لجريدة عمان:
2025-03-28@02:52:08 GMT

ردّ الاعتبار للمعلم العربي

تاريخ النشر: 25th, February 2025 GMT

في الفيلم المصري الشهير الناظر (إنتاج 2000)، يقول البلطجي «اللمبي» الذي أدى دوره باقتدار الممثل الكوميدي الصاعد وقتها محمد سعد، للناظر الشاب صلاح الدين عاشور (الراحل علاء ولي الدين)، بعد أن أنهى تعليمه قواعد «البلطجة» حتى يستطيع مواجهة عنف طلاب المدرسة الخاصة: «أنا كده بقى اطمنت عليك يا أبو صلاح وسلمتك العلم اللي تقدر تنتفع به في الحياة» «هذه العبارة التي أصبحت من أهم العبارات أو «الأفيهات» بلغة أهل السينما»، قلبت الآية رأسا على عقب، ونسفت تماما رسالة الفيلم التي كان محورها إمكانية إصلاح الأوضاع التعليمية المتردية في بعض المدارس، من خلال المبادرات البناءة التي يقدمها المعلمون الأمناء.

تواردت في ذهني هذه العبارة، وغيرها الكثير من العبارات التي امتلأت بها أفلام ومسرحيات ومسلسلات عربية تحط من قدر المعلم ومكانته في المجتمع، وأنا أتابع احتفالات سلطنة عُمان بيوم المعلم والتي لم تؤثر هذه الأفلام- بحمد الله- على صورة المعلم فيها، إذ ما زال المعلمون ينالون التقدير الكبير سواء من الحكومة أو من المجتمع العماني المتمسك بثقافته وتقاليده، التي دأبت على توقير المعلم ووضعه في المكانة الرفيعة المناسبة لأصحاب مهنة الأنبياء والرسل، كما قال أمير الشعراء الراحل أحمد شوقي «كاد المعلم أن يكون رسولا»، وهو تعبير مجازي، يريد الشاعر منه أن يقول: إن كل معلم هو رسول يحمل رسالة العلم، وينقلها بأمانة إلى الأجيال المتعاقبة.

واقع الحال أن السينما والمسرح والدراما التليفزيونية والإعلام بشكل عام لم ينصف المعلم إلا فيما ندر، ولا يتذكر الناس في بعض الدول العربية عندما يأتي ذكر المعلمين سوى سخرية الباشا والد ليلى من الأستاذ حمام مدرس اللغة العربية الفقير (نجيب الريحاني) الذي تم انتدابه لإعطاء دروس لابنة الباشا (ليلى مراد) في فيلم «غزل البنات (إنتاج 1949)، وسخرية ناظر المدرسة (حسن عابدين) من الأستاذ داود (فؤاد المهندس) المعلم في مدرسة خاصة، في مسلسل «الدنيا لما تلف»، وما حدث في المسرحية الأشهر «مدرسة المشاغبين» لعادل إمام وسعيد صالح وسهير البابلي التي حطت من قدر المعلم والمتعلمين، وأصبح يضرب بها المثل في قدرة الإعلام على التأثير في ثقافة المجتمع وإفساد الذوق العام. وأذكر أنه بعد أن عرضت هذه المسرحية لأول مرة على شاشة التلفزيون المصري في أكتوبر 1973 كان بعض طلبة المرحلة الثانوية تحديدا يقلدون أقوال وأفعال الممثلين داخل المدارس، كما كان بعض المعلمين الجدد يفعلون نفس الأمر داخل فصول المدارس الإعدادية.

ولا شك أن التأثير التراكمي طويل المدى للصورة الذهنية السلبية التي قدمها الإعلام للمعلم قد أثر بشكل كبير ليس فقط في نظرة المجتمع للمعلم والانتقاص من قدره، ولكن أيضا في اهتمام الدول العربية بالمعلمين، الذين لا يزالون يعانون في غالبية تلك الدول من التنمر والتهميش وضعف الرواتب والحوافز المادية والمعنوية، وهو ما دفع قطاعات منهم إما إلى هجر المهنة المقدسة، أو الانخراط في جريمة الدروس الخصوصية، وتفريغ المدارس من دورها الأساسي في التعليم، وهو ما أدى في النهاية إلى تراجع واضح في مستوى التعليم قبل الجامعي في دول عربية كبيرة كانت حتى وقت قريب رائدة في هذا المجال.

