ازدواجية المعايير في مصطلح الإرهاب.. المقاومة الفلسطينية نموذجًا
تاريخ النشر: 26th, February 2025 GMT
عندما برز مصطلح الإرهاب في العقود الماضية بصورة أوسع، عُرف بأنه أسلوب من أساليب الصراع الدولي، الذي يقع فيه ضحايا بصفة جزافية أو رمزية كهدف إيقاع أذى أو عنف فعال لطرف آخر، بدون أن يكون هدف أسمى للعمل الإرهابي، لكن الإشكالية التي تسهم في غموض هذا المصطلح وتجعله أكثر التباسًا، هي عدم التفريق الدقيق بين الإرهاب كظاهرة عالمية، غير محددة بدولة أو بشعب أو بعقيدة، وبين كفاح الشعوب ونضالها لنيل حقوقها المشروعة، في التحرير ومحاربة المحتل والمستعمر، وهذه بلا شك قضية محورية يجب أن توضع في مكانها الصحيح في المصطلح، وتنضبط وفق مقاييس دقيقة وثابتة بعيدا عن الأهواء والميول الأيديولوجية واختلافها، فمصطلح الإرهاب يستخدم أحيانا بطريقة انتقائية، وتلصق أحيانا على أعمال لا تندرج ضمن مفهوم التعريف المشار إليه آنفًا، وهذه مسألة تثير الارتياب في تعريفات بعض الدول للإرهاب ومنها الولايات المتحدة على وجه التحديد.
في الثلاثينيات من هذا القرن، كانت هناك صورة أخرى من صور إرهاب الدولة المنظم في الداخل، في ألمانيا الهتلرية، من خلال الجرائم التي كانت ترتكبها قوات العاصفة وقوات الـ (إس .اس)، بحق كل من يخالف السياسات النازية ويعارض أطروحاتها، وذلك مقدمة لتصدير الإرهاب النازي إلى خارج الحدود، وهو ما أدى بدوره إلى تفجر الصراع الدولي في الحرب الكونية الثانية في القرن الماضي.
وهناك الكثير من الأعمال الإرهابية التي حدثت في العقود الماضية، فعلى سبيل المثال الإرهاب الإسرائيلي في احتلاله، وجرائمه التي ارتكبت ضد العرب في فلسطين، يعد أفظع أساليب الإرهاب في عصرنا الراهن، وهذا الإرهاب الإسرائيلي ربما يفوق الإرهاب القديم بما يملكه من وسائل حديثة ووحشية منذ منتصف القرن الماضي إلى الآن، وإذا أردنا أن نحصي الجرائم الإرهابية الإسرائيلية، فإن عشرات المقالات لا تستطيع سرد كل الجرائم الإرهابية الإسرائيلية». فإسرائيل منذ احتلالها، كما يقول الزهراني، لأراضي فلسطين في 1948م، مارست الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ضد أهل الأرض الأصليين، شتى أصناف الرعب والإرهاب، التي لا يختلف اثنان على أنها كذلك، فقامت بطرد الفلسطينيين من منازلهم ودمرتها على رؤوسهم وطاردتهم ونفذت فيهم عمليات القتل والاغتيال داخل وخارج وطنهم، وصادرت الأراضي وسممت المياه ومارست قواتها كل أعمال القمع والعنف ضد المواطنين العزل، من تكسير للأذرع، وتهشيم للأضلع على مرأى ومسمع من عيون وآذان العالم، ولم يتوقف الإرهاب الإسرائيلي عند هذا الحد، بل تعداه إلى الأضرار بالمقدسات والشروع في حرقها وتدميرها وطمس معالمها، كما حصل للأقصى الشريف أكثر من مرة، ناهيك عن أعمال القتل والتدمير التي طالت أراضي عربية أخرى في لبنان والجولان السورية المحتلة، تلك الأعمال الإرهابية مورست بأمر وتوجيه من أعلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحجة الأمن الإسرائيلي، لكن مع ذلك فإن الولايات المتحدة أدارت ظهرها للقرارات الدولية الداعمة للحق العربي الفلسطيني، وصمّت آذانها عن سماع ومشاهدة الإرهاب الصهيوني اليومي، بل ودافعت عن عنصريته الصارخة، إلى جانب الدعم غير المحدود عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، وهذا للأسف أوجد مبررات ومسوغات الإرهاب عند أطراف كثيرة ومنها الطرف الإسرائيلي، وزاد من مسألة الاحتقان السياسي والتطرف الديني وغير الديني، الذي هو محصلة نهائية للإرهاب والإرهابيين في العالم، وكل طرف يتهم الآخر بالإرهاب والتطرف والعنف غير المبرر، في غياب التعريف القاطع الجازم في هذا المضمار.
