سودانايل:
2025-02-26@13:56:02 GMT

التصوف في السودان: بين التاريخ والتحديات المعاصرة

تاريخ النشر: 26th, February 2025 GMT

دخل التصوف السودان مع موجات الإسلام الأولى عبر التجار والصوفية الوافدين من مصر وشمال إفريقيا في القرون الوسطى، ووجد بيئة خصبة في المجتمع السوداني المتعدد الثقافات. انتشر عبر الطرق الصوفية الكبرى مثل القادرية والشاذلية، وفي القرن الثامن عشر، ظهرت طرق محلية متأثرة بالبيئة السودانية، مثل السمانية التي أسسها محمد بن عبد الكريم السمان، والختمية التي أسسها محمد عثمان الميرغني، والتي ارتبطت لاحقًا بالسياسة عبر حزب "الاتحاد الديمقراطي".


التصوف وتشكيل الهوية السودانية
الدور التعليمي والاجتماعي
عملت الزوايا والخلاوي الصوفية كمراكز تعليمية وروحية، حيث حُفظ القرآن، ودُرِّس الفقه، وأُديرت النزاعات عبر "المحاكم الصوفية". كما قدمت دعمًا للفقراء من خلال نظام التبرعات.
المقاومة الثقافية
خلال الاستعمار التركي-المصري (1821–1885)، تحولت الطرق الصوفية إلى قوى اجتماعية فاعلة. قادت الثورة المهدية (1881–1898) بقيادة محمد أحمد المهدي، الذي استند إلى رؤى صوفية في دعوته للجهاد ضد المستعمر.
التعايش الديني
ساهم التصوف في دمج الإسلام بالثقافات المحلية، كما في جبال النوبة ودارفور، حيث تأثرت طقوس مثل "الزار" والاحتفالات المحلية ببطرق الاحتفال الاسلامي" بالعادات المحلية، ما عزز التفاعل بين المسلمين وغير المسلمين.
الرمزية والطقوس الصوفية
الحضرة
طقس جماعي يجمع الذكر بالإنشاد والحركات الدائرية، ويعكس تأثير الثقافة الإفريقية في الإيقاع والرقص.
السجادة الروحية
نظام لترسيخ الشرعية الروحية عبر سلسلة الإسناد المتصلة بالنبي محمد ﷺ.
الشعر الصوفي السوداني
تميّز بلهجة محلية، ومن أبرز رموزه البرعي، حمد النيل، الشيخ غريب، وحسب الرسول، حيث دمجوا الحكمة الشعبية بالروحانية.
التصوف والسياسة: من التحالف إلى الصراع
بعد الاستقلال (1956)، تحالف زعماء الطرق الصوفية (كالختمية مع حزب الأمة) مع النخب السياسية، لكن منذ سبعينيات القرن العشرين، واجه التصوف تحديات من التيارات السلفية التي انتقدت "البدع" مثل زيارة الأضرحة. في العصر الحديث، أصبح التصوف جزءًا من الهوية الوطنية، خاصةً بعد انفصال جنوب السودان (2011)، حيث استُخدم خطابًا للتماسك في شمال متعدد الأعراق.
التصوف اليوم بين التحديات والتكيف
تصاعد الخطاب السلفي
شهد السودان تناميًا للتيارات السلفية المدعومة خارجيًا، والتي هاجمت ممارسات صوفية كزيارة الأضرحة وطقوس "الحضرة"، مما أدى إلى تقليص دور الزوايا في الفضاء العام، خاصة بعد سقوط نظام البشير (2019).
تآكل دور الزوايا في التعليم الديني
كانت الخلاوي والزوايا حاضنات رئيسية للتعليم، لكن مع انتشار المدارس النظامية، تراجع دورها لصالح مناهج تعليمية تُفضِّل تفسيرات فقهية أكثر حرفية، مما أضعف التواصل بين الأجيال حول التراث الصوفي.
دور المرأة الصوفية
رغم أن النساء يشكّلن عمادًا في طقوس مثل "الحضرة" وزيارات الاضراحة إلا أن أدوارهن ظلت محصورة في الإطار الشعبي، دون وصولهن إلى القيادة الروحية، باستثناءات نادرة مثل الشيخة فاطمة أحمد في كردفان.
التحولات الاجتماعية السريعة
أدت العولمة والتحضر إلى تغيّر أنماط الحياة، خاصةً بين الشباب الذين أصبحوا أكثر ارتباطًا بالثقافات الرقمية، مما قلل من اهتمامهم بالطقوس الصوفية التقليدية.
التداخل مع السياسة والدولة
حاولت بعض الحكومات توظيف التصوف كأداة لاحتواء الغضب الشعبي خلال الاحتجاجات، أو نشر خطاب "السلام الاجتماعي"، مما أثار تساؤلات حول استقلاليته.
استجابة التصوف السوداني: محاولات التجديد
لم تستسلم الطرق الصوفية لهذه التحديات، بل سعت إلى التجديد عبر:
• دمج التكنولوجيا: بث طقوس "الحضرة" عبر الإنترنت، وإنشاء مجموعات تواصل للمريدين.
• إحياء الاحتفالات: تحويل موالد الأولياء إلى مهرجانات ثقافية لجذب الشباب.
• الحوار مع التيارات الأخرى: تنظيم مؤتمرات مع مثقفين وعلماء دين لإثبات أن التصوف جزء من الإسلام "المعتدل".
هل ينجح التصوف في تجديد نفسه؟
رغم الضغوط، يظل التصوف السوداني ذاكرة جمعية للشعب، ووعاءً لتاريخه وتنوعه. نجاحه في البقاء يعتمد على توظيف أدوات العصر دون التخلي عن جوهره الروحي، وانحيازه إلى هموم الناس اليومية، كفقراء يبحثون عن العدالة قبل أن يكونوا مريدين يبحثون عن النور.