أثناء كتابة هذا المقال الذي أريد من خلاله دق ناقوس الخطر من تسرب المواد الإعلامية المسيئة للمعلمين إلى أطفالنا وأبنائنا عبر وسائل ومنصات الإعلام التقليدية والجديدة، التي تشهد معدلات استخدام مرتفعة من جانب الفئات التي لا تزال في مراحل التعليم، عثرت على مقال علمي مهم لأستاذ الإعلام السعودي الدكتور على بن شوين القرني، وتلميذه عبدالله بن صالح الحسني حول الصورة الذهنية للمعلم في الصحافة السعودية، وهي دراسة تحليلية مقارنة. استخدمت الدراسة ستة أبعاد رئيسية تشكل الصورة الذهنية للمعلم في ثلاث صحف سعودية (عكاظ، والرياض، واليوم)، شملت ثلاثة واجبات، هي: واجبات المعلم تجاه الطالب، وتجاه النظام التعليمي، وتجاه المجتمع، في مقابل ثلاثة حقوق، هي حقوق المعلم المهنية، والمادية، والمعنوية. وخلصت الدراسة إلى أن كتاب الرأي في الصحف السعودية الثلاث ركزوا بشكل أكبر على واجب المعلم تجاه الطالب، فيما ركز المعلمون والمعلمات على حقوق المعلم المادية وكان اتجاههم سلبيا بشكل عام. وانتهت الدراسة إلى تأكيد ما هو مؤكد في عالمنا العربي، وهو أنه رغم الاهتمام الواضح بالمعلم من جانب وزارة التعليم فإن صورته الذهنية في الصحافة تبدو -على حد تعبير الدراسة- سلبية في بعض الجوانب المهمة. وفي دراسة للصورة الذهنية للمعلم لدى الجمهور الأردني أشار الباحث عيسى المراعبة إلى أن صورة المعلم لدى الجمهور جيدة جدا، وتتعارض مع الصورة السلبية التي تقدمها وسائل الإعلام للمعلم بوجه عام.

ما أريد أن أقوله هنا إن الإعلام العربي كان عاملا مؤثرا مهما وفاعلا ضمن عوامل أخرى تتصل بالمجتمع العربي نفسه في تشكيل الصورة الذهنية السلبية عن المعلم. ولذلك لا يمكن لنا أن نتحدث عن تقدم ملموس في مستوى جودة التعليم دون إعادة الاعتبار للمعلم، والإعلاء من قيمة دوره في صناعة الأجيال ونقل التراث العلمي والاجتماعي بينها. يتطلب الأمر أولا أن نبدأ ببحث واقع صورة المعلم في المنصات الإعلامية العربية ولدى الجمهور وصناع القرار في المجال التربوي والتعليمي، لمعرفة موقع أقدامنا، ومن ثم التقدم على طريق تقديم صورة إيجابية للمعلم، ليس فقط في وسائل الإعلام التقليدية مثل السينما والتلفزيون والصحافة، ولكن أيضا في المنصات الإعلامية الجديدة التي تخاطب الطلبة بشكل كبير.

إن الاحتفاء بيوم المعلم لا يجب أن ينسينا أن دور المعلم لا يقل أهمية عن دور الطبيب والمهندس وضابط الشرطة والقاضي والمحامي وكل المهن الأخرى؛ لأنه ببساطة المسؤول الأول عن تعليم كل هؤلاء ووضعهم على بداية الطريق الصحيح لخدمة الأوطان، ومع ذلك ما زال المعلم في غالبية الدول العربية الأقل تقديرا ماديا ومعنويا من تلاميذه الذين عملوا في مهن أخرى غير تعليمية. علينا أن ندرك قبل فوات الأوان أن الدول التي تقود العالم حاليا هي تلك التي وضعت المعلم في مكانة تفوق مكانة نظرائه في المهن والوظائف الأخرى، وأن الإصلاح يبدأ من إصلاح أحوال التعليم والمعلمين. ولنا في العبارة الشهيرة التي قالتها المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل لمئات من الأطباء والمهندسين والقضاة عندما طالبوا بزيادة رواتبهم لتكون مماثلة لرواتب المعلمين في المدارس الحكومية «كيف أساويكم بمن علموكم؟» هذه العبارة لخصت الكثير وأصبحت مضربا للمثل في ضرورة إعادة الاعتبار للمعلم ليس في ألمانيا وحدها، ولكن في العالم كله. دول كثيرة في العالم قفزت إلى المراكز الأولى في سلم التعليم الأكثر جودة وكفاءة مثل فنلندا وسنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية بفضل اهتمامها بصناع الأجيال من المعلمين، ودول كثيرة تدهورت على جميع المستويات عندما فعلت العكس.

