سودانايل:
2025-02-27@12:44:34 GMT

مرافعة الطبقة الوسطى في الحرب السودانية

تاريخ النشر: 27th, February 2025 GMT

مرافعة الطبقة الوسطى في الحرب السودانية

كارثة سقوط المدن عسكرياً تمهيد لفصل إداري للمدن وليس فصل سياسي للأقاليم 6

▪️مقدمة

لطالما شكّلت الطبقة الوسطى العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في السودان، حيث تجمع بين الموظفين، المهنيين، أصحاب المشاريع الصغيرة، ورواد الأعمال الذين يشكلون النواة الأساسية للإنتاج والاستهلاك.

لكن الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أدت إلى تآكل هذه الطبقة، حيث فقد الملايين وظائفهم، وتراجعت القدرة الشرائية بشكل حاد، ما جعل أفرادها عرضة للفقر والنزوح. ومع استمرار الانقسام الإداري بين حكومتين، تتلاشى فرص التعافي، ويتفاقم التفاوت الطبقي، حيث أصبحت البلاد تتجه نحو ثنائية قاتلة: طبقة ثرية مستفيدة من الحرب، وطبقة فقيرة تكافح للبقاء.

إن مستقبل السودان مرتبط إلى حد كبير بمصير طبقته الوسطى، فإذا ما استمر انهيار هذه الفئة، فإن الدولة ستدخل في مرحلة انهيار شامل لن تقتصر على الاقتصاد فقط، بل ستشمل جميع نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية. لهذا، لا بد من دراسة أوضاع الطبقة الوسطى في السودان، تأثير الحرب عليها، وكيف يمكن إنقاذها قبل فوات الأوان.

▪️الطبقة الوسطى: المفهوم والتركيب

ما هي الطبقة الوسطى؟

على الرغم من تعدد التعريفات لمفهوم الطبقة الوسطى، والتأكيد على اتسامها بدرجة عالية من التباين في مستويات التعليم والدخل والمكانة الاجتماعية، إلا أن هناك اتفاقًا واسعًا على أنها تجمع بين بعض سمات القوة العاملة (مثل عدم امتلاك وسائل الإنتاج في معظم الأحيان) وبين بعض صفات البرجوازية (مثل المشاركة في إدارة رأس المال والسيطرة جزئيًا على السوق).

وتشمل هذه الطبقة:
• الموظفين والمهنيين من أصحاب المرتبات والدخول الثابتة، مثل المعلمين، الأطباء، المهندسين، المحامين، والمحاسبين.
• أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مثل التجار والحرفيين وأصحاب المصانع الصغيرة.
• أصحاب الحيازات الزراعية المتوسطة، مثل المزارعين الذين يمتلكون مساحات زراعية صغيرة أو متوسطة.
• الشرائح العليا من موظفي القطاع الخاص، الذين يحصلون على دخول جيدة ولكنهم لا يملكون وسائل الإنتاج الكبرى.
• العاملين في مجال المعلوماتية والتكنولوجيا الحديثة، الذين ظهروا مع العولمة ويمارسون أعمالًا قائمة على الخدمات الرقمية والبرمجيات.
• الرعاة والعاملين في قطاع الثروة الحيوانية، الذين يشكلون قطاعًا حيويًا في الاقتصاد السوداني، حيث يعتمد ملايين المواطنين على منتجاتهم الغذائية.

▪️أهمية الطبقة الوسطى في الاقتصاد والمجتمع

تمثل الطبقة الوسطى الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي، فهي تستهلك المنتجات، تستثمر في التعليم والصحة، وتساهم في استقرار السوق عبر الطلب المستمر على السلع والخدمات. كما أنها تُعتبر الأساس لاستقرار الأنظمة السياسية، حيث ترتبط غالبًا بالنشاط المدني، والمشاركة في الحياة العامة، ونشر قيم الحداثة والديمقراطية.

لكن في السودان، تواجه هذه الطبقة اليوم خطر التلاشي بسبب الحرب المستمرة، حيث فقدت مصادر دخلها، وتراجعت قدرتها على الاستثمار في أبسط متطلبات الحياة، مما أدى إلى تحولها نحو الطبقة الفقيرة أو حتى إلى النزوح خارج البلاد.

