أن نتخيل فيتنام في غزة.. ما الذي يجعل المقارنة مُغرية وظالمة في آن واحد؟
تاريخ النشر: 27th, February 2025 GMT
"لم تقع البتة من قبل أحداث أشأم مما وقع في عصرنا، ولا نزلت مصائب كالمصائب التي نزلت في هذه السنة.. أجلس وحيدا، تتملكني التعاسة، فلا أملك كلاما كثيرا أقوله. وهذا ما يجعل دمي ينشف ووجهي يصبح ناحلا وهزيلا.. ووسط البؤس الذي يداهمنا، نقرأ، رغم عجزنا، كتب الحكماء، لكننا لا نعرف كيف نضعها موضع التطبيق.. إن كل العصور مليئة بالآلام، والإنسان يعيش دوما تحت الوطأة الداخلية للحزن والخوف.
هذه الكلمات كتبها الملك "تو-دوك" إلى الأمة الفيتنامية غداة احتلال فرنسا إقليم جديد من فيتنام عام 1867، أي منذ أكثر من 150 عاما. وربما تتقاطع هذه الحالة كثيرا مع ما مر به العام المنصرم، وربما أيضا نزايد على هذا الملك، نظرا لما وقع ولما نزل من مصائب، خصوصا ونحن نرى البث المباشر للحرب، نتابع القصف تلو الآخر، الصراخ اليومي والاستغاثات المتكررة، نداءات إلى الله وإلى القادة والحكومات، استجداء لقيم العدالة والإنسانية. المهم والأكيد والمختلف في أيامنا تلك عن أيام الملك الفيتنامي، أنه كتب شعوره ليعرفه العالم فيما بعد، لكننا اليوم نعرف الكثير والكثير أيها الملك، ورغم ذلك ما زلنا نردد مثل كلماتك، أملا في أن يرانا العالم.
انتهت الحرب، لتستمر حروب أخرى تُخاض للصراع حول المعاني والتفسيرات. منذ الأيام الأولى في الحرب، توجد رغبة وشعور عند كثيرين لإظهار التضامن والتعاطف من ناحية، والوقوف من ناحية أخرى عند سؤالي: ماذا يمكنني أن أفعل؟ وكيف أنجو؟ النجاة التي أتحدث عنها هنا هي النجاة من زخم الأحداث. يحكم هذا التضارب والتناقض غالبية الأفكار، التي بينما تبحث عن ما يربطها بالآخر، وتحاول إظهار شعور بالمسئولية تجاهه، تجد نفسها واقعة في فخ الفردانية، التي أصبح من الصعب أن يفكر الفرد بعيدا عنها.
وبقدر ما يحاول أحدهم أن يُظهر كونه مُتألم وأن يضع نفسه في القلب من المأساة، ويستجدي التعاطف من الآخرين، ويلعن من يحاولون ممارسة التلاهي والانغماس في التفاهة، إلا أن كل هذا يعود بنا من جديد إلى صيغة "ما يمكنني فعله" مقابل الآخرين. فلم يعد هناك "ما يمكننا فعله" أو بالأحرى لم يعد هناك داعٍ للحديث بـ"نون الجمع" اللعينة، بالتالي شتان بين "حجم" التعاطف والتضامن، وبين "تأثيره". وهذا ما يظهر بوضوح في مجريات الواقع، إذ لا يغدو التضامن أكثر من نشوة الفرح التي ترافق تعليقات الأفراد بينما ينشرون فيديو استهداف ميركافا إسرائيلية أو كمين محكم لجنود الاحتلال، يتبعه تحسّر وحزن على ضحايا قصف مستشفى أو مجمعات سكنية. بهذه الصورة أصبح التضامن مقتصرا في الشعور والانفعال ليس أكثر، ويُكرس هذا باعتباره "أضعف الإيمان"، وإجابة كافية للسؤال العويص: ماذا يمكنني أن أفعل؟ أما عن إجابة سؤال: كيف أنجو؟ فمن السهل جدا كتابة رثاء جديد لهذا العالم، على غرار ما فعله الملك الفيتنامي، الذي أرهقته التعاسة لدرجة أصبح معها لا يجد الكثير ليقوله.