وليس هناك داعم أقوى للإرهاب من تجاهل أسبابه الكامنة والموضوعية لقيامه وانتشاره في المجتمعات الحديثة، وخاصة في عصر الثورة المعلوماتية والعولمة، ونتيجة للفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وسبق أن تطرقت إلى أن التطرف والإرهاب، سوف يعشش ويقتات على هذه السلبيات، التي تزداد بازدياد أنظمته العالمية الجائرة والمجحفة في تعاملها الاقتصادي وفق النظرية الدارونية البقاء للأقوى «بدل البقاء للأصلح!»، وقد أشارت إلى هذا المنحى الخطير الأديبة الفرنسية فيفيان فورستر في كتابها [الإرهاب الاقتصادي] الذي أثار ضجة في أوروبا والغرب وترجم إلى عشر لغات عالمية. وقد عبرت في هذا الكتاب من أن الهدف من: «إصداره هو رفع الاحتجاج ضد نظام يمتص الناس حتى النخاع، وأن هناك مؤامرة دولية عالمية يحاول من خلالها رجال السياسة والاقتصاد والمال والمنظمات الدولية إخفاء الحقائق عن الناس، وأن الإرهاب الاقتصادي هو نتيجة للمجتمع المادي الذي يهدف إلى الربح فقط، كما أنه نتيجة لتقنية الأوتوماتيكية والعولمة الاقتصادية، التي تقوم على فكرة إنتاج المزيد من السلع والمنتجات بأقل عدد ممكن من اليد العاملة البشرية.
صحيح أن الإرهاب لم ولن ينحصر في الجانب الاقتصادي البحت في المستقبل، وأسباب الفقر والبطالة، بل إن الإرهاب تتعدد أسبابه ومناحيه، لكن الجانب الاقتصادي في المرحلة المقبلة سيجلب الكثير من المشكلات في المجتمعات المعاصرة، ومنها الإرهاب الأيديولوجي الذي سيضرب- كما قلنا- على وتر الفقر والبطالة في ظل هذه التراكمات السلبية والمستعصية في ظل العولمة وأنظمتها التي لا تكترث كثيرا للعواطف والفوارق الاجتماعية».
أيضا من السلبيات التي تسهم في انتعاش الإرهاب قضية الازدواجية والمعايير في السياسة الدولية، والكيل بمكيالين عند التعاطي معها، والتي أصبحت ظاهرة تؤرق العالم، والشعور بالظلم إزاء بعض القضايا التي باتت تستعصى على الهضم والتقبل، مثل معاناة الشعب الفلسطيني والقتل العشوائي، والكوارث الإنسانية التي يلاقيها هذا الشعب من هذا الحصار الظالم والحصار إلخ، وما حصل مؤخرا أيضا في غزة من دعم من قبل الولايات المتحدة ضد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني واعتبار المقاومة إرهابًا! فالتعاطي بالازدواجية في الكثير من القضايا، أثمر الكثير من الكراهية غير المبررة في بعض الأحيان، ومنها الإرهاب المرفوض الذي تعاني منه الإنسانية، لذلك فإن أفضل الخطوات لوقف هذا الإرهاب واستئصاله، هو البحث الجاد عن أسبابه وإيجاد المخارج المنطقية والعقلانية لتجفيف منابعه بالحكمة أولا، ثم بالتعاطي العادل مع مسببات هذا الإرهاب، والذي يدعو إلى الأسف أن مصطلح الإرهاب لا يزال ورقة يتلاعب بها الكثيرون ويتقاذفون بها كالكرة فيما بينهم، وكل يوصم الآخر بالإرهاب وكل مشكلة داخلية يعانيها بلد ما، ترفع التهمة الجاهزة على البعض الآخر بالإرهاب، وبدلا من اتخاذ الوسائل السلمية والقوانين المرعية، وحقوق الإنسان لحل هذه المشكلات- التي تختلف من بلد إلى الآخر- فإن شعار الإرهاب بات الآن سيفا مسلطا بلا معايير دقيقة لتقييده، وهذه إشكالية ربما تساعد في ازدهار الإرهاب لا في استئصاله، ورغم إن الإرهاب قضية عالمية إلا أنه بقي خارج دائرة الاتفاق لجهة تعريفه، رغم ما تضمنته قواميس اللغة وكتابات الفقهاء من اجتهادات للتعبير عن الظاهرة، لكنها لم تفلح جميعها في وضع ضوابط ومعايير محددة للفصل بين الفعل الإرهابي وما سواه، الأمر الذي أدى حتى بأولئك المهتمين بدراسة هذه الظاهرة، إلى مواصلة بحوثهم ودراساتهم دون الاكتراث بتعريفها.