إن أفضل احتفال بيوم المعلم أن نجعل وقوفنا وتبجيلنا له -كما طالبنا أمير الشعراء- تبجيلا عمليا وليس كلاميا فقط، وذلك بتحسين أوضاعه المادية ومنحه التقدير المعنوي المناسب.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المعلم فی

إقرأ أيضاً:

الدكتور حسن الشافعي: الحل في التجديد الديني وإعادة الاعتبار للفكر الفلسفي الإسلامي

الدكتور حسن الشافعي عضو هيئة كبار علماء الأزهر، ورئيس المجامع العلمية اللغوية، يرى أن الفكر الإسلامي منفتح على العالم، وأن القرآن العظيم يحض على السير في الأرض ومعرفة السنن الكونية ومصائر الأمم، والفلسفة تتبع القرآن، ولهذا نراها تهتم بالنظر في كل مناحي الحياة، تهتم بالحياة اليومية للإنسان المسلم، وتهتم أيضا بتاريخ الإنسان وتراثه، بل وتراث الأمم الأخرى.

حسن الشافعي -أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم، ورئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة- ولد بمحافظة بني سويف عام 1930 في بيت علم، التحق في 1953 بكلية أصول الدين بالأزهر، وفي الوقت عينه سجل نفسه طالبا بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وحصل على الليسانس والشهادة العالية منهما بمرتبة الشرف وكان الأول في الترتيب على جامعة الأزهر، والثاني في كلية دار العلوم، واختير معيدًا بكلية دار العلوم في قسم الفلسفة الإسلامية عام 1963.

اعتُقل عدة مرات منذ 1954 وهو في الفرقة الثانية بكلية دار العلوم، وكاد أن يموت تحت آلات التعذيب في السجن الحربي بتهمة انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، وقضى في المعتقلات 12 عاما على فترات مختلفة، وأفرج عنه سنة 1970، وواصل دراسته حتى حصل على الماجستير عام 1969م عن "سيف الدين الآمدي المتكلم الأشعري المتوفى سنة 631هـ"، وأُتيحت له فرصة السفرِ إلى "كلية الدراسات الشرقية والأفريقية" بجامعة لندن عام 1973م، ونال منها درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 1977م عن "تطور علم الكلام الاثنا عشري في القرن السابع الهجري".

إعلان

أُعير في عام 1981م إلى الجامعة الإسلامية بإسلام آباد في باكستان حيث عمل في إنشائها ووضع مناهج التدريس والعمل بها، وتولى عام 1983م عمادة كلية الشريعة والقانون فيها، ثم عُيِّن نائبًا لرئيس الجامعة، ثم صدر قرار إجماعي من مجلسِ أمناء "الجامعة الإسلامية العالمية" بإسلام آباد باختياره رئيسًا لها، وأنشأ المقرَّ الجديد لها في قلب العاصمة الباكستانية، وأضاف إليه 3 كليات جديدة؛ للعلوم الإدارية، والعلوم الاجتماعية، والعلوم التطبيقية. وحين انتهت مدة رئاسته عام 2003م مُدَّتْ خدمته هناك عامين آخرين حتى عام 2004م فعاد إلى القاهرة أستاذًا غير متفرغ بكلية دار العلوم.

د حسن الشافعي في مجمع اللغة العربية بالقاهرة (الجزيرة)

د حسن الشافعي التقيناه في مجمع اللغة العربية بمنطقة الزمالك بالقاهرة، وكان هذا الحوار:

مساهماتك الفكرية يقدرها العلماء في مجال الفلسفة الإسلامية، وكان الجديد في مجال علم الكلام، أنك أنشأت منهجا أو علما جديدا باسم "علم القواعد الشرعية الاعتقادية" هل كان هذا المنهج أو ذلك العلم هو المسوغ الرئيسي لنيل جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، أم كان التقدير لمجمل أعمالك الفكرية؟

