هيئة تحرير الشام وقيادة الشرع والطفرة السياسية الجهادية
تاريخ النشر: 24th, February 2025 GMT
تطور النضج السياسي للحركات الجهادية في سوريا، وخاصة هيئة تحرير الشام، يعكس قدرتها على التعلم من تجارب الماضي والتكيف مع البيئة المتغيرة، فمن خلال البراغماتية السياسية، وبناء التحالفات المحلية، وتطوير الهياكل الإدارية، تمكنت من البقاء لاعبا رئيسا في المشهد السوري، وقد واصلت نجاحها بعد الإطاحة بنظام بشار من خلال اعتماد نهج سياسي بارع وخطاب معتدل تجاه كل الأطراف المهمة بالداخل والخارج.
منذ بداية الثورة السورية عام 2011، مرت الحركات الجهادية في سوريا، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا)، بمراحل متعددة من النضج السياسي والعملي. تطورت هذه الحركات من كيانات مقاومة عسكرية بحتة إلى تنظيمات سياسية وعسكرية أكثر براغماتية، حيث أظهرت قدرة على التكيف مع الواقع السوري المعقد والمتغيرات الإقليمية والدولية.
بدأت هيئة تحرير الشام كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا، متبنية أيديولوجيا جهادية متشددة، لكنها تطورت تدريجيا إلى كيان أكثر مرونة وبراغماتية، وفي 2016 أعلنت انفصالها عن القاعدة وأعادت تسمية نفسها بهدف تحسين صورتها وكسب قبول إقليمي ودولي، مما يعكس نضجا في فهمها لأهمية التكيف السياسي.
أدركت هيئة تحرير الشام أن التبعية لتنظيمات جهادية عالمية مثل القاعدة تسبب عزلة دولية وحرمانها من الدعم المحلي والإقليمي، وقد أدى هذا الوعي إلى اتخاذ خطوات للابتعاد عن هذه التنظيمات وتقديم نفسها كقوة وطنية معنية بالدفاع عن الثورة السورية، لا كجزء من مشروع جهادي عالمي.
من أبرز مظاهر نضج الهيئة السياسي قدرتها على إدارة المناطق المحررة في الشمال السوري، خاصة إدلب، من خلال "حكومة الإنقاذ السورية" التي أنشأتها لإدارة الخدمات العامة، كما أظهرت هذه التجربة قدرة الهيئة على الانتقال من مجرد حركة مقاومة إلى قوة حاكمة تقدم خدمات تعليمية وصحية واقتصادية، مما عزز شرعيتها محليا.
أظهرت الهيئة مرونة تكتيكية في التعامل مع القوى الإقليمية، خاصة تركيا، حيث وافقت على التنسيق معها لضمان بقاء سيطرتها على إدلب وتجنب أي تصعيد عسكري شامل، وعلى المستوى الميداني قامت بإعادة هيكلة قواتها وتبني استراتيجيات دفاعية وهجومية أكثر كفاءة، مما مكّنها من الحفاظ على المناطق التي تسيطر عليها رغم الضغوط العسكرية من النظام السوري وحلفائه
أدركت هيئة تحرير الشام أهمية كسب دعم الفصائل الأخرى والمجتمع المحلي لتجنب العزلة، فقامت بتشكيل تحالفات مع فصائل محلية أصغر لتحقيق أهداف مشتركة، كما عملت أيضا على استقطاب النخب القبلية والدينية في المناطق الخاضعة لسيطرتها لضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
طورت الهيئة أدواتها الإعلامية بشكل كبير، مستغلة وسائل الإعلام التقليدية والجديدة لإيصال رسائلها، وركزت على تقديم نفسها كمدافع عن الثورة السورية، مستفيدة من معاناة السكان جراء القصف والحصار، لتبرير سيطرتها على المناطق المحررة.
سعت الهيئة إلى بناء شرعية سياسية محلية عبر توفير الأمن والخدمات للسكان، حيث قدمت نفسها كبديل للنظام السوري الذي تسبب في تدمير المدن والبنى التحتية، كما ركزت على الترويج لفكرة أنها تسعى لتحقيق الاستقرار وليس فقط للمقاومة المسلحة.
أظهرت الهيئة نضجا سياسيا في التعامل مع المصالح الإقليمية، خاصة مع تركيا التي تمتلك نفوذا واسعا في شمال سوريا، كما قبلت الهيئة بوجود نقاط المراقبة التركية وتنسيق العمليات العسكرية، مما مكّنها من الحفاظ على مواقعها في إدلب وتجنب هجمات كبرى من قوات النظام.
برغم المنافسة مع فصائل إسلامية أخرى مثل حركة أحرار الشام وجيش الإسلام، أظهرت الهيئة قدرة على إدارة التوترات عبر الدخول في تحالفات مؤقتة أو تهدئة الصراعات، بما يضمن استمرار نفوذها، كما خففت هيئة تحرير الشام من لهجتها الدينية المتشددة، واعتمدت خطابا أكثر اعتدالا عند مخاطبة المدنيين والمجتمع الدولي، لتجنب وضعها في خانة الحركات الإرهابية، وقد برز هذا التوجه في محاولة الترويج لحكومة الإنقاذ ككيان مدني يعبر عن مصالح السكان، وليس مجرد واجهة دينية متشددة.
بينما كانت الحركات الإسلامية الأخرى مثل أحرار الشام وجيش الإسلام تضعف بسبب الانقسامات أو القتال مع النظام، نجحت هيئة تحرير الشام في تعزيز موقعها كالقوة الأبرز في الشمال السوري، وقد جاء هذا التحول نتيجة قدرة الهيئة على تبني مقاربات سياسية وعسكرية مرنة مكنتها من البقاء على الساحة رغم التحولات الميدانية.