وعدم الاتفاق على تعريف محدد للإرهاب نابع بالدرجة الأولى من تسييسه، ووضع الاعتبارات القانونية خارج الحسبان، رغم هويته القانونية في الأساس، وقد أدى ذلك بدوره إلى اختلاط الأوراق وتباعد المواقف، فلم يعد مستغربا أن نشاهد حكومات، أو جماعات ترتكب حماقات وتقوم بأعمال الإبادة البشعة بحق الإنسان، باسم مكافحة الإرهاب، ولم يعد خافيا أن يستخدم الإرهاب- جسرا لتحقيق أهداف ومكاسب شخصية أو حزبية أو قومية أو غيرها من المصطلحات. فالقضاء على أسباب الإرهاب خطوة إيجابية لا شك لدحره وتقزيمه، ولو بصورة متدرجة، وهو في اعتقادنا أفضل الأساليب لاستئصاله من جذوره، وهذا الإرهاب لا نختلف جميعا على رفضه ونبذه، بكل أنواعه وصنوفه ومبرراته، لكن الأسباب الكامنة لعلاجه مسألة مهمة للقضاء على الإرهاب.
من هذه الأسباب أن الكثير من المجتمعات في العالم تفتقر إلى الديمقراطية والتعددية السياسية وآلياتها، في الاختيار الحر النزيه من خلال الانتخابات التشريعية، إلى جانب أن أحزمة الفقر وظروف الهجرة الكثيفة إلى المدن، وانتشار الأحياء العشوائية من أسباب انتشار التطرف الذي هو بلا شك محصلة أخيرة للإرهاب والتوترات ويتم استغلالها، كما أن عجز بعض السكان عن التكيف مع قيم المدينة الحديثة، وطريقة حياتها القائمة على المنفعة المادية البحتة، وافتقارها إلى الكثير من قيم المدن الصغيرة أسهم في الكثير من أسباب الاحتجاج والتطرف، فهذه الأسباب اجتمعت مع أسباب أخرى، وهي غياب العدالة، وازدواجية المعايير في القضايا السياسية، وغيرها من الأسباب المساهمة في بروز ظاهرة العنف والإرهاب، كظاهرة عالمية والتي تحتاج إلى التقييم والفهم والتعامل العادل، فالمشكلة التي يجب طرحها أن الولايات المتحدة واجهت إرهابا فظيعا لم تكن تتوقعه بالصورة التي حدثت، وبدلا من التروي والدراسة المتأنية لاتخاذ الرد على هذا الإرهاب المفاجئ، قامت بشن حرب على أفغانستان، لاحتضانها أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة المتهم بهذه التفجيرات في سبتمبر 2001م، ثم أكملت ذلك باحتلال العراق، بعد تبريرات أصبحت في ذمة التاريخ، ومنها امتلاك النظام السابق للسلاح النووي! والغريب أن الولايات المتحدة، لم تناقش بجدية قضية الكراهية التي تواجهها من غير الكثير من دول العالم في هذا العصر، فالكثير من أسباب الكراهية المرفوضة، ربما تزيد في معدلات الإرهاب وتناميه بصورة مضطرة، وهذا السلوك غير المنطقي عبر عنه «بروستر.ك. ديني» في كتابه: (نظرة على السياسة الخارجية الأمريكية). أن «من الأهمية بمكان أن يتوصل شعبنا إلى نوع من الفهم العام بدلا من الاستجابة للعواطف والانحيازيات.
