لجريدة عمان:
2025-04-03@05:00:39 GMT

أصوات حفيف وانكسار

تاريخ النشر: 26th, February 2025 GMT

أصوات حفيف وانكسار

نظر إلى صفوف الأشجار المتهالكة في مزرعة العم صالح، والحشائش التي نمت بعشوائية في أماكن كثيرة من المزرعة، حاول تذكر موقع شجرة البيذام الكبيرة التي كانت تقبع بجوار الساقية، والتي كان يحب تسلقها والتمتع بطعم ثمارها الحمراء اللذيذة القانية، كان يرمي بعض حباتها لأصدقائه المنتظرين أسفلها، ويجمع الباقي في فانيلته، ويمسكها بإحكام قبل أن يهبط على الأرض، كانت ثمارها تخلو من الدود على عكس شجرة البيذام المستقرة في الجهة الشرقية التي يتركون حباتها حتى تجف ومن ثم يجمعونها لاستخراج اللب القابع بداخلها.

حدق في الجهة المقابلة رأى أشجار السدر قد تحولت إلى أغصان ذابلة جافة تقف مطموسة الملامح في مواجهة الشمس، بينما الريح تسرق من عمرها في كل لحظة غصنًا أو تضيف انكسارًا جديدًا في جذعها المتآكل.

شعر بغصة أكبر حين جلس على أطراف الساقية المتهالكة، وضع يده عبر فتحتها الضيقة كأنه يبحث عن الماء الذي كان يجري باردًا رقراقًا يغسل به وجهه ويديه، كما كان يترك رجليه الملطختين بالطين لدقائق في مسار الماء المتحرك دون توقف.

تذكر في لحظات أشجار الجوافة الكثيرة التي نمت في صف واحد، كانت ظلالها تمثل استراحة محارب له ولرفاقه، زاره صوت تكسر أوراقها المتناثرة تحت قدميه، وأصوات القيظ المميزة التي تصدح دون توقف من حولهم.

لم يسمع تلك الأصوات منذ فترة طويلة، اشتاق الاستلقاء تحت الظلال المحيطة به، وحن لصوت حفيف الأشجار من حوله.

استعاد صورة شجيرات الياسمين والريحان التي طالما نشرت شذاها العبق في أرجاء المزرعة، ما زال يتذكر الياسمينة الكبيرة التي تقبع بجوار الساقية مباشرة، والتي حين ينتصف الشهر ويكتمل القمر تغدق عليهم بخيرها الأبيض الذي يقطفه ويجمعه في ورقة بيذام كبيرة ويقدمه لأخته الصغيرة التي تشكل منه عقودًا وسلاسل جميلة تزين بها معصمها وعنقها.

نظر نحو مكانها لم يجدها تبدو الأرض من حولها مقفرة خالية من الحياة، والطين يرتفع مع الريح التي تهب بكل قسوة لتزيد البقعة انطماسًا.

جال بنظره نحو الجهة الشرقية نحو بقعة بعينها حيث كانت شتلات الخضار تتزاحم مع بعضها حبات الطماطم والفلفل بأنواعه والبصل والباذنجان، يتذكر رائحتها المميزة حين يقطفها مع العم صالح في أكياس كثيرة ليوزعها على بعض بيوت قريتهم.

تبدلت ملامح المزرعة من حوله كما تبدلت ملامحه وملامح رفاقه منذ فترة ليست بالقصيرة، تمنى لو يعود طفلا صغيرًا يتمرغ في التراب والطين، وتعود أصداء أصوات رفاقه لتملأ الأفق المحيط به، تفرقوا واحدًا واحدًا، والخيط الذي كان يربطهم انقطع منذ أمد وأصبحت الذكريات ملاذه حين يمر بمزرعة أو شجرة جمعتهم في زمن منصرم.

أمسك عودًا صلبًا رسم به على الأرض الطينية أشكالا متباينة، ما زال يتذكر جارهم العم صالح الشامخ رغم عصاه التي يتكئ عليها، حضن مزرعته وأشجارها ففاضت عليه بخيرها ورزقها الوفير.

لم يغضب منهم إلا مرة واحدة حين كسروا جذعًا كبيرًا من شجرة البيذام الأثيرة إلى قلبه، كان يشعر بأن تلك الأشجار تمثل أبناءه الذين حُرِم منهم، فأغدق عليها من عطفه وحنانه.

كان يقلده في سيره ويضحك في سره، حين يرى الغضب يرتسم على ملامح جارهم، غير أن تلك العلامات سرعان ما تتلاشى حين يدعوهم لتناول الزاد البسيط الذي يحمله، حينها ينتابه شعور بأن العم صالح يملك قلبًا أكبر من مزرعته، وأرق من النسيم المنبعث من بين أوراق الأشجار المحيطة بهم.