المغزى من المقارنة بفيتنام
ما علاقة فيتنام بما يحدث بفلسطين؟ وهل نستطيع مقارنة هنا بهناك؟ المقارنة مغرية بينما نمتلك اليوم العديد من هواة الإسقاطات التاريخية، وتحديدا فيتنام مغرية جدا، لماذا؟ استعمار وتخلف وتضحيات كبيرة. كثير ممن يلجأون للمقارنة بفيتنام يهتمون بهذا الثالوث، لكن الكاتب السوري ياسين الحافظ في كتابه "التجربة التاريخية الفيتنامية" يضيء لنا زاوية جديدة من خلال تقييم نقدي مقارن مع التجربة التاريخية العربية. كلمة السر التي يرتكز عليها في تحليله هي "ميزان القوى المحلي".
بالنسبة للملك "تو-دوك"، هو ملك مفعم إخلاصا للأمة، لكن لِمَ كان البارحة قادرا على تطبيق التعاليم والأيديولوجيا الكونفوشيوسية، ولم يعد قادرا على وضعها موضع التطبيق بعد ذلك؟ الإجابة عن هذا السؤال تلقي ضوءا لا على مأساة فيتنام التقليدية فقط -فيتنام الملك وكونفوشيوس ومشايخ الأيديولوجيا والأمة الفيتنامية- بل على مأساة يشترك فيها أجزاء كبيرة من العالم، والتي تقرأ أيضا كتب الحكماء ولا تعرف كيف تضعها موضع التطبيق.
بالتالي فالملك والمشايخ الكونفوشيوسيون برغم إخلاصهم وولائهم القومي ورغبتهم في الدفاع عن الأمة والموت في سبيلها، إلا أن هزيمتهم كانت ضرورة لصالح مخطط "انتصار" سيعرفه ويُعرّف به العالم فيما بعد "هوشي منه". وبين الملك تو-دوك وبين هو شي منه الكثير والكثير، بين تلك الهزيمة وهذا النصر لا تمتد فقط مسافة زمنية جاوزت قرنا، بل حدثت تغيرات أعمق أحدثت بدورها صراع بين أفكار وأيديولوجيا الماضي وبين أفكار مستحدثة من الممكن أن يُنظر لها بكونها "صنيعة الاستعمار"، والمثال الأشهر على ذلك هو لغة "الكيوك نغي"، وهي طريقة مبسطة لكتابة اللغة الفيتنامية بحروف لاتينية بدلا من الكتابة بالرموز الصينية، والتي كانت في الأصل نتيجة لمجهودات البعثات التبشيرية التي أدخلتها في الإدارة الكولونيالية، وخلافا للكتابة الصينية بالرموز، التي تحتاج إلى دراسة طويلة، أصبح للطفل الفيتنامي أن يقرأ بلغته خلال شهرين، فأمكن لجمهورية فيتنام الشمالية أن تمحو خلال خمس سنوات فقط الأمية التي كان يعاني منها 90 في المئة من الشعب الفيتنامي.
إن فكرة النصر الفيتنامي لم تكن فقط وليد صفات نغدقها على الأشخاص من قبيل: البطولة والنبالة والشجاعة، وليست فقط في الكمّ الهائل من التضحيات والخسائر البشرية، والتي يحلو للكثيرين عقد المقارنة معها، إلا أن مقومات النصر تتمثل في الأساس بقدرة المشروع التحرري على تعبئة "القوى المحلية". في المعركة الشهيرة "ديان بيان فو" عام 1954 أسهم -فضلا عن المقاتلين- 200 ألف شغيل شعبي عملوا ما مجموعه 3 ملايين يوم عمل، تحت قصف الطيران والمدفعية الاستعماريين. هؤلاء هم الذين ربحوا المعركة، وهم الذين كسروا ميزان القوى، الذي كانت تعتبره أركان الحرب الفرنسية لصالحها من الناحية العسكرية، غافلة دور هذه الجموع من المواطنين الذين حركهم وعيهم السياسي بالأساس.
كما لم يخجل "العم هو" من الحديث عن "فيتنام التي تسحقها أحذية عدو كاسر" لكن الوعي التاريخي العربي -وعلى عكس الوعي التاريخي الفيتنامي- يخشى الاعتراف بالهزيمة فيضفي طابعا مداهنا وتلطيفيا؛ أطلقنا عام 1948 النكبة، ثم 1967 أطلقنا النكسة، ووصلنا إلى القرن الحادي والعشرين لنُسمي نكبة ثانية ونكسة ثانية على توابع السابع من أكتوبر في غزة ولبنان، إلا أن كل هذه التسميات تعد بالنهاية بمثابة التبرير، الذي يُرحّل الوقائع من مواقعها الحقيقية إلى مواقع وهمية، بما يبرّئ العرب من المسئولية، ويجعل الهزيمة "ظاهرة أخلاقية"، أشرفت عليها قوى بعيدة عن الفضائل العربية.