نحن نبعد كثيرا عن كل هذه الدول حتى نفهم المدلول الحقيقي. ولكن مستقبل العالم كله يعتمد على الحكم الصحيح، يعتمد على إدراك الشعب الأمريكي لأفضل ما يمكن القيام به، وما يجب القيام به».
والسؤال الذي يحتاج إلى أجوبة صريحة من العالم كله: لماذا لا يتساوى إرهاب الاحتلال مع إرهاب أسامة بن لادن المشتبه به في تفجيرات نيويورك وواشنطن بالوقفة والحدة والصرامة نفسها؟ فمنهجية التعاطي المزدوج في مسألة الإرهاب، تمثّل سابقة خطيرة على السلام والعدل والاستقرار، وإذا سكت العالم على الإرهاب بمعاييره ومقاييسه القائمة، فإن القضاء على الإرهاب سيكون كمن يحارب طواحين الهواء ـ كما فعلها «دون كيشوت».
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الولایات المتحدة هذا الإرهاب الکثیر من إرهاب ا فی هذا
إقرأ أيضاً:
«إنهاء المقاومة.. شطب حق العودة.. وتوسيع المستوطنات».. خطة إسرائيل لتفكيك المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية
واقعة «الحافلات» تكشف التنسيق التآمري المسبق بين مؤسسات الاحتلال
تفجيرات تل أبيب المفبركة.. ذريعة لتوسيع عملية «السور الحديدي» العسكرية
استهداف الدعم الدولي للاجئين الفلسطينيين بتجفيف منابع دعم «الأونروا»
مركز بديل يحذّر من مشروع «الحسم»: ضد حل الدولتين وأهالي الضفة
تتعمد إسرائيل، حاليًا، تنفيذ مخطط تفكيك المخيمات الفلسطينية بالضفة الغربية، عبر تسويق روايتها المفككة حول مشاركة عناصر فلسطينية في تفجير حافلات بـ«تل أبيب»، وترويج مزاعم أمنية منسقة بين الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية لتوسيع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية، لاسيما في طولكرم وجنين، بهدف تفريغهما من الفلسطينيين.
وانفجرت ثلاث حافلات فارغة في توقيت واحد داخل ثلاثة مواقف للسيارات بمدينة «بات يام» جنوب تل أبيب، دون الإعلان عن وقوع ضحايا، أو إصابات، وكان التحريض الإسرائيلي مفضوحًا عبر ترويج وسائل إعلام مقربة من الحكومة اليمينية المتطرفة عبارة «الانتقام من مخيم طولكرم للاجئين» كانت مكتوبة على عبوتين!
لم يفسر الإعلام الإسرائيلي كيف كانت الأجهزة الأمنية ستتعرف على العبارة المكتوبة لو أن العبوتين انفجرتا بالفعل؟! وفي المقابل، سارع رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو إلى إصدار توجيهات لقوات الجيش والشرطة والأمن الداخلي (الشاباك) بـ«تنفيذ عملية عسكرية مكثفة ضد مراكز الإرهاب في الضفة»، وتوسيع عملية «السور الحديدي» العسكرية، بعد واقعة الحافلات.
قضية معقدة
يشكل ملف تفكيك مخيمات الضفة قضية معقدة تتداخل فيها أبعاد: تاريخية، سياسية، اجتماعية، وأخرى: اقتصادية، قانونية، وأمنية، فيما تواصل إسرائيل مؤامراتها ومبرراتها الزائفة للخلاص من المخيمات، قال مدير مركز «بديل» الفلسطيني، نضال العزة، لـ«الأسبوع»: «مشروع استهداف المخيمات الحالي جزء من خطة الحسم الإسرائيلية التي طرحها وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش».