زاره طعم السمك الذي كان يُشوى في الطرف الغربي من المزرعة، كان يشعر بطيب طعمه على لسانه رغم الطين الملتصق بالكثير من أطرافه، يزيل العم صالح الجلد بخبرة واضحة، ويناولهم بابتسامة لا حد لها ولا نهاية.

ما زال يتذكر الأرز الذي طبخه العم صالح ذات يوم، أكلوا منه بكل شراهة رغم أنه نسي وضع الملح وهو يطبخه، ضحكوا كثيرًا في ذلك اليوم، ولم ينسَ العم صالح أن يضع ملحًا بشكل أكبر فوق حبات السمك التي احترقت أكثر أطرافها، تناولوها رغم الحر الشديد في ذلك اليوم والذي جعل ملابسهم تلتصق بأجسادهم النحيلة.

حين طالت قاماتهم وتغيرت أصواتهم، قصرت قامة العم صالح، وتغير صوته، لم يعد قادرًا على المشي والسير لمسافات طويلة، افتقدوا وجوده، وافتقدت الأشجار لمسة يديه وحنانه.

تفرقت شلتهم بعد أن لاحظوا غيابه، وبدأت الشجيرات الصغيرة بالذبول تدريجيًا، شجيرات الياسمين تحولت أوراقها الخضراء لأعواد جافة، والشجيرة الكبيرة لم تعد تنتظر القمر تكسرت تدريجيًا، وحرمت أخته من الحصول على حبات الياسمين البيضاء.

ورغم تأخر بعض الشجيرات في الذبول وإصرارها على مواصلة الحياة، غير أن تطاول الأيام أرغمها على الانحناء، تبقت أشجار النخيل شامخة لسنوات غير أنها فقدت ألقها وانحنت أغلبها في فترات متباينة.

ما زال يذكر اليوم الذي انقطعت فيه بقية الأرجل عن زيارة المزرعة، تباعدت قلوبهم أولا ومن ثم أحاديثهم، وأخيرًا فقدت الأماكن تجمعهم وأحلامهم المشتركة، طاروا في بقاع الأرض يبحثون عن لقمة عيشهم، لم تعد تلك المزرعة تغريهم، نسوا حتى العريشة التي كانت تجمعهم تحت ظلها في أيام القيظ الحارقة.

كان يرى أن المزرعة ستعود إذا عاد العم صالح، غير أن غيابه اتصل بغياب أبدي بعد أن أغلق عينيه، وترك ذكرى وشجرة وعصا خشبية متآكلة.

كانت الجنازة خفيفة، هكذا تحدثت كل الألسنة في القرية، عز عليه أن يحمله إلى قبره، وقف يتأمل الجموع الكثيرة التي واصلت المسير نحو المقبرة، شعر بضيق في صدره، وعجز عن البكاء، كان غير مستوعب رحيله، نهض بخطوات متعثرة وسار نحو مزرعته كان الاختناق قد منعه من الحديث ومن التنفس، وحين دلف إلى أرض المزرعة انسابت دموعه وعبراته بلا انقطاع مترافقة مع صوت مياه الساقية المنساب بقوة.

بكاه تحت شجرة البيذام الكبيرة، وذرف دموعه بين أوراق الياسمين، وأيقن حينها بأن المزرعة اليوم فقدت أبًا وأخًا وراعيًا وفيًا مخلصًا.

من بين دموعه حاول مرارًا طرد صورة العم صالح غير أن ذكراه كانت قابعة في كل غصن يتحرك أو حفيف يسمعه من حوله، تباعدت زياراته للمزرعة وتباعدت المسافة بين قلوب رفاقه، لم يمر بالمزرعة بعد وفاة العم صالح إلا مرتين مرة حين بكاه بين أشجار مزرعته واليوم حين مر من أمامها ودخلها بعد خمس سنوات.

أمل المغيزوية قاصة عمانية

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: ما زال غیر أن

إقرأ أيضاً:

واحدة منها كانت في رمضان.. 8 أمور أخفاها الله عن عباده

قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق، وعضو هيئة كبار العلماء، إن بعض الناس يعتقد أن العبادة في رمضان قاصرة على هذه الأيام رغم أن الله سبحانه وتعالى كما يقول بعض العارفين قد أخفى ثمانية في ثمانية، ومن ضمنها واحدة فقط في رمضان والسبعة في خارج رمضان.