الاقتصاد في ظل حكومتين: الطبقة الوسطى في مهب الريح

1. تدمير القطاع الصناعي: الطبقة الوسطى تفقد مصادر رزقها

قبل الحرب، ساهم القطاع الصناعي بنسبة 21% من الناتج المحلي الإجمالي وفقًا لتقارير بنك السودان المركزي. لكنه واجه تحديات كبرى مثل ضعف التمويل، ارتفاع تكلفة التشغيل، أزمة الطاقة، الضرائب الباهظة، وإغراق الأسواق بالسلع المستوردة. ومع اشتداد الحرب، تعرض حوالي 90% من القطاع الصناعي للدمار، حيث تضررت (3,493) منشأة صناعية في ولاية الخرطوم وحدها، شملت:
• المنشآت المتوسطة والكبيرة، حيث فقد 150,000 عامل وظائفهم.
• المنشآت الصغيرة، حيث فقد 100,000 عامل أعمالهم.

بذلك، تضرر 250,000 فرد من الطبقة الوسطى الذين كانوا يعتمدون على وظائف القطاع الصناعي، مما أدى إلى انزلاق آلاف الأسر إلى الفقر.

2. انهيار القطاع الزراعي: تدمير الإنتاج المحلي

يُعد القطاع الزراعي من القطاعات الأساسية في السودان، حيث يساهم بنسبة 32.7% من الناتج المحلي الإجمالي، ويشمل ملايين المزارعين الذين تعتمد عليهم الطبقة الوسطى والفقيرة في الغذاء والاستهلاك. لكن الحرب تسببت في:
• نقص حاد في الإنتاج الزراعي بسبب انعدام الأمن وغياب التمويل اللازم للمزارعين.
• فقدان السودان 50% من محاصيله، ما أدى إلى أزمة غذائية حادة.
• تراجع زراعة الحبوب، مما أدى إلى زيادة الاعتماد على الواردات وارتفاع الأسعار.

3. تأثير الحرب على قطاع الثروة الحيوانية

يعتمد ملايين السودانيين على قطاع الثروة الحيوانية الذي يشكل مصدر دخل رئيسي لكثير من أفراد الطبقة الوسطى، سواء في شكل مزارع دواجن، أو تجارة الماشية، أو الصادرات الحيوانية. لكن الحرب تسببت في:
• فقدان 50% من القطيع القومي بسبب غياب الأمن والنهب.
• توقف الصادرات الحيوانية، خاصة نحو مصر، بسبب غياب الاستقرار وتضرر طرق النقل.
• تأثر قطاع الدواجن بنسبة 85%، حيث تركز الإنتاج في ولايتي الجزيرة والخرطوم، وكلاهما تضرر بشدة.

4. انهيار قطاع الخدمات: فقدان الوظائف وانخفاض الإيرادات

يُعتبر قطاع الخدمات الأكثر ارتباطًا بالطبقة الوسطى، حيث يشمل المعلمين، الأطباء، المهندسين، المحامين، موظفي الحكومة، التجار، والعاملين في مجالات المال والتكنولوجيا. ووفقًا لتقارير بنك السودان المركزي، كان هذا القطاع يساهم بنسبة 46% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن الحرب أدت إلى:
• إغلاق آلاف الشركات والمؤسسات الخدمية بسبب النزوح والدمار.
• تراجع الإيرادات الحكومية بنسبة 80%، ما أثر بشكل مباشر على رواتب الموظفين.
• فقدان أكثر من 8-9 ملايين وظيفة، تشمل القطاعين الرسمي وغير الرسمي، أي ما يعادل 60-65% من الوظائف في البلاد.

▪️خاتمة: نحو مستقبل مظلم

رغم هذه التقديرات الواردة في التقارير الرسمية والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الحكوميين، والتي تعكس الأرقام الأولية لحجم الضرر، إلا أنها قد تكون أقل من الواقع الفعلي نظرًا لعدم القدرة على حصر جميع الأضرار في ظل الظروف الأمنية المعقدة، وانهيار البنية التحتية الإدارية التي كانت تساهم في جمع البيانات الاقتصادية والاجتماعية.