وفيما يعمل مركز «بديل» منذ تأسيسه عام 1998 بموافقة السلطة الفلسطينية، ويتصدى للدفاع عن حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين، مع التركيز على حقهم في العودة، فقد أشار «العزة» إلى أن «خطة الحسم الإسرائيلية تستهدف فرض السيادة الإسرائيلية على كامل الضفة الغربية، وإنهاء كل ما له علاقة بحل الدولتين، وبالتالي، إجهاض قيام الدولة الفلسطينية».
ونبّه «العزة» إلى أن «إسرائيل تعمل على تنفيذ مخططها عبر تصفية مظاهر الحماية الدولية للفلسطينيين، كما هو واضح من تعقبها لوكالة الأونروا ومحاولات تصفية أنشطتها، خاصة في المخيمات، ومن جهة أخرى، تصفية المقاومة في المخيمات، التي تعد البيئة الحاضنة للمقاومة تاريخيًا، حيث تمثل المخيمات حضورًا سياسيًا قويًّا يشير إلى النكبة واستمرار القضية الفلسطينية وعجز المجتمع الدولي عن إيجاد حلول واقعية للأزمة».
وعن الإستراتيجية الإسرائيلية لتصفية المخيمات، يقول «العزة» إن «الاستراتيجية القديمة، منذ حقبة رئيس حكومتها ليفي أشكول، وجولدا مائير، والرئيس الأسبق لما يسمى بالإدارة المدنية، مناحم ملسون، كانت تعتمد على تقديم إغراءات بتحسين البنى التحتية، وتحويلها إلى أحياء نموذجية، لكن الاستراتيجيات الحالية تعتمد على الإفقار والتهميش ونشر الأمراض الاجتماعية داخل المخيمات».
خريطة المؤامرة
نشأت المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية بعد نكبة عام 1948، حيث نزح ما بين 615 إلى 635 ألف لاجئ فلسطيني إلى الضفة الغربية، مما أدى إلى إنشاء 21 مخيمًا لاستيعاب نحو 40% من إجمالي اللاجئين. وتتنوع مخيمات الضفة الغربية في مساحاتها وأعداد سكانها، لكنها جميعًا تشترك في المعاناة اليومية تحت الاحتلال الإسرائيلي.
تضم الضفة 19 مخيمًا رسميًا إلى جانب 5 مخيمات غير معترف بها، يعيش فيها حوالي 25% من إجمالي اللاجئين في الضفة، فيما تتوزع بقية الأعداد بين القرى والمدن، حاملين معهم إرث اللجوء والأمل المستمر بالعودة، وفي عام 1949، شهدت شمال شرق نابلس إنشاء مخيم الفارعة، الذي جمع المهجّرين من نحو 30 قرية محيطة بيافا.
لم يكن المخيم سوى امتداد لمعاناة بدأت منذ النكبة، ليصبح مأوى لأكثر من 8 آلاف لاجئ فلسطيني، يعيشون أوضاعًا مأساوية في ظل السياسات الإسرائيلية التي تفرض حصارًا خانقًا على المخيمات. وفي عام 1950، أُقيم مخيم بلاطة شرق نابلس، ليصبح الأكبر في الضفة الغربية، إذ يضم نحو 23 ألف لاجئ، معظمهم من قرى يافا، واللد، والرملة.
مع مرور الوقت، تحول المخيم إلى ساحة مواجهة مستمرة مع قوات الاحتلال، التي لا تتوقف عن تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف سكانه. وفي الشمال الغربي من الضفة، تأسس مخيم نور شمس عام 1950، ليأوي نحو 8 آلاف لاجئ فلسطيني، إلا أن المخيم لم يكن بمنأى عن المخططات الإسرائيلية، التي تسعى إلى تفريغه عبر ذرائع ومزاعم أمنية، مما يجعله مهددًا بموجات تهجير جديدة.