أخفى الله ثمانية أشياء فى ثمانية

1- اخفى اسمه الأعظم فى سائر الأسماء

2- اخفى السبع المثاني فى القرآن الكريم

3-أخفى ساعة الإجابة فى يوم الجمعة

4-أخفى ساعة الإجابة فى ثلث الليل الأخير

5-أخفى الصلاة الوسطى فى سائر الصلوات

6-أخفى أولياءه فى سائر البشر

7-أخفى الكبائر فى سائر الذنوب

8- أحفى ليلة القدر فى العشر الأواخر من رمضان

أدعية للميت ثاني يوم العيد.. رددها تجعل قبره روضة من الجنةدعاء شهر أبريل.. اللهم وسع أرزاقنا وأكرمنا من حيث لا نحتسب

وتابع جمعة، في منشور على صفحته بموقع التواصل الإجتماعي فيس بوك، أن الله أخفى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان حتى يشوق الناس إلى العبادة ويدفعهم إلى أن يقوموا العشر كلها أو الوتر على الأقل إذا فاتهم شيء منها، وأخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى حتى يذكر الناس ويدعون الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء كلها، وأخفى الله سبحانه ساعة الإجابة في الثلث الأخير من الليل.

وأضاف، أن الله أخفى السبع المثاني في القرآن العظيم، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات كلها، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الكبائر في الذنوب بأسرها، وأخفى الأولياء في عوام الناس حتى لا يحتقر أحدٌ أحدًا من الناس ويكون التسامح والرحمة والود، ولا يتكبر بعبادة أو بغيرها لا بدنيا ولا بغير دنيا على خلق الله.

وتابع جمعة: الملاحظ لهذه الأشياء لا نجد إلا ليلة القدر وحدها هي التي تختص برمضان، وسائر الأشياء التي شوقنا الله سبحانه وتعالى فيها بتلاوة القرآن، أو بإقامة الصلاة أو بالذكر، أو بغير ذلك من الدعاء والالتجاء إليه سبحانه وتعالى كلها في خارج رمضان.

وأشار إلى أن هذه الحقيقة ينبغي لكل مسلم أن يعلمها ويعلم أن الله سبحانه وتعالى باقي بعد رمضان، وأنه إذا فات رمضان فإن الله لا يفوت ولا يموت؛ فالله سبحانه وتعالى باقٍ مع المسلمين وعليهم أن يلجأوا إليه ويجأروا بالدعاء ويجأروا بالالتجاء إليه لما نحن فيه الآن مما أخبر عنه سيدنا رسول الله ﷺ، هذه الفرقة التي حلت بالأمة، هذه الأمم التي تداعت عليها كما تتداعى الأكلة على قصعة الطعام، هذا الشأن من المسلمين الذي جعل الحليم حيران؛ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : " يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ عِبَادَتِي ، يَلْبَسُونَ مُسُوكَ الضَّأْنِ ، قُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ . أَبِي يَغْتَرُّونَ ؟ أَوْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ ؟ بِي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ".

وأكد أنه لابد أن نلجأ إليه سبحانه وتعالى فهو الذي يقلب القلوب ،وندعوه سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى حتى لا يكون الكلام هو مجرد دعاء بألفاظنا وألسنتنا وليس تعلق بالله بقلوبنا، نكون فيه ملتجئين إلى الله إلى أن يغيِّر حالنا إلى أحسن حال وأن يوفقنا أن نغير أنفسنا حتى يغير الله سبحانه وتعالى ما بنا.

مقالات مشابهة

  • وصية رجل الأعمال عبدالله العثيم لأولاده
  • ليست الشمالية ولا نهر النيل.. أصوات جنود الدعم السريع في مقطع فيديو عبد الرحيم دقلو تكشف الوجهة الحقيقية لقواته
  • وفيات الأربعاء .. 2 / 4 / 2025
  • واحدة منها كانت في رمضان.. 8 أمور أخفاها الله عن عباده
  • شرطة الديوانية توضح بشأن النزاع العشائري: خلاف بين أولاد العم
  • على وقع تراجع أصوات التحرير.. مفارقة قاتلة: الطبقة السياسية تستنجد بالأمريكان لا تتركونا
  • على وقع تراجع أصوات التحرير.. مفارقة قاتلة: الطبقة السياسية تستنجد بالأمريكان لا تتركونا - عاجل
  • رياح قوية وزوابع رملية على هذه الولايات
  • بن صالح: ماضون على نهج شيخنا الغرياني لبناء الوطن
  • مشاهير × المحاكم.. 400 ألف جنيه تتسب فى حبس صالح جمعة شهرا