مع استمرار الحرب والانقسام الإداري في السودان، وتشكيل حكومة موازية لقوات الدعم السريع في مناطق سيطرتها، تتجه الطبقة الوسطى إلى مرحلة خطيرة من التهميش والقمع. فقد أصبحت هذه الطبقة تعيش تحت تهديد السلاح، وتواجه مصادرة حقوقها، وإفقارها بشكل ممنهج، حيث لم تعد تملك القرار السياسي أو الاقتصادي، ولم تعد قادرة على الإنتاج والمساهمة في بناء الدولة.

إن أخطر ما في الأمر هو أن التشظي السياسي الحاصل اليوم ينذر بوضع بذور الانفصال المستقبلي، حيث تتجه البلاد نحو انقسامات عميقة قد تجعل من إعادة توحيد السودان مهمة مستحيلة.

احمد بن عمر

dr_benomer@yahoo.com

   

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الطبقة الوسطى فی القطاع الصناعی هذه الطبقة فی السودان ما أدى إلى لکن الحرب حیث فقد قطاع ا

إقرأ أيضاً:

الدعوة إلى تماسك النسيج الاجتماعي .. الدولة السودانية الواحدة

تقرير: حسن اسحق/ يشير المحامي والقانوني معتز المدني السكرتير السياسي للجبهة الديمقراطية للمحامين السودانيين الى اسباب ازالة الحرب في السودان وتداعياتها الماثلة في الوقت الراهن، يجب الوقوف ضد المنظومة التي تريد تكوين حكومة موازية، وفي المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع، الجبهة المدنية تنادي بالدولة السودانية الموحدة وتماسك النسيج الاجتماعي.
واوضح ان هذا يجب أن يتحقق بالطرق السلمية، والعدالة، والعمل علي إزالة التجييش القبلي والمناطقي، والعسكرة الاهلية، والجبهة مع التغيير الجذري الاجتماعي، واسترداد ثورة ديسمبر، وتنادي بابعاد كل الكتائب الاسلامية باعتبارها العدو الأساسي لثورة ديسمبر، والمطالبة بمحاسبة كل الجرائم المرتكبة في حق الشعب السوداني، و المنادين بخطاب الكراهية والمتربصين بثورة ديسمبر، وأمراء الحرب.
أوضح معتز ظهور النوايا المضمرة لإجهاض ثورة ديسمبر من الأطراف المعادية في وسائل التواصل الاجتماعي، والجبهة الديمقراطية تقف ضد هذا المشروع بكل الوسائل المتاحة، ومناهضته، وكذلك أبعاده من المشهد السياسي، ويجب الوقوف ضد اطالة امد الحرب، ودواعي التقسيم، وضد عودة النظام الانقاذي القديم.
أضاف معتز ان الجبهة المدنية ضد المحاكمة الصورية، وفكرة ’’ قانون الوجوه الغريبة ‘‘، باعتباره محرض عنصري، و جهوي، وقبلي، وخطاب الكراهية الذي يؤدي إلى الاصطفاف الموازي، وتحويل الحرب الى حرب اهلية مناطقية.
مشيرا إلى أن بعض المحامين يواجهون العديد من المشاكل اثناء ظهورهم في المحاكم، وتتم ملاحقتهم بواسطة الاجهزة الامنية، واتهامهم بالخيانة، هذا بدوره أدى ظهور المشاكل المتعلقة بالعدالة وعمل المحاكم، باعتبارها محاكم صورية، هي كلها من المشاكل التي قد تؤدي إلى الانقسام والتشظي.
يضيف معتز ان الجبهة المدنية تقوم بمجهودات ضخمة جدا، الحليف الاستراتيجي للجبهة الديمقراطية، وصدر ميثاق استعادة الديمقراطية منذ فترة طويلة، واسترداد الثورة، وقدم الحزب الشيوعي ميثاق استعادة الديمقراطية كحد ادني، وجزء من الاحزاب السياسية كانت تنادي باستعادة الاتفاق الاطاري.