أرى أن نيل جائزة خدمة الإسلام تتطلب النظر لمجمل السيرة الفكرية والمسيرة العملية للفائز بالجائزة، فقد كانت براءة الجائزة تشير إلى مجمل أعمالي وما كتبته تحقيقا و تأليفا وترجمة، ولم يشيروا إلى مؤلف معين، ونوهوا إلى الجهد الذي قمت به في الجامعة العالمية الإسلامية في إسلام أباد، حيث أقمت هناك 15 عاما، حيث كان جهدي الأساسي في مناهجها ونظمها الإدارية وإنشاء كلياتها ومعاهدها، وأضفت لها 3 كليات جديدة، وانتقلت بها من مقر تابع لأحد المساجد، لتصبح جامعة عالمية ومكانا تعرف به الجامعة الآن، وهذا ما أعتز به حقيقة في مسيرتي الفكرية والعلمية، بالإضافة إلى دوري في هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ومجلس حكماء المسلمين، وفي النهاية أشاروا إلى دوري في خدمة اللغة العربية ورئاستي السابقة لمجمع اللغة العربية، وقيامي الآن على دوري في اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، والمشروعات العلمية التي ننهض بها، كل هذا ينظر له على أنه خدمة للإسلام والعربية.

إعلان علم جديد ما أهمية علم "القواعد الشرعية الاعتقادية" الذي استحدثته في مجال علم الكلام، وهل من الممكن أن نلقي عليه الضوء لتقريبه لأفهام الناس؟

وانا طالب أزهري درست علم الكلام، وهو علم العقيدة الإسلامية منذ عام 1950، وقرأت في هذا المجال وتخصصت فيه، حتى قدر لي الله أن أكون أحد أعضاء هيئة التدريس في قسم الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم، وكان معه اهتمامي بفرع علم الكلام، وبعد تعمق فيه أحسست بأنه يجب إنشاء فرع جديد، هناك في منظومة العلوم الفقهية علم يسمى علم القواعد الفقهية، وله نظائر في فكر القانون الغربي، ويهتم بالقواعد التي تحكم التفكير الفقهي ويلجأ إليها في الإجادة وتقديم الحلول التفصيلية المختلفة، والارتفاع إلى هذا المستوى للقواعد العامة التي تحكم الأحكام الاعتقادية، واستطاع علم الفقه أن يتفرع إلى فروع تخدم نفس النظرية العلمية، ومنها علم "القواعد الفقهية"، وفي هذا المجال مؤلفات كثيرة أشهرها كتاب "المصالح الكبرى" لعالم الفقه المصري العز بن عبدالسلام، الذي يتحدث عن مقاصد الشريعة وأهدافها، وأيضا كتاب الشاطبي المشهور "الموافقات".

إذا كان الفقهاء الكبار استطاعوا أن يخترعوا فرعا من فروع الدراسات الفقهية يخدم فرعا من منظومة التفكير الفقهي، فلماذا لا يكون له مِثْل في علم الكلام وهو المقابل لعلم الفقه، فهذا هو أصول الفقه، وهذا أصول الدين، فلماذا لا نستحدث فرعا جديدا نسميه "علم القواعد الاعتقادية الشرعية" يجمع القواعد التي تحكم التفكير الاعتقادي، والتفكير في مسائل العقيدة، وبالفعل وجدت أن هذا التفكير ليس جديدا، وأن هناك من كتاب العقائد في الفقه من ضمَّنها بعض الرؤى التي تنظر في المسائل الاعتقادية، والتفكير في مسائل العقيدة، خاصة في علم أصول الفقه.

وبعد تعمق فيه أحسست بأنه يجب إنشاء فرع جديد؛ قلت يجب أن نجمع من جديد هذه القواعد الشرعية في علم منفصل وإن كان متصلا، متخصص في جمع هذه القواعد، وقدمت نماذج منها في المجالات المختلفة في كتاب: "مقدمة أساسية لعلم القواعد الفقهية الشرعية" وفي الكتاب تأصيل للفكرة على نحو تأصيلي، لا تفصيلي، لأن التفصيل سيأتي من مصادره الأساسية في القرآن والسنة ومذاهب المتكلمين، وأيضا من علم القواعد الفقهية، وبعد أن أفرغ من مهامي التي تشغلني الآن من تحقيق كتب أبي الحسن الأشعري، ومنها كتاب "اللّمع" وهو كتاب نادر وله نسخة واحدة في العالم كله، وهو أهم كتب الشيخ الإمام الحسن الأشعري، والصادر عن مجلس حكماء المسلمين وتبرعت به لمجلس حكماء المسلمين، وأنا الآن مشغول بكتابة حاشية شارحة لهذا الكتاب حيث سيصدر كتاب يضم الأصل والحاشية قريبا إن شاء الله، وبعد ذلك سأتفرغ لعلم القواعد الاعتقادية الشرعية، وسأستخلصه من القرآن أولًا ثم السنة وبقية المصادر.