لذلك فمأساة السياسات العربية تتمثل في كونها تتوهم أن بإمكانها تعديل ميزان القوى المحلي بواسطة ميزان القوى الدولي، أو بالأحرى تحاول إلغاء كل حديث عن ميزان القوى المحلى بإعتمادية فجة على القوى الدولية وأخلاقايتها. فعندما نطلب من الولايات المتحدة أن تضغط على إسرائيل لتعيد لنا أراض محتلة أو نطلب من الولايات المتحدة والعالم الحر إدانة كذا أو مساعدة كذا.. إلخ؛ نكون قد اعترفنا أننا غير قادرين على استعادة حقوق أو المطالبة بشيء يخصنا. بهذا الشكل من "التسول الحقوقي" يعتمد الوعي التاريخي العربي خطابه بينما يتحدث عن "مظلوميته" أو "قضاياه العادلة"، لكن ماذا عن ميزان القوى المحلي العربي؟ ما تعرفه الأجيال الجديدة وما تردده الأجيال القديمة منذ النكبة والنكسة؟
وعي أم جهل بالقضية الفلسطينية
بالرغم من تعدد الخطابات والأيديولوجيات، التي هيمنت في حقب أو فترات معينة من عمر الصراع العربي-الإسرائيلي، قومية أو يسارية أو إسلامية، إلا أن السمة المشتركة، طوال هذا التاريخ، هي غلبة التوجّه العاطفي والانفعالي، بالمعنى الذي يجعل "نصرة القضية" مقولة مفهومة لا جدال حولها، بينما "كيف ننصر القضية، أو كيف نفهمها لنحاول نصرتها؟"، فمقولة أقل ما يقال فيها أنها "خيانة وخذلان للقضية"، بالتالي أصبح ما تبلور من خطاب عربي، طول مدة الصراع، يرتكز على إرث "النكبة" ثم "النكسة"، وصولا إلى "صمود مستمر"، بالمعنى الذي يجعل من الوجود العربي نفسه وجودا أيديولوجيا وليس سياسيا منظما، وجُل أفكاره ماثلة في الأذهان، أكثر مما هي قائمة في الواقع.
في دراسة أصدرها مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية عام 1970، على شكل استبيان يتضمن مجموعة أسئلة متعلقة بجغرافية فلسطين وتواريخ القضية الهامة من حروب وانتفاضات ومؤتمرات، وشخصيات ومؤسسات كان لها أدوار تاريخية في القضية، نجد ثلاثة ملاحظات نستطيع تضمينها في سياق البحث عن معنى لما نعنيه بقضايانا وما نعرفه بشأنها، وبالتالي برصد شكل التضامن ومدى التأثير.
الملاحظة الأولى أن هذا الأسئلة تم طرحها على "شباب جامعي" وتحديدا في بيروت والقاهرة، وتخلص الدراسة إلى أن معدل المعلومات هو مجرد 17.8 في المئة، بمعنى أن المثقف الجامعي العربي يعرف أقل من خُمس المعلومات المفترض منه أن يعرفها عن قضية فلسطين.
أما الثانية فتتعلق بما أبداه الطلاب من اهتمام كبير وتعاطف وإيمان بحق الشعب الفلسطيني، إلا أن اهتمامهم العابر يفوق بكثير اهتمامهم بتكوين معرفة علمية وتاريخية عن القضية، حيث انخفاض نسب قراءة الأوراق البحثية والكتابات التاريخية، والاكتفاء بمتابعة الأخبار بشكل عام.
الملاحظة الأخيرة والأهم هي ما يورده المؤلف في المقدمة، عن الوظيفة التي ارتأى المركز أن يسلط عليها مجهوده منذ تأسيسه، باعتبار مهمته تتمثل في تعريف القارئ العربي وإمداده بمعلومات كافية عن العدو؛ جيشه وتنظيماته السياسية وأحزابه ومكوناتها الاجتماعية وحجم التسليح والدعم الخارجي.. إلخ؛ مما هو خاص بالعدو، مع الأخذ في الاعتبار أن التعريف بقضية فلسطين هي مسئولية مفروغ منها، إلا أن الحقيقة كانت عكس ذلك تماما، حيث جهل قطاعات وشرائح متعلمة من العرب أنفسهم بفلسطين وقضيتها.