وكانت تلك الخطوة لا تلبي الطموحات في الحس الثوري، ولا في شعارات ديسمبر، بل الفكرة كانت جزء من الهبوط الناعم، ويساهم الاتفاق في وجود الجيش والدعم السريع في السلطة في تسوية سياسية، وهي لا تعبر عن الثورة الحقيقية في ديسمبر.
أضاف أن برنامج الحد الادنى، كان يفترض التنظيمات السياسية تنطوي تحته بشكل كامل جدا، وبه مسلمات واساسيات غير قابلة للتغيير، تتمثل في إسقاط الانقلاب، واستعادة الثورة، مع اعادة النظر في الوثيقة الدستورية، والمسائل المتعلقة بالاقتصاد والمعيشة، والسلام، وأسباب التهجير، والنازحين، والعلاقات الخارجية.
وكان الطرح يتجه في الاتجاه المطلوب، لكن حصلت بعض المشاكل في التنظيمات الأخرى، التي كانت تحاول أن تدخل في مظلة الجبهة المدنية، عن طريق الكتل، بل عن طريق لافتاتها الحزبية، أن ضعف التنظيمات السياسية، وغير البرامجية، مثل حزب المؤتمر السوداني، وليس له أي ترسانة منهجية، ولا قضايا فكرية، ولا خلفية فكرية متكاملة.
ظهر الميثاق الثوري لسلطة الشعب وقوى التغيير الجذري، هي المكونات الحقيقية للجبهة المدنية الحقيقية التي يمكن أن تساهم في مناهضة الحرب، والقيام بالدور الثوري الكبير، ومحاربة المشروع الداعي الحرب من الجهات الظلامية.
وأوضح معتز أن الجبهة تعمل للالتفاف حول الجبهة المدنية، من واقع عدم الإفلات من العقاب، تحقيق العدالة، والتحقيقات في الجرائم، وتسليم المطلوبين، ومسائل حقوق الإنسان، ومحاربة الفساد، والتشريع، والدستور، هي من المسائل المهمة التي يفترض ان الرابط في اي تحالف موجود، في اي خطوط تساهم مع الحليف الاستراتيجي للحزب الشيوعي.
أوضح معتز إن الجبهة المدنية واجهتها الكثير من المشاكل والتعقيدات، منها ذهب تيار تقدم الى جهة مخالفة لتيار الجبهة الديمقراطية، فيما يتعلق بالحرب، ومضمون الحرب، ومفهوم الحرب ذاتها، وتقدم تتكلم عن التسويات، وتم تجميع الأحزاب الوطنية للتنسيق مع لجان المقاومة، انه موجود في الميثاق الثوري، والنضال المشترك وسط الجماهير، وهزيمة المخطط الخارجي، ومحاربة النعرات القبلية، وكرر هذا ما تقوم به الجبهة المدنية، أن الحرب وايقافها مرتبط باسترداد شعارات الثورة.

ishaghassan13@gmail.com  

مقالات مشابهة

  • ما هي أبرز المناطق التي استعادتها القوات المسلحة السودانية من حركة الحلو
  • الدعوة إلى تماسك النسيج الاجتماعي .. الدولة السودانية الواحدة
  • «التعليم العالي» تطالب بإغلاق المراكز الخارجية للجامعات السودانية وتوفيق أوضاعها داخل البلاد 
  • وزير التعليم العالي يصدر قرار بإغلاق جميع الجامعات السودانية في الخارج وتوجيهات مشددة
  • وفاة 6 أطفال رضع بغزة بسبب البرد القارس.. وحماس تحمل ‏الاحتلال المسؤولية
  • الازمة السودانية والجذور التاريخية للنخبة الحاكمة
  • بعد كسر حصار الدعم السريع عنها.. تعرّف على مدينة الأبيض السودانية
  • السيناريو الأبرز لـ”اليوم التالي” للحرب في غزة​
  • الخارجية السودانية تكشف عن إجراءات تصعيدية تجاه كينيا