ومنذ تأسيسه عام 1953، كان مخيم جنين واحدًا من أكثر المخيمات تعرضًا للهجمات العسكرية الإسرائيلية. يقع المخيم ضمن حدود بلدية جنين، ويقطنه أكثر من 12 ألف لاجئ فلسطيني، يعانون من الاقتحامات المستمرة والتضييق الأمني، في محاولة لفرض واقع جديد يهدد استقراره. وفي وسط الضفة، يقع مخيم بيرزيت على مساحة 0.16 كيلومتر مربع، ويقطنه عدد ضخم يصل إلى 132 ألف لاجئ.
أما مخيم دير عمار، الذي تأسس عام 1949 شمال غرب رام الله، فيمتد على المساحة نفسها، لكنه يضم 2400 لاجئ فقط. وفي شمال رام الله، يوجد مخيم الجلزون، الذي تبلغ مساحته 0.337 كيلومتر مربع، ويعيش فيه 9 آلاف لاجئ. وعلى بعد مسافة ليست بعيدة، يقع مخيم عين عريك غرب رام الله، على مساحة 0.025 كيلومتر مربع، ولا يزيد عدد سكانه على 500 لاجئ.
أما مخيم طولكرم، الذي أُنشئ عام 1950 غرب الضفة، فيمتد على مساحة 0.18 كيلومتر مربع، ويؤوي نحو 20 ألف لاجئ. ويضم مخيم بيت جبرين، المُنشأ عام 1950 وسط بيت لحم، حوالي 2000 لاجئ فقط، فيما يحتضن مخيم عايدة، الذي أُنشئ في العام ذاته جنوبي الضفة، نحو 4700 لاجئ. ويضم مخيم عسكر شمال الضفة حوالي 16 ألف لاجئ، رغم صغر مساحته التي لا تتجاوز 0.1 كيلومتر مربع.
في الشمال، لا يزال مخيم عين بيت الماء، الذي أُنشئ عام 1948، موطنًا لحوالي 6700 لاجئ. وعلى مساحة 0.374 كيلومتر مربع، يضم مخيم العروب، الذي أُنشئ عام 1949، نحو 10، 400 لاجئ. ويعيش في مخيم الفوار، الذي يعود تأسيسه إلى العام نفسه، حوالي 8 آلاف لاجئ جنوبي الخليل. وفي جنوب غربي أريحا، تأسس مخيم عقبة جبر عام 1956، ليصبح منزلاً لنحو 6400 لاجئ.
أما مخيم جنين، المُنشأ عام 1953، فيضم حوالي 16 ألف لاجئ، ويمتد على مساحة 0.42 كيلومتر مربع شمالي الضفة. أما مخيم الدهيشة، الذي يعود إلى عام 1949، فيقع جنوب شرقي بيت لحم على مساحة 0.34 كيلومتر مربع، ويعيش فيه نحو 9 آلاف لاجئ.
عدوان عسكري
قبل عملية الحافلات، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية برًّا وجوًّا، بمشاركة آلاف من العناصر العسكرية والأمنية، مدعومين بطائرات مقاتلة، ومروحيات، ومسيرات، وجرافات، بهدف تفريغ مخيمات جنين، طولكرم، ونور شمس من اللاجئين الفلسطينيين. فيما أدّت العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة منذ منتصف 2023 إلى جعل مخيمات اللاجئين شمالي الضفة غير صالحة للسكن.
يواجه اللاجئون تحديات قانونية تتعلق بحقوق الملكية والإقامة، خاصة في ظل القيود الإسرائيلية على البناء والتوسع داخل المخيمات. اجتماعيًا واقتصاديًا، تُعاني المخيمات من معدلات بطالة مرتفعة، إذ بلغت نسبتها بين حملة الشهادات الجامعية 54%. ويُعتبر الفقر المدقع أكثر انتشارًا في المخيمات مقارنة بالمدن والقرى، مما يزيد من التحديات المعيشية للسكان، فيما تضغط إسرائيل من خلال سياساتها الكارثية لدفع سكان المخيمات إلى الهجرة.