بعد مرور ما يزيد عن نصف قرن منذ صدور هذه الدراسة، نستطيع تلمس توابع الجهل المُزلزلة والتي نختبرها في العقود الأخيرة في صياغات مثل: "تمويت" القضية الفلسطينية، أو تسوية القضية بصفقة قرن، أو تجاوزها بسلام اقتصادي ورشاوي مالية. بالتأكيد سمعنا وعايشنا ترديد هذه المقولات من قبل اندلاع الحرب الأخيرة، في الوقت الذي لا يتوانى فيه العديد عن ترديد مقولة أخرى: "فلسطين قضيتنا المركزية"، لكن كيف يكون هناك تضامن له تأثير بقضية نعتبرها مركزية ولا نعرف عنها الكثير؟ من المسئول عن هذا الجهل وبالتالي عن هذا التضامن الباهت؟ هل هي الدولة التي لا تعمم المعرفة بقضاياها؟ أم المدرسة والكلية والجامعة؟ أم الأصوات والمنظمات السياسية والحقوقية التي تتحدث عن تحرير فلسطين ولا تدعم خطابها بتثقيف حقيقي عن فلسطين؟ أم البيت والآباء والأمهات وتعليمهم للصغار أمور وفهلوات ضرورية لأكل العيش فقط؟ أم المؤسسات الإعلامية والقنوات المتخصصة ومواقع التواصل الاجتماعي والتي تفرد مساحات واسعة لبث كل أشكال الدمار والمعاناة ولا تسمح بتقديم تثقيف وخطاب حقيقي للأجيال الجديدة؟
التضامن والصراع على المعنى
ربما يُفهم من السرد السابق أن معضلة التضامن تكمن في "وعي الأفراد"، إلا أن الأمر لا يمكن اختزاله فقط في مجرد تجميع معلومات تكفي للتضامن، وليس بالصعب في زمن الوفرة المعلوماتية أن تصل لأي شيء بكبسة زر، إذن أين المعضلة؟
المعضلة الرئيسية تكمن في المصالح والتوجهات التي تتحكم في صياغة الوعي، وتشكل بدورها ما هو مفيد وله جدوى يالنسبة له. فالأمر ليس مجرد "تضامن إنساني" من عدمه، ولكن السؤال الأهم ما هي الأسس التي يتشكل وفقها تضامن ما؟ أو بمعنى آخر كيف يمكننا الكشف عن شبكة المصالح الاجتماعية التي من خلالها نستطيع الوقوف على محددات التضامن؟
لبحث هذه الأسئلة علينا البدء من قصة "ثلاثة أحياء فلسطينية" في زمن الاحتلال، في كتاب أصدرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان "أمكنة صغيرة وقضايا كبيرة"، يبحث ثلاثة فضاءات اجتماعية متباينة، وإن كانت قريبة من بعضها بالمعنى الجغرافي، وما نجم من تحولات عميقة عقب الانتفاضة الفلسطينية الثانية 2000-2005، وتناول أيضا محددات الحراك الاجتماعي وديناميته، ووضع الأفراد والعائلات وعلاقاتها الاجتماعية، وبالتالي مدى إمكانية بلورة أسس ومعايير لمفهوم "التضامن".
أول هذه الأحياء هو "مخيم الأمعري" للاجئين، الذي يتميز بكثافة سكانية عالية، ويضم جماعة قديمة نسبيا ومستقرة من لاجئي المناطق الساحلية في فلسطين. ويمكن القول إن الفئة الغالبة بين سكان المخيم تتكون، وفقا للمنظور الطبقي، من الطبقة العاملة، ومن شريحة دنيا من الطبقة الوسطى، إضافة إلى نسبة كبيرة من "المهمشين". أما ثاني الأحياء فهو "أم الشرايط"، وهو حي جديد نسبيا، ينمو بطريقة غير منتظمة، ويتكون من شقق في مبان سكنية متعددة الطبقات، نشأ القسم الأكبر منها في فترة ما بعد أوسلو، وسكنتها عائلات تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وعائلات نازحين من قطاع غزة، وعائلات أخرى أتت من مخيم الأمعري. وأما ثالت الأحياء فهو المصيون، وهو أقدم نسبيا، ويتكون في غالبيته من فيلات ومبان سكنية راقية تقطن فيها شريحة عليا من الطبقة الوسطى، إضافة إلى عدد من المنشآت التجارية الفخمة، وفنادق ومطاعم وبعض المؤسسات.
