغاثة والدعم الدوائي.
بجانب الحرص على إيقاف تصعيد الحرب على قطاع غزة من الجانب الإسرائيلي، حيث استطاعت إيقاف جولة التصعيد العنيف في مايو 2021، من خلال التحرك في عددٍ من المسارات المختلفة، وطرح المبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة بمبلغ قدره 500 مليون دولار، في إطار الدعم المباشر للأمن والاستقرار، وتخفيف معاناة الفلسطينيين في القطاع، وتقوية السلطة الفلسطينية، وتحييد عزل غزة من خلال مشاركة الشركات المصرية العاملة في مجالات البنية التحية، وتأسيس لجنة وطنية مصرية للإشراف على عملية إعادة الإعمار، والتنسيق المصري مع الأطراف المعنية، ودمج الشركات الفلسطينية، وجاءت هذه المبادرة لدعم جهود مصر الدبلوماسية والسياسية على الصعيد الدولي لإيقاف حالة الحرب.
وتبذل مصر جهودًا دبلوماسية حثيثة لتجنب الارتدادات الخطرة للتصعيد الحالي، والمواجهات المفتوحة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، في ظل الدور المحوري لمصر في القضية الفلسطينية، وإمساك القاهرة بكل جوانبها، باعتبارها الضامن والمساند لفلسطين عبر التاريخ حتى هذه اللحظة الراهنة، وأهمية التأكيد على حل السلام العادل القائم على الشرعية الدولية، من أجل دعم وتحقيق استقرار الأمن القومي العربي ككل.
ومنذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر الماضي، وقفت الدولة المصرية وقفة حازمة صامدة، وبذلت جهود مكثفة من أجل وقف النزيف المستمر ومعالجة الأوضاع الإنسانية الكارثية في غزة عبر عدة مسارات متوازية أبرزها التصريحات التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشددت على الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض التهجير القسري للشعب الفلسطيني.
ووضعت مصر استراتيجية ثابتة منذ أن دعت لعقد مؤتمر" قمة القاهرة للسلام" في أكتوبر 2023، وسار على نهجها العديد من المنظمات والدول، من أجل حقن دماء الفلسطينيين ووقف إطلاق النار في القطاع المحاصر منذ السابع من أكتوبر الماضي، برا وبحرا وجوا من قوات الاحتلال الإسرائيلية، وتماشياً مع النداءات المصرية من أجل وقف فوري لإطلاق النار، وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش دعوة لاستضافة الأمم المتحدة لمؤتمر دولي بعنوان "نداء للعمل: الاستجابة الإنسانية العاجلة لغزة" في منطقة البحر الميت بالأردن.