إحياء فن الخط العربي في سريلانكا.. مبادرة لتعزيز الهوية الثقافية للمسلمين
تاريخ النشر: 26th, February 2025 GMT
كولومبو- يتمتع المسلمون السريلانكيون بتقاليد ثقافية وفنية فريدة، تشمل أنماطا مميزة من الغناء والرقص والتصميمات المعمارية، تشكلت عبر التأثيرات والتقاليد الإسلامية، غير أن هذه الفنون شهدت تراجعا في العصر الحديث، مع تزايد انشغال الناس بمتطلبات الحياة اليومية والتعليم والوظائف.
وفي مواجهة هذا التراجع، بادر الأستاذ محمد أشرف بن آدم باوا، خريج كلية أصول الدين في الجامعة النظيمية الإسلامية بسريلانكا، إلى جهود تهدف إلى إحياء هذه التقاليد الفنية، مستفيدا من دوره السابق كمدير إدارة الشؤون الدينية والثقافية للمسلمين في سريلانكا، وهي الهيئة الحكومية المسؤولة عن الإشراف على الشؤون الثقافية للمجتمع المسلم في البلاد.
ويواصل الأستاذ أشرف حاليا هذه الجهود من خلال قيادته جمعية الخط العربي في سريلانكا، التي تأسست في ديسمبر/كانون الأول 2018، وتسعى إلى تعزيز فن الخط العربي ضمن مشروع أوسع للحفاظ على التراث الثقافي والفني للمسلمين السريلانكيين.
وفي هذا السياق، التقت الجزيرة نت كلا من الأستاذ أشرف والأستاذ محمد عويس، وهو خريج كلية أصول الدين بالجامعة النظيمية الإسلامية في سريلانكا وجامعة الأزهر بالقاهرة، ويعمل خطاطا عربيا معتمدا. ويُعد عويس حاليا المدرب الوحيد المعتمد للخط العربي الذي يتعاون مع الجمعية.
ومن الجدير بالذكر أن المسلمين في سريلانكا يشكلون أقلية تمثل 10% من إجمالي السكان، في حين يتوزع باقي السكان بين البوذيين والهندوس والمسيحيين، وفي هذا السياق، يؤكد أشرف أهمية تعزيز مختلف أشكال الثقافة والفنون بين المسلمين، مشيرا إلى ضرورة الحفاظ على التراث الثقافي في ظل التحديات المعاصرة.
إعلانانطلاقا من هذه الرؤية، بادر أشرف -إلى جانب عدد من أصدقائه- بتأسيس جمعية الخط العربي في سريلانكا عام 2018، ويذكر أن الفكرة بدأت في مناقشة بسيطة، لكنها سرعان ما تطورت إلى منظمة تعمل على استقدام خبراء دوليين لتدريب الطلاب السريلانكيين على فن الخط العربي.
ويشدد أشرف على الأهمية الخاصة لهذا الفن، موضحا أن هناك سببين رئيسيين وراء اهتمامه العميق به.
أولا، بخلاف الفنون الأخرى، يُنظر إلى الخط العربي باعتباره شكلا من أشكال العبادة، إذ يتضمن كتابة آيات قرآنية وأحاديث نبوية، مما يمنحه بعدا روحانيا فريدا.
ثانيا، يصف أشرف الخط العربي بأنه وسيلة فعالة للدعوة في البلاد، لافتا إلى أن كتابة آيات مثل "والأرض بعد ذلك دحاها" و"خلق الإنسان من علق" تتيح للجمهور التعرف على وجهة نظر القرآن في القضايا العلمية، مما يسهم في نشر المعرفة بين المسلمين وغير المسلمين على حد سواء.
بعد تأسيس المنظمة، أوضح أشرف أنها تواصلت مع المدارس الإسلامية العربية في سريلانكا لتدريب الطلاب، والمفاجأة كانت في عدد الطلبات التي تلقتها المنظمة، إذ تقدّم عدة مئات من الطلاب الراغبين في الانضمام إلى برامج تدريب الخط العربي.
