سودانايل:
2025-03-28@17:44:47 GMT

السياسة المصرية تجاه السودان- احتواء أم دعم مشروط؟

تاريخ النشر: 25th, February 2025 GMT

لا يمكن فصل الموقف المصري من الأزمة السودانية عن سياق أوسع من المصالح الإقليمية والاستراتيجية التي تحكم علاقات القاهرة بالخرطوم. فمنذ اندلاع الصراع، بدت مصر وكأنها تتعامل مع السودان باعتباره امتدادًا جيوسياسيًا يجب ضبطه ضمن رؤية مصرية لا تتقبل التحولات السياسية التي قد تخرج عن السيطرة أو تفرز واقعًا جديدًا لا يخدم مصالحها.



الأسباب الجيوسياسية والاستراتيجية

تعود جذور التوجُّه المصري إلى عوامل تاريخية وجيوسياسية متشابكة. فالسودان يشكل حاجزًا أمنيًا جنوبيًا لمصر، خاصة مع امتداد الحدود المشتركة لـ1,276 كم، والتي تخشى القاهرة من أن تتحول إلى ممر لأزمات إنسانية أو أمنية في حال تفاقم الصراع. كما أن العلاقة الوثيقة بين نهر النيل ومصير البلدين تجعل من السودان شريكًا محوريًا في ملف سد النهضة الإثيوبي، حيث تسعى مصر لضمان عدم انحياز الخرطوم إلى أديس أبابا، وهو ما يفسر حرصها على تعزيز التحالف مع النخبة العسكرية الحاكمة في السودان.

تصريحات الوزير عبد العاطي: رفض التعددية السياسية

تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي برفض تشكيل أي حكومة موازية في السودان تكرّس هذا المنحى؛ إذ إنها تعكس حرص القاهرة على إبقاء السودان تحت الإطار الحكومي القائم، رغم أنه لا يعبّر عن التوافق الوطني بقدر ما يعبر عن مخرجات الحرب. هذا الموقف، الذي جاء خلال الاجتماع الأول لآلية التشاور السياسي بين مصر والسودان منذ سبع سنوات، يطرح تساؤلات حول الدور الذي تسعى القاهرة للعبه في تحديد مستقبل الحكم بالسودان. خلف هذا الرفض مخاوف مصرية من صعود قوى سياسية جديدة قد تعيد إنتاج نموذج "حكم الإخوان المسلمين" – كما حدث في السودان خلال حكم عمر البشير – أو تفتح الباب لتدخلات إقليمية منافسة (كتركيا أو قطر)، ما يهدد النفوذ المصري.

بين إعادة الإعمار والمصالح الاقتصادية

البيان المشترك الصادر عقب الاجتماع يضع "إعادة الإعمار" كأحد محاور التعاون بين البلدين، وهو طرح يحمل أبعادًا اقتصادية تتجاوز مجرد الدعم الإنساني. فالحديث عن تشكيل فريق مشترك لدراسة التجارب الدولية في إعادة الإعمار، وتعزيز الاستثمارات المصرية في السودان، يعكس توجهًا مصريًا للاستفادة من الوضع الراهن لتعزيز نفوذها الاقتصادي، وهو ما ظهر في ملتقى رجال الأعمال المصري السوداني الذي انعقد بالقاهرة.

لكن هذه المساهمة المصرية في إعادة الإعمار تأتي مشروطة بقبول الحكومة السودانية الحالية دون السماح بأي أطر سياسية أخرى قد تتعارض مع هذا التوجه. وهو ما يفسر سعي مصر لإعاقة أي ترتيبات سياسية بديلة مثل تلك التي كانت تُناقش في نيروبي لتشكيل تحالف سياسي يضم القوى غير المنخرطة في الحرب. خلف هذا الشرط رغبة مصرية في تحويل السودان إلى سوق مفتوح للشركات المصرية (خاصة في قطاعات البناء والطاقة)، وهو ما تحقق جزئيًا عبر اتفاقيات استثمارية بلغت قيمتها مليارات الدولارات قبل الحرب.

الرهان على الجيش وإقصاء الحلول السياسية

من الواضح أن مصر تراهن بشكل كامل على بقاء المؤسسة العسكرية كفاعل رئيسي وحيد في المشهد السوداني، وهو ما أكده وزير الخارجية السوداني في المؤتمر الصحفي حين قال إن "الحرب في السودان لن تنتهي إلا بانتصار القوات المسلحة". هذا التصريح يعكس رؤية متماهية مع الموقف المصري، الذي طالما اعتبر أن الحفاظ على الجيش السوداني كقوة مهيمنة هو الضمان الأساسي لاستقرار السودان وفق الرؤية المصرية.

خلف هذا الرهان أسباب متعددة:

التجربة التاريخية: اعتادت مصر التعامل مع المؤسسة العسكرية السودانية كطرف موثوق به منذ عهد جعفر النميري، ما عزز قناعة بأن الجيش هو الضامن الوحيد لعدم انزلاق السودان إلى الفوضى.

مواجهة الإسلام السياسي: تُنظر إلى القوى المدنية، خاصة ذات الخلفية الإسلامية، كتهديد محتمل للأمن القومي المصري، خاصة بعد تجربة حكم الإخوان في مصر (2012-2013).

الحفاظ على التحالفات الإقليمية: يُمكِّن دعم الجيش السوداني مصر من توحيد المواقف مع حلفائها التقليديين (مثل السعودية والإمارات)، الذين يشاركونها التوجس من التغيير السياسي الجذري في المنطقة.