اهتمت الهيئة بتحسين الظروف المعيشية للسكان في المناطق التي تسيطر عليها، حيث ركزت على توفير المواد الغذائية الأساسية وتنظيم الأسواق المحلية، وأنشأت مؤسسات خيرية وخدمية تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المدنيين، ما ساعدها في تعزيز حضورها الشعبي.
يبدو للمراقبين بوضوح أن هيئة تحرير الشام استفادت من تجارب الحركات الإسلامية الأخرى في المنطقة، مثل حركة حماس وحزب الله، في كيفية تحقيق التوازن بين العمل العسكري والسياسي، وتجنب الأخطاء التي وقعت فيها بعض الجماعات الجهادية العابرة للحدود.
أظهرت الهيئة نضجا داخليا من خلال تقليل الانشقاقات وحسم الخلافات داخل قيادتها، كما عملت على حماية وحدة صفها الداخلي عبر سياسات صارمة، ما مكّنها من تجنب الانهيار الذي تعرضت له فصائل إسلامية أخرى.
رغم تصنيفها كمنظمة إرهابية من قبل عدة دول، حاولت الهيئة تحسين صورتها من خلال تقديم تنازلات سياسية وتأكيد استقلاليتها عن القاعدة، كما أظهرت قدرتها على التكيف مع الضغوط الدولية عبر قبول المبادرات التركية وتجنب الهجمات الكبرى التي قد تؤدي إلى تصعيد دولي.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه سوريا تحرير الشام الإرهابية سوريا إرهاب اسلامي تحرير الشام احمد الشرع مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة هیئة تحریر الشام من خلال
إقرأ أيضاً:
تخفيف العقوبات الجزئي عن سوريا... فهل سينجح الشرع فيه؟!
وفي خطوة قد تعتبر اختبارًا أمام الإدارة السورية الجديدة، قالت وكالة رويترز، إن الولايات المتحدة سلمت الحكومة السورية قائمة شروط تريد من دمشق الوفاء بها مقابل تخفيف جزئي للعقوبات دون أي تحديد لنوع هذا التخفيف أو وقته. تتلخص المطالب في:
ضمان عدم تولي أجانب مناصب قيادية في الحكومة، كون الحكومة السورية قامت بتعيين أعضاء كانوا في صفوفها (أردني - إيغوري - تركي) في وزارة الدفاع. تدمير سوريا لأي مخازن أسلحة كيماوية متبقية والتعاون في مكافحة الإرهاب. التأكد من عدم تولي مقاتلين أجانب مناصب قيادية في الإدارة الحاكمة في سوريا. تعيين منسق اتصال لدعم الجهود الأميركية للعثور على أوستن تايس، الصحفي الأميركي الذي فُقد في سوريا منذ أكثر من 10 سنوات.هل ستنجح الإدارة السورية الجديدة بختبار واشنطن لها مقابل تخفيف العقوبات الجزئي عليها؟!#موقع_البوابة_الإخباري #سوريا #أحمد_الشرع #ترامب #تخفيف_العقوبات #قانون_قيصر pic.twitter.com/jL6qCnJIBu
— البوابة (@Albawaba) March 26, 2025هذه الشروط هي محاولة لضغط على الرئيس الشرع لمحاولة تصويب سياساته بما يتوافق مع النهج الأميركي، فهل سينجح الشرع به، ولاسيما وأن هذه الشروط ستخفف عن عاتق الإدارة السورية هم العقوبات الاقتصادية، وتساهم في تخفيف العقوبات لإنعاش اقتصادها المنهار جراء الحرب التي استمرت لما يقرب من 14 عامًا، والتي فرضت خلالها الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا عقوبات صارمة على الأفراد والشركات وقطاعات كاملة من الاقتصاد السوري في محاولة للضغط على الرئيس المخلوع بشار الأسد.
في المقابل، دعا مسؤولون سوريون، منهم الشيباني والرئيس أحمد الشرع، إلى رفع العقوبات بـ "الكامل"، قائلين إن من الظلم الإبقاء عليها سارية بعد الإطاحة بالأسد في هجوم خاطف شنه مسلحو المعارضة في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
فرغم سقوط نظام الأسد، لم تفصح الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب عن موقفها الواضح والصريح من الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، رغم وجود تقارب عربي وأوروبي منها. هذا الأمر وضع إدارة الشرع أمام حالة من التشتت في خضم مساعيها الرامية إلى رفع العقوبات الدولية التي فرضتها الولايات المتحدة على سوريا ونظام الأسد منذ 14 عامًا للرضوخ لمطالبها.
كلمات دالة:اختبار تخفيف العقوبات الجزئي عن سوريا... فهل سينجح الشرع فيه؟!العقوباتسورياأميركااحمد الشرعترامباقتصادتخفيف العقوبات الجزئي عن سوريا... فهل سينجح الشرع فيه؟!© 2000 - 2025 البوابة (www.albawaba.com)
عملت رولا أبو رمان في قسم الاتصال والتواصل لدى جمعية جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي، ثم انتقلت إلى العمل كصحفية في موقع "نخبة بوست"، حيث تخصصت في إعداد التقارير والمقالات وإنتاج الفيديوهات الصحفية. كما تولت مسؤولية إدارة حسابات مواقع التواصل الاجتماعي.
انضمت رولا لاحقًا إلى فريق "بوابة الشرق الأوسط" كمحررة وناشرة أخبار على الموقع وسوشال ميديا، موظفة في ذلك ما لديها من مهارات في التعليق...
الأحدثترنداشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على تحديثات حصرية والمحتوى المحسن
اشترك الآن