من خلال مقابلات ومشاهدات يتم من خلالها بحث معنى "المجتمع" في كل من الأحياء الثلاثة، تشير اللمحات الواردة على مدار الكتاب إلى دلالات متباينة ومتغيرة؛ فيُعد "مخيم الأمعري" الأكثر تماسكا ووعيا لهويته بين التجمعات السكنية المذكورة، حيث مشاعر الجماعة والتفاعل الاجتماعي في فضاء مغلق ومضبوط الحركة، صنعته قوى وهيئات أقوى من إرادة ساكنيه، وبالرغم من "الطبيعة المؤقتة" لمخيم اللاجئين، إلا أنه وخلافا للتوقعات، يعتبر المجتمع المحلي الأكثر استقرارا سكانيا، وهو ما تشير إليه التجليات الفريدة للتنظيم والتضامن الاجتماعي بين سكان المخيم.
في حي المصيون يظهر حرص الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات على حماية حياتهم الخاصة، وافتقارهم المعلن إلى مشاعر الانتماء إلى مكان سكناهم، إضافة إلى توسع الصراع والاستبعاد الاجتماعي، وذلك بحكم ما يشهده الحي من تغيرات عمرانية واجتماعية، كما تبرز ديناميات الفردانية المتزايدة، والقلق إزاء المكانة الاجتماعية والرغبات المعولمة في فترة ما بعد أوسلو، والمتمثلة في رغبة حثيثة لبناء "مجتمعات مغلقة أو مسوّرة" تحمي ساكنيها من توسع الاضطرابات والصراع الذي يسم الواقع الفلسطيني.
يحكي الكتاب عن فترة الاجتياح الإسرائيلي في 2002 باعتبارها الفترة الوحيدة التي شعر فيها سكان "المصيون" بتأثير الانتفاضة والوضع السياسي في حياتهم بشكل كبير، والتي يعزو إليها -أي الانتفاضة- سكان الحي مسئولية التدهور الاقتصادي والمعيشي بشكل أساسي. فالمصيون لم يكن أكثر من معبر لقوات الاحتلال القادمة من المعسكر القريب "عوفر" في اتجاه رام الله.
وفق هذه الصورة نكون إزاء محركات ودوافع ومصالح متباينة للغاية، فسكان "المصيون" مثلا يرون في نشوء السلطة الفلسطينية أثرا إيجابيا أحدث تغيرات على مستوى المعيشة؛ بوجود مطاعم وفنادق وأماكن ترفيه، فضلا عن توفير الحماية من "الزعران" والمهمشين. وعلى الجانب الآخر فسكان "مخيم الأمعري" لا يرون في السلطة إلا ذراعا أمنية للاحتلال، بجانب تحميلها قدر كبير من تردي الأوضاع وبؤس المعيشة والقمع اليومي. ولا يجب أن نتناسى حقيقة من يسكنون "المصيون" بأنهم في النهاية فلسطينيون، وبالمثل سكان المخيم، إلا أن "فلسطينيتهم" لم تكن كافية لشرح ما يعنيه واقعهم ومعيشهم الاجتماعي، وبالتالي تختلف دلالات الوعي باختلاف المصالح التي يفرضها الوجود الاجتماعي، ومن ثم يظهر الصراع على المعني بصدد ما يعنيه "التضامن"، وماهية الأسس التي من الممكن أن يُبنى على قاعدتها أي تضامن.
يساعدنا هذا السرد على فهم ما نعنيه بالصراع على المعنى بخصوص مفهوم "التضامن"، والذي يظهر لأول وهلة باعتباره شيء مفروغ منه، تحت دعاوى مثالية مغلفة بنزعة الإنسانية، تجعل العديد يرددون كلام فارغ تماما من المعنى على شاكلة: "الناس لازم تتضامن" أو "أصبح العرب كذا أو كذا".. إلخ من صيغ مجردة وتعميمات مضللة، لا تفيد بتحديد من هم الناس؟ وأين هم العرب الذين نخاطبهم؟
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الفيتنامية صراع الفلسطينية المجتمع فلسطين فيتنام مجتمع صراع مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القوى المحلی مخیم الأمعری میزان القوى من خلال ما بعد إلا أن الذی ی
إقرأ أيضاً:
النمر: احتمالية فشل دواء واحد في التحكم بالضغط 80%
أميرة خالد
نبه استشاري وأستاذ أمراض القلب،خالد النمر، بأن احتمالية فشل دواء واحد في التحكم بالضغط على وجه العموم 80%.
وقال إن غالبية مرضى الضغط يحتاجون علاجين أ ثلاثة مدمجة في قرص واحد.
من جهة أخرى، شدد “النمر” على تقليل ملح الطعام الى أقل من 5 جرام يومياً للشخص السليم من أجل الوقايةً من أمراض القلب والضغط على المدى البعيد.
أقرأ أيضا
علاج يستهدف مرض الضغط خلال 20 دقيقة