zuhair.osman@aol.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الطرق الصوفیة

إقرأ أيضاً:

دور مصر المرتقب في إعادة إعمار السودان.. اجتماع مهم يناقش التفاصيل

كشف محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء، أن اجتماع رئيس الوزراء مع وزير الخارجية السوداني ناقش التعافي المبكر وإعادة الإعمار في السودان الشقيق.
 

تأهل 6 مصريات لنصف نهائي كأس العالم للخماسي الحديث100 ألف قطعة أثرية نادرة.. أحمد موسى يكشف تفاصيل افتتاح المتحف المصري الكبير

وتابع محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي أحمد موسى، مقدم برنامج على مسئوليتي، المذاع على قناة صدى البلد، أنه تمت مناقشة الدور المرتقب للشركات المصرية صاحبة الخبرة في مساعدة السودان في جهود إعادة الإعمار.
وأكد محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء، أن هذا الاجتماع الذي تم اليوم يأتي في إطار الدعم المستمر الذي تقدمه مصر للشعب السوداني.
وأشار إلى أن مصر سوف تقوم بدور من خلال شركاتها في إعادة إعمار السودان وتم تكليف شركة مصرية بتنفيذ أحد المشروعات، مضيفا أنه سيتم ادراسة احتياجات السودان في مسألة إعادة الإعمار وتكليف الشركات.
واختتم أن موقف مصر واضح من مسألة السد الإثيوبي وهو الحفاظ على الأمن الأمائي واجتماع اليوم بين مدبولي ووزير الخارجية السوداني لم يتطرق للسد ولكن هناك تنسيق دائم بين وزارتي الري في البلدين وكان هناك اجتماع في وقت سابق بين وزراء الري والخارجية في مصر والسودان.
 

مقالات مشابهة

  • تربية الإسكندرية تنظم ملتقاها الثاني تحت عنوان «التحديات المعاصرة وآفاق المستقبل»
  • وزير الأوقاف: تزكية النفس تُحقق مجتمعًا أكثر وعيًا وانضباطًا دون الحاجة إلى رادع خارجي
  • الطرق الصوفية تنظم موكب استطلاع هلال رمضان عصر الجمعة القادمة
  • وزير الأوقاف: التصوف منهج لبناء الإنسان وحماية الأوطان
  • دور مصر المرتقب في إعادة إعمار السودان.. اجتماع مهم يناقش التفاصيل
  • جامعة القاهرة تستضيف مفتى الديار المصرية بمحاضرة حول "الهوية الوطنية في مواجهة التحديات المعاصرة"
  • الأبلق: لقاء القاهرة تناول المناصب السيادية والتحديات الأمنية والاقتصادية
  • أولها الدرعية وتاليها بوصة العالم.. أكاديميون لـ”البلاد”: الدولة السعودية.. رحلة في عمق التاريخ
  • محمد صلاح يواصل كتابة التاريخ بأرقام قياسية مذهلة في أوروبا