إعلان مذهب الوسطية لكن لماذا حورب المذهب الأشعري في مصر والعالم الإسلامي من قبل، ثم لماذا الاتجاه الآن لتدريس هذا المذهب والدعوة للاهتمام به خاصة من الأزهر؟

أذكر هنا مقولة للشيخ أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر الشريف: أن هذا المذهب هو أحوج ما يحتاج المسلمون لمعرفته اليوم للخروج من هذه الفتنة الملعونة التي انزلق إليها المسلمون وهم لا يشعرون، وهي فكرة التكفير التي يُعنى بها من يريد استحلال المال والأعراض، ولا يوجد مذهب من مذاهب الأمة العقدية التي نزلت على أرض الواقع وتحركت على أرضها سلم من تكفير المؤمنين غير مذهب الإمام الأشعري!

وأضيف أن هذا حدث أيضا من متعصبي الوهابية، ثم من القاعدة وداعش، وممن يدعون أنهم أنصار بيت المقدس وغيرهم الذين استحلوا الدماء والأعراض والأموال للمسلمين وغير المسلمين، وهذا التوجه ليس من توجه الشيخ أحمد الطيب، بل هذا توجه بدأ منذ أكثر من 700 عام، الأزهر بدأ مؤسسة شيعية كما هو معلوم على أيدي الفاطميين، بقيادة المعز لدين الله الفاطمي، وكانوا منحرفين جدا عن نهج الصحابة، ومتطرفين جدا في تعظيم الإمام، وكلنا يعلم قصيدة ابن هانئ الأندلسي عندما انتصر المعز لدين الله ودخل مصر قال له:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

خلع عليه أوصاف الله عز وجل وأسمائه الحسنى، وصفات النبي، ولهذا انتقم الله منهم ولم يعمروا في مصر سوى قرنين من الزمان وتم استئصال شأفتهم تماما، ولم يبق في مصر شيعي واحد، وتحول المصريون منذ عهد صلاح الدين إلى المذهب السني، ومنذ صلاح الدين ومذهب الأشاعرة السني هو المعتمد للدراسة بالأزهر، ونحن نمضي على نهج شيوخنا السابقين ومنهم الحسن العطار والطهطاوي والشيخ محمد عبده، وسائر المجددين الذين نرجو أن يكون لهم تلاميذ وعلماء وأبناء على نفس النهج في الوقت الحاضر.

الدكتور حسن الشافعي: ابن رشد مفكر مسلم مؤمن، ويقيم أفكاره النهضوية على أسس قرآنية (الجزيرة) ابن رشد نموذج الحداثة أرى من ناحية أخرى إعجابك الواضح بالعلامة ابن رشد، ومحاولتك لترسيخ الفكر الوسطي، ومحاربة الأفكار المنحرفة في التفكير، ومقاومة الغلو في الدين في ظل الحوادث المتجددة؟ إعلان

اهتمامي بابن رشد كان بتشجيع من أستاذنا الدكتور محمود قاسم عميد كلية دار العلوم، ورئيس قسم الفلسفة، والمؤسس الحقيقي لهذا القسم، وكانت قضية حياته إنصاف فكر ابن رشد، وكما نعرف أن فكر ابن رشد يختلف في التأويل بين الشرقيين والغربيين، الغربيون خاصة رجال الكنيسة يستخدمون أفكاره ويعتبرونه ملحدا ويحاربونه، مع أنهم تلاميذ على فكره، وأما التيار العلماني الإلحادي فيعتبر ابن رشد المؤسس لفكرهم العلماني، وهذا خطأ في فهم ابن رشد.

ابن رشد مفكر مسلم مؤمن، ويقيم أفكاره النهضوية على أسس قرآنية ولا ننسى أنه كان قاضي قضاة قرطبة، وهو أكبر القضاة الشرعيين، ووالده وجده تسنموا هذا المنصب من قبله، وليس غريبا أن أول كتاب كتبه في الفقه كان "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" وهو كتاب في الفقه المقارن بين المذاهب المختلفة، ويحدد الحكم الأرجح.

والتأويل الإسلامي الشرقي لفكر ابن رشد أنه فكر إسلامي صريح، وأنه عني بالجمع بين الشريعة والحكمة وبين العقل والنقل، وبين الفكر والفلسفة، كما جاء في كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، ابن رشد مفكر مسلم، ولكن ما أشاعه عنه الغرب أنه قائد الاتجاه الالحادي اللاتيني كان هذا خطا في التفكير، وإن كان ما زال يجد له مؤيدين لدى البعض من الكتاب المصريين.

كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" لابن رشد (الجزيرة)

وفي بعض الأقسام الفلسفية بالجامعات، حاولنا إنصاف ابن رشد كمفكر إسلامي، وكان معنا بعض الأساتذة مثل الدكتورة زينب الخضيري رئيسة قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وأثبت الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف الأسبق أن فكر الغزالي وابن سينا هو الأصل فيما قاله ديكارت، وديكارت قرأ بالعربية هذه الكتب وتأثر بها، فالدور الذي قام به فكر ابن رشد في الحضارة الغربية، يجب أن يوازيه اهتمام بهذا الفكر في الحياة الفكرية الإسلامية المشرقية، وإذا لم يكن هذا حدث في الماضي فممكن أن يحدث الآن.

إعلان

والأفكار المناديَة بالقطيعة مع التراث، والأخذ بالعلمانية المطلقة والخروج على الدين، وهذه الأفكار التي تعتبر خروجا على العقلية العربية من بعض المغاربة وبعض المصريين، هذه دعوات انتهت، وأصبح الجميع ينادون بتجديد الفكر الديني، في إطار يتسق مع الظروف الحاضرة، فلا قطيعة ولا تقديس مع التراث، وإنما هو التعامل مع الفكر الديني من خلال حداثة إسلامية تفيد هذا المجتمع العربي والإسلامي، والنموذج الذي يهدينا في هذا، هو نموذج ابن رشد.

المعجم التاريخي المعجم التاريخي العربي الذي يقوم به اتحاد المعاجم العلمية العربية، حلم انتظرته الأمة العربية منذ أكثر من قرن، ويتم التجهيز والتخطيط له منذ 40 عاما، إلى أي مرحلة من الإنجاز وصل؟ وما المدة اللازمة لإنهاء المعجم التاريخي العربي، مع أن الإنجليز عندما قاموا بإنجاز هذا المعجم استغرق منهم قرنا كاملا؟

اهتدينا في المعجم التاريخي بأصول المعجميات العالمية، وما تم في معاجم أخرى ولكن مع مراعاة طبيعة اللغة العربية التي تعتمد على الجذر اللغوي ومنه ينبثق كل شيء في اللغة، ولحسن الحظ بدأت الفكرة من مشروع بدأه المغفور له الاستاذ سعيد بدوي، وهو صاحب الفكرة المطبقة الآن في مجمع اللغة العربية بالقاهرة في معجم "تاريخ الشعر العربي" وهذا مشروع في إطار الشعر العربي فقط، إنما المعجم التاريخي يتناول اللغة بكل ميادينها، علم وفن وشعر ونثر وحكم وخطب وغيرها، وعن طريق الجذر وتطويره في منهج، وجاء من طوّر هذا، وقام الأستاذ مأمون وجيه بتحويل هذا إلى مشروع شبه رقمي يمكن أن ينتظم خطوات المعجم التاريخي من البداية للنهاية، ولما توفر هذا المنهج و طرحناه على العلماء العرب، وتوفر التمويل والإدارة عن طريق الدكتور القاسمي، وفي غضون عامين على الأكثر سوف يكتمل هذا المعجم التاريخي الذي قد يصل إلى 50 مجلدا.

إعلان

مقالات مشابهة

  • التعليم تطعن على حكم إلغاء إضافة العربي والدين لمجموع الشهادات الدولية
  • ما هي المنتخبات التي تأهلت إلى «كأس العالم 2026»؟
  • ما الأمراض التي تصيب الأثرياء؟
  • أمين عام البحوث الإسلامية لـ«البوابة نيوز»: نعمل فى إطار الرسالة الشاملة للأزهر.. نركز على كل القضايا التي تمس الإنسان بشكل مباشر.. والخطاب الديني المستنير يراعي واقع المجتمع
  • محللون يحذرون من تبعات الصمت العربي إزاء الجرائم الإسرائيلية بغزة
  • مستشار إعلامي إسرائيلي: 5 اعتبارات تحول دون استعادة الأسرى من غزة
  • ما هي الدول التي ستنضم إلى اتفاقيات «التطبيع» مع إسرائيل؟
  • وزير خارجية العراق وأبو الغيط يبحثان الأوضاع في المنطقة والتحديات التي تواجه الدول العربية
  • «الشارقة للتعليم الخاص» تفتح باب الشراكات في مبادرة «قُم للمعلم»
  • الدكتور حسن الشافعي: الحل في التجديد الديني وإعادة الاعتبار للفكر الفلسفي الإسلامي