تغذي الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الشعور بالاغتراب الاجتماعي والسياسي، وانعدام الثقة في صفوف قاطني المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية. وفي المقابل، تُطرح مبررات لتفكيك المخيمات، وأمنيًا، تُعتبر المخيمات نقاط توتر دائمة، حيث تتعرض لاقتحامات متكررة من قبل القوات الإسرائيلية، مما يؤدي إلى اشتباكات وسقوط ضحايا. وتزيد هذه التوترات من تعقيد الأوضاع الأمنية، وتؤثر سلبًا على الاستقرار في المنطقة.
ورغم أن أي فصيل فلسطيني لم يتبنَّ المسئولية عن تفجيرات الحافلات في تل أبيب، فإن البيانات الصادرة عن كل المستويات السياسية والعسكرية والأمنية في إسرائيل، توضح تماهي مؤسسات الاحتلال في استغلال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة لتنفيذ مخطط تهجير واسع النطاق في الضفة الغربية، يركز بالأساس على مخيمات اللاجئين، التي تنشط فيها عناصر المقاومة.
وبحسب مركز «لاجئ» الفلسطيني، «تواصل قوات الاحتلال حصار الفلسطينيين في مدينة طولكرم، وتعرّض أكثر من 75% من سكانها للتهجير القسري خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية، مع تحويل منازل الفلسطينيين إلى مواقع عسكرية، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية، بينما تواصل الجرافات تدمير الشوارع، وتحاصر قوات الاحتلال مستشفى ثابت ثابت».
أوضاع مأساوية
أُنشئت المخيمات كحلٍّ مؤقت، لكنها استمرت لعقود وأصبحت جزءًا من النسيج الاجتماعي الفلسطيني. ووفقًا لمصادر «الأسبوع»، يواجه سكان المخيمات في الضفة الغربية تحديات كبيرة تتعلق بالاكتظاظ السكاني، ونقص البنية التحتية، والخدمات الأساسية، نتيجة القيود المفروضة على توسع المخيمات ومحدودية الموارد المتاحة.
يُعتبر اللاجئون في الضفة مسجلين لدى وكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة، التي كانت تتولى إدارة، وتقديم الخدمات الأساسية في هذه المخيمات، بما في ذلك التعليم، والصحة، والإغاثة الاجتماعية، قبل أن تبادر إسرائيل إلى تعقب أنشطة الوكالة التي تأسست في يونيو 1949. وقد باتت الوكالة تواجه ضغوطًا كبيرة بعد اتهام إسرائيل بعض موظفيها بالمشاركة في «أعمال إرهابية»، لكن تحقيقًا دوليًا مستقلاً كذّب هذه الاتهامات.
تُواجه وكالة الأونروا تحديات مالية وسياسية تؤثر على قدرتها في تقديم الخدمات، مما يزيد من معاناة اللاجئين، ويضعف قدرتها على حماية حقوقهم. وقال المتحدث باسم وكالة الأونروا، عدنان أبو حسنة، لـ«الأسبوع» في حديث سابق: «لا جهة أخرى قادرة على أن تحل محل الوكالة، في ضوء قدراتها اللوجستية ومواردها البشرية وتاريخها وخبراتها».
وتعمل الوكالة في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة بناءً على التفويض الممنوح لها من الجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتبارها صاحبة الحق الأصيل في هذا التفويض. لكن الكنيست الإسرائيلي قرر حظر أنشطة الأونروا في 29 أكتوبر 2024، ويشمل القرار «الداخل الإسرائيلي»، ما يُعدّ إلغاءً لاتفاقية معمول بها منذ عام 1967، ويستهدف الحظر إنهاء قضية اللاجئين.
القرار الإسرائيلي بحظر الأونروا يهدد عملياتها وخدماتها الأساسية لحوالي 5.9 مليون لاجئ في 58 مخيمًا داخل فلسطين والجوار. ونتيجة لأزمة الوكالة، كلّفت الحكومة الفلسطينية دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية بإدارة ملف الإيواء المؤقت للعائلات النازحة. وتشير تقديرات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة إلى أن 82% من الأسر المهجَّرة شمال الضفة تعيش حاليًا في مساكن مستأجرة.