وفي هذا السياق، كانت المنظمة محظوظة بما يكفي لاستقدام الحاج نور الدين وزوجته فاطمة نور الدين، وهما من الخبراء المرموقين في فن الخط العربي من الصين، ودربا الطلاب السريلانكيين على هذا الفن، كما قدمت الحكومة السريلانكية دعما للمنظمة في استقدام هؤلاء الخبراء، وهو ما عبّر أشرف عن امتنانه تجاهه.
سعيا للحصول على دعم فني لتدريب الطلاب على الخط العربي، تواصلت المنظمة مع سفارات عربية في كولومبو، ومن خلال هذه الجهود، قدمت السفارة السعودية دعمها للمنظمة عبر رعاية استقدام خبراء في الخط العربي بقيادة الخطاط السعودي بندر العمري من المملكة العربية السعودية.
إعلانحسب ما قال أشرف، في عام 2019، وافق مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في تركيا على تدريب 3 مدرسين سريلانكيين في الخط العربي لمدة 6 أشهر، مع إمكانية تدريب 3 آخرين لمدة 6 أشهر إضافية، ومع ذلك، أشار أشرف إلى أن هذا البرنامج لم يُنفذ بسبب الوضع الأمني غير المستقر في سريلانكا عقب الهجمات الإرهابية على الكنائس والفنادق في عيد الفصح في أبريل/نيسان 2019.
وفي حديثه للجزيرة نت، قال أشرف: "لقد تحدثنا مع السفير التركي هنا، ونحن على تواصل مع المنظمة التركية لإعادة تقديم نفس العرض مرة أخرى".
أوضح عويس أن سريلانكا تعاني من نقص في عدد الخطاطين المدربين، مشيرا إلى أن عدد الذين يدرّسون الخط العربي لا يزال محدودا.
وفي حديثه للجزيرة نت، لفت عويس إلى الحاجة الملحّة لمزيد من الخطاطين والخبراء المؤهلين، معبرا عن اعتقاده بأن الجمعية ستتمكن من سد هذه الفجوة.
وأضاف عويس للجزيرة نت: "بدأنا بالفعل في تنظيم دورات وورش عمل مخصصة لمعلمي المدارس لتأهيلهم في مجال الخط العربي".
وعن التحديات التي تواجه هذا الجهد، تحدّث عويس عن صعوبات تتعلق بتأمين التمويل والحصول على المواد اللازمة للتدريب، معتبرا أن نشر هذا الفن في سريلانكا يتطلب دعما ماليا، وأشار إلى أن الجمعية بحاجة إلى مزيد من الموارد، خاصة الكتب المتخصصة في الخط العربي الكلاسيكي.
وفيما يخص تكامل الخط العربي مع التعليم والتعبيرات الفنية المحلية، رأى عويس أن هذا الفن لم يحقق بعد اندماجا كافيا، مشددا على أهمية تطويره، مضيفا "لا أعتقد أن الخط العربي قد أصبح جزءا متكاملا من المشهد الفني، لكننا بحاجة للعمل على تحقيق ذلك".
من جهته، أبدى أشرف استغرابه من ضعف اهتمام وسائل الإعلام بالمبادرة، مشيرا إلى أن الجمعية تنظم ورش عمل وبرامج متخصصة في الخط العربي، لكنها لم تحظَ بالتغطية الإعلامية التي كان يتوقعها.
متطرقا إلى جانب آخر في حديثه للجزيرة نت، أشار عويس إلى أن التقاليد الفنية السريلانكية غنية، لكنها تختلف عن الفن الإسلامي، وأضاف "سيكون من الرائع أن نرى إذا ما كان الخطاطون المدربون يستطيعون استخدام مهاراتهم للجمع بين هذين الشكلين الفنيين في المستقبل".