القضايا الإقليمية: البحر الأحمر والمياه كأوراق ضغط

الملفات الأخرى التي ناقشها الاجتماع، مثل أمن البحر الأحمر والحقوق المائية، تكشف عن حرص مصر على تأمين مصالحها الإقليمية من خلال السودان. فالتأكيد على رفض التدخل الأجنبي في البحر الأحمر، والسعي لحشد الدعم لموقف مشترك بشأن سد النهضة، يوضح كيف أن مصر ترى السودان كحليف ينبغي ضبط مواقفه بما يخدم الاستراتيجية المصرية، لا كشريك متكافئ.

البحر الأحمر: تسعى مصر لتعزيز وجودها في هذا الممر الاستراتيجي، خاصة مع تنافس تركيا والإمارات على النفوذ فيه.

سد النهضة: يحتاج الموقف المصري إلى دعم سوداني لمواجهة الموقف الإثيوبي، وهو ما يجعل مصر حريصة على ألا تتنازل الخرطوم عن مطالبها التاريخية في تقاسم مياه النيل.

شراكة أم احتواء؟

الطرح السياسي المصري في قضايا السودان يبدو، في جوهره، محاولة لاحتواء السودان كأرض وثروة، وليس دعماً خالصًا لتحقيق الاستقرار وفق إرادة السودانيين أنفسهم. فبينما تتحدث مصر عن الحفاظ على وحدة السودان واستقراره، فإن مواقفها العملية تعكس سياسة تهدف لضمان عدم خروج السودان عن النفوذ المصري، ولو كان ذلك على حساب حلول سياسية أكثر شمولًا واستدامة.

إن معالجة الأزمة السودانية تتطلب مقاربة أكثر توازنًا تأخذ في الاعتبار تعقيدات المشهد السوداني، بدلًا من فرض رؤى خارجية قد لا تعكس المصالح الحقيقية للشعب السوداني. ومع ذلك، يبدو أن مصر، في سعيها لموازنة مخاوفها الأمنية والاقتصادية، تفضل "استقرارًا هشًا" تحت سيطرة الجيش على مخاطرة التحول الديمقراطي الذي قد يفتح الباب لقوى تعتبرها معادية.

zuhair.osman@aol.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: إعادة الإعمار البحر الأحمر فی السودان وهو ما

إقرأ أيضاً:

طاهر المعتصم: إعلان قائد الجيش السوداني عن تحرير الخرطوم خطوة متقدمة لإنهاء المعارك

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكد الكاتب الصحفي السوداني طاهر المعتصم، أن الجيش السوداني قد قطع شوطًا كبيرًا في معركته ضد قوات "الدعم السريع" بعد إعلان أن العاصمة الخرطوم أصبحت "حرة تمامًا"، مع استعادة السيطرة على القصر الجمهوري والمطار. 

وأضاف، خلال مداخلة هاتفية، عبر قناة «القاهرة الإخبارية»، أنّ هذا التقدم يعتبر خطوة هامة نحو إنهاء النزاع المستمر منذ عامين، وهو ما يعكس قدرة الجيش السوداني على مواجهة التحديات الكبيرة التي فرضتها هذه الحرب.

وأشار المعتصم إلى أن استعادة السيطرة على القصر الجمهوري، وهو معلم تاريخي يحمل رمزية كبيرة، يبرز مدى عزيمة الجيش السوداني وقدرته على التقدم في مختلف الاتجاهات التي يفرضها الواقع العسكري.

وذكر، أنّ القصر الجمهوري، الذي شهد العديد من المحطات الهامة في تاريخ السودان، يعد اليوم شاهدًا على تحول كبير في المعركة ضد "الدعم السريع" وقواته المنتشرة في مناطق واسعة داخل السودان، مشددًا في الوقت ذاته على أنّ الوضع لا يزال معقدًا، حيث توجد مناطق في دارفور وكردفان تعاني من تواجد مكثف لقوات "الدعم السريع"، ما يزيد من معاناة المدنيين ويؤثر على جهود استقرار الأوضاع في تلك المناطق. 

وأكد أنّ المجازر التي ارتكبت في مدن مثل الجنينة تتطلب تحقيقًا دوليًا، ويجب أن يستمر الضغط الدولي لتأمين حقوق المدنيين وحمايتهم من الانتهاكات.

مقالات مشابهة

  • الإصلاح والنهضة: السحور مع حزب الاتحاد يُجسد تطور السياسة المصرية
  • تحرير الجيش السوداني للخرطوم يُثير تفاعل اليمنيين.. أما آن لقيادات الشرعية مغادرة فنادق الرياض؟
  • الجيش السوداني يعلن تطهير آخر جيوب مليشيا الدعم السريع في محلية الخرطوم
  • بكري: الجيش السوداني يسيطر بالكامل على الخرطوم.. والحرب خلفت مأساة اقتصادية
  • طاهر المعتصم: إعلان قائد الجيش السوداني عن تحرير الخرطوم خطوة متقدمة لإنهاء المعارك
  • انتصار عسكري كبير.. كيف فرض الجيش السوداني سيطرته على الخرطوم؟
  • مصطفى بكري: الجيش السوداني يواصل انتصاراته وقوات الدعم السريع تهرب في حالة انهيار
  • الجيش السوداني يحرر عددا من الضباط والمدنيين بعد استعادته مناطق واسعة بالخرطوم
  • الجيش السوداني يعلن سيطرته على الجهة الغربية من كوبري المنشية بالخرطوم
  • خبير بالشؤون الأفريقية: استعادة الجيش السوداني للقصر الجمهوري تمثل تحولًا استراتيجيًا