شعارات خبيثة
قانونيًا وإنسانيًا، يُعتبر تفكيك المخيمات الفلسطينية في الضفة انتهاكًا لحقوق اللاجئين المكفولة دوليًا، ويُثير المخطط الإسرائيلي تساؤلات حول مستقبل قاطنيها، خاصة أن التجارب السابقة المتعلقة بتفكيك المخيمات أثبتت فشلها. فقد باءت محاولة تفكيك مخيم «نهر البارد» بالفشل بعد تدميره عام 2007، إذ واجهت عملية إعادة التوطين تحديات كبيرة وما زالت مستمرة حتى الآن.
تشمل هذه الخطط محاولات تعزيز السيادة الإسرائيلية عبر تشريعات جديدة تستهدف إضفاء الطابع القانوني على المستوطنات، مدعومة بسطوة التيارات اليمينية المتطرفة داخل الحكومة، التي تواصل تخصيص ميزانيات مالية ضخمة لدعم التوسع الاستيطاني. وتروج الحكومة الإسرائيلية لمخططها بشعارات إنسانية مثل «تحسين الظروف المعيشية، تطوير البنية التحتية، وتقليل الكثافة السكانية».
لكن حكومة نتنياهو تسعى إلى تهجير قاطني المخيمات الفلسطينية بالضفة الغربية، وإعادة توزيعهم وتفريغ بعض المناطق منهم. فمنذ عام 1967، قامت إسرائيل ببناء أكثر من 230 مستوطنة في الضفة الغربية، وواصلت توسيع المستوطنات الحالية تحت حكومة بنيامين نتنياهو منذ عام 2022، حيث أُطلقت خطط لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية.
وتتحكم التوجهات اليمينية في قرارات الحكومة الإسرائيلية، ومع وجود وزراء متطرفين مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، تسعى إسرائيل إلى ضم الضفة الغربية بالكامل على حساب المخيمات وسكانها. كما تخصص الأحزاب اليمينية الإسرائيلية ميزانيات ضخمة لتوسيع نطاق الاستيطان، وشرعنة البؤر الاستيطانية العشوائية، بما في ذلك تخصيص ملايين الدولارات لدعم المستوطنين، وتمكينهم من التوسع الديموغرافي.
سيناريوهات ومواقف
تتعدد السيناريوهات المتعلقة بمستقبل ملف المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية، إذ إن إسرائيل لن تطبق السيناريو الأكثر عدالة، المتمثل في تحسين ظروف المخيمات خدمياً ومعيشياً، مع الحفاظ على حق العودة، بدلاً من تفكيكها. وفي المقابل، لن يلقى السيناريو المتعلق بإعادة توطين اللاجئين في مناطق أخرى داخل الضفة الغربية قبولاً شعبياً أو سياسياً، نظراً لما يحمله هذا الخيار من مخاوف تتعلق بطمس الهوية الوطنية، وتبديد الحقوق التاريخية.
أما السيناريو الثالث، الذي يقوم على الإبقاء على الوضع القائم، فيواجه تعقيدات سياسية، اقتصادية، وأمنية، نتيجة استمرار المعاناة والتحديات التي يواجهها قاطنو هذه المخيمات، مما انعكس على تفاعلاتهم اليومية. بينما تدفع السياسات الإسرائيلية باتجاه السيناريو الرابع والأكثر كارثية، والمتمثل في تفريغ المخيمات من سكانها الفلسطينيين بالكامل.
وتظل مخيمات الضفة تذكيراً دائماً للعالم بالنكبة الفلسطينية عام 1948، وحق العودة، وعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي، لذا يشكل تدميرها هدفاً استراتيجياً لإسرائيل، التي تنتهج سياسات التطهير العرقي والتهجير القسري، لتمهيد الطريق أمام التوسع الاستيطاني ومحاولة محو أي أثر لفلسطين على الخريطة. ومع ذلك، ورغم سياسات القمع الإسرائيلية، لا يزال الفلسطينيون يتوارثون حكايات النكبة، موقنين أن هذه المخيمات ليست سوى محطات انتظار، حتى تحين لحظة التحرر والعودة.