إعلانورغم هذا الطموح، شدد عويس على أهمية التركيز في الوقت الحالي على الخط العربي الكلاسيكي قبل الانطلاق في فن الدمج.
من جهة أخرى، أوضح أشرف أن الخطاطين الأكثر موهبة في فريق الجمعية، الذين أصبحوا قادرين على تدريب الآخرين، يساهمون في تقديم ورش عمل لطلاب المدارس الإسلامية العربية وطلاب الجامعات.
وأكد للجزيرة نت أن "هناك طلبا متزايدا من عديد من المدارس الإسلامية العربية لتدريب طلابها على فن الخط العربي"، مشيرا إلى أن المدربين في الجمعية يقومون بزيارة عديد من المؤسسات التعليمية، بما في ذلك جامعة جنوب شرق سريلانكا، لتقديم هذه الدورات التدريبية.
وتخطط الجمعية لتدريب ما لا يقل عن 250 طالبا في السنة النهائية من مختلف المدارس الإسلامية العربية في سريلانكا، هذا العام. وفي إطار هذا الجهد، سيزور الخطاط الكويتي فريد العلي، مدير مركز الكويت للفنون الإسلامية، سريلانكا هذا العام، حسب ما قاله أشرف.
وفي خطوة أخرى، أكدت الجمعية أنها تخطط لإقامة معرض وطني للخط العربي في ديسمبر/كانون الأول 2026، بالتزامن مع اليوم العالمي للغة العربية، وأوضح أشرف أن الجمعية تأمل في تنظيم مسابقة مسبقا لاختيار أعمال الخط العربي التي سيتم عرضها في المعرض.
علاوة على ذلك، أضاف أشرف "نأمل في إقامة معرض دولي للخط العربي في ديسمبر/كانون الأول 2027".
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات قمة الويب اجتماعي فن الخط العربی فی الخط العربی لتدریب الطلاب الأستاذ محمد فی سریلانکا أن الجمعیة للجزیرة نت العربی فی مشیرا إلى هذا الفن إلى أن
إقرأ أيضاً:
صناع الأمل.. مبادرة غرس الإيجابية وتشجيع العطاء بالوطن العربي
أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، الدورة الأولى من مبادرة صناع الأمل، عام 2017، من خلال إعلان مبتكر نشره سموه على حساباته الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي، يعرض فيه وظيفة لصانع أمل، شروطها أن يتقن المتقدم مهارات البذل وخدمة الناس، وأن يكون إيجابياً ومؤمناً بطاقات من حوله من أبناء الوطن العربي، وأن تكون لديه خبرة تتمثل في قيامه بمبادرة مجتمعية واحدة على الأقل، وذلك نظير مكافأة قيمتها مليون درهم، علماً بأن التقدم لوظيفة صانع الأمل متاح لأي شخص دون تحديد عمر معين، لتكريم الأكثر تأثيراً.
ولقي إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تفاعلاً كبيراً في الوطن العربي، حيث فاق عدد طلبات الترشيح من صناع أمل، أفراداً ومجموعات تطوعية ومؤسسات إنسانية ومجتمعية، 65 ألف طلب، من مختلف أنحاء الوطن العربي، وهو رقم فاق التوقعات، علماً بأن الرقم المستهدف للمبادرة كان 20 ألفاً.
وتسعى المبادرة للمساهمة في غرس ثقافة الأمل والإيجابية في مختلف أنحاء الوطن العربي وتشجيع العطاء أياً كانت الظروف ومهما بلغ حجم التحديات، وكذلك، المساهمة في خلق نماذج إيجابية ملهِمة من الشباب في العالم العربي يكونون أمثلة تُحتذى لغيرهم في العمل من أجل التغيير البنّاء وتطوير مجتمعاتهم، والاحتفاء بهذه النماذج بوصفهم الأبطال الجدد أو النجوم الحقيقيين الذين يستحقون الإشادة والتقدير.