لميس اندوني .. هل يكون البديل العربي لخطّة ترامب أخطر؟
تاريخ النشر: 24th, February 2025 GMT
#سواليف
كتبت .. #لميس_اندوني
لم يكن تخلّي الرئيس الأميركي دونالد #ترامب عن اقتراحه #تهجير_الفلسطينيين من قطاع #غزة مفاجئاً تماماً، ولا وليد تقلب مزاجه؛ فمنذ لحظة إعلانه رغبته بالاستيلاء على غزّة لجعلها مشروعاً عقارياً، تحرّك مستشارون وأعضاء في الكونغرس وخبراء في مراكز أبحاث أميركية لإقناع البيت الأبيض بالتخلّي عن الفكرة.
لتراجُع ترامب أسبابٌ وضرورات سياسية، وهو ليس نتيجة رفض كل من #مصر و #الأردن تهجير الفلسطينيين إلى أراضيهما فحسب، بل لأن الدوائر المؤثّرة في #واشنطن اعتبرت الفكرة تقويضاً لاتفاق تطبيعي تحالفي بين السعودية وإسرائيل. لكنها أيضا رأت في إعلان ترامب فرصة للضغط على الدول العربية لتقديم بديل، وتحميلها المسؤولية لمواجهة تبعات دمار #حرب_الإبادة_الإسرائيلية على فلسطينيي غزّة، وتأمين شروط دولة #الاحتلال لوضعٍ يضمن مصالحها ومتطلباتها الأمنية في القطاع المدمّر، لم تنجح في فرضه بالحرب، ما يمهّد الطريق لتوقيع معاهدة سعودية إسرائيلية، لم تتخلّ واشنطن يوماً عن السعي إليها.
مقالات ذات صلة برودة قارسة والحرارة دون الصفر المئوي بعدة درجات في مناطق عِدّة من المملكة فجر اليوم 2025/02/24لم يكن توقيت تصريح ترامب الذي أعلن فيه تراجعه عن “خطّته” مصادفة، بل واكبت اجتماع قمة عربيٍّ مصغّر “غير رسمي” في الرياض أول من أمس الجمعة، وهو مؤشّر على أن مسؤولين أميركيين كانوا يتواصلون مع القمّة وجدوا أنّ أفكار ترامب التي اعتبرت غزّة أرضاً مباحة لتراكِم ثروات عائلته ومجموعته تحد من قدرة القادة العرب على تقديم طروحاتٍ بديلة. وأول من تحدّى العالم العربي في تقديم مشروع بديل كان الدبلوماسي المخضرم السابق دينيس روس، من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى (صهيوني التوجّه)، وهو ما أشرت إليه في مقال في “العربي الجديد” (16/7/2023). ثم بدأنا نسمعه من مسؤولين أميركيين أبرزهم وزير الخارجية ماركو روبيو الذي طالب الدول العربية بوضع خطّة بديلة، ما يدلّ، كما دائماً، على عِظم نفوذ مراكز الأبحاث، فهي ليس بعيدة عن المؤسّسات الأميركية والكونغرس في تأثيرها على صنع قرارات مهمة في واشنطن، وبخاصة إذا كانت تنسجم مع الاستراتيجية الأميركية. ففي هذه الحال بالذات، ما يهم هو تسريع إدخال السعودية في معاهدة تطبيعية مع إسرائيل، والحصول على التزام من الدول العربية بتمويل الترتيبات التي تقترحها إسرائيل وأميركا بخصوص غزّة من إشراف عربي على مرحلة انتقالية، وإدارة السلطة الفلسطنية بشروط جديدة ومسؤول تختاره واشنطن، بغرض السيطرة على سكان غزّة وإنهاء وجود حركة حماس أو بروز أي تنظيم يشكّل خطراً على إسرائيل.
رفضت إسرائيل، منذ البداية، أي وجود للسلطة الفلسطينية، لكن الإدارة الأميركية السابقة أصرّت على ذلك، بل اجتمع مدير المخابرات المركزية الأميركية وليام بيرنز مع شخصيات فلسطينية لإقناعها بتولي الدور، ولكنه فشل، حتى إن إحدى الشخصيات التي تباحث معها تعاونت مع الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس لإفشال ما رمى إليه بيرنز. وليس واضحاً بعد ما إذا كانت إدارة ترامب مستعدّة لقبول دور للسلطة في قطاع غزّة، وهي أوقفت أخيراً المساعدات المالية لقوات الأمن الفلسطينية. لكنها مهمة أوكلت حصرياً لمبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، الصهيوني المعلن الذي يشارك صهر ترامب جاريد كوشنر في اهتمامه باستغلال شاطئ غزّة لمشاريع سياحية.
المهم أن ترامب أعلن تغيير موقفه الذي تحسّر علناً على تخلّيه عن سرقة كل قطاع غزّة جهاراً، واصفاً إياه بـ”قطعة أرض جميلة”، وأنه لا يفهم “لماذا تخلى الإسرائيليون عنها”، فلا وجود لأوطان وحقوق للشعوب في مخيلته الرأسمالية الجشعة. لكن للمصالح الأميركية الكبرى الأولوية على الأمنيات، أي أن المؤسّسة الأميركية استطاعت وقفه عند حدّه، على الأقل في هذه الحالة. ولا يعني هذا أن هذه بداية لكبح ترامب داخل أميركا وخارجها، لكن الواضح أن دائرته الأوسع في الحزب الجمهوري أيضا تدخّلت، على ما أظهرت هذا تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي رفض علناً وبشدّة فكرة ترامب لمستقبل غزّة، فالإدارات الأميركية، ومنها إدارة ترامب في ولايتها السابقة، نجحت في توسيع دائرة التطبيع العربية، وحققت المعاهدة الإبراهيمية غير المسبوقة في بنائها اتفاقيات تحالفية مع إسرائيل تقبل الرواية الصهيونية.
تراجع ترامب مهم، لكن رمي الكرة في ملعب العرب ليس ذكاءً منه ومن الدوائر المؤثرة في القرار في واشنطن، لكن لأنهم وجدوا أن الدول العربية لا تأخُذ زمام المبادرة وتقدّم طروحات تحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني، وإنما تسعى إلى إيجاد ترتيبات تتوافق، ويكون أساسها مقترحات أميركية تبني عليها التوصّل إلى حل وسط، عادةً يقبل بالهيمنة الأميركية.
وقد شكّل رفض اقتراح ترامب الذي جاء باعتباره تهديداً لاستقرار مصر والأردن علامة فارقة في وضوحه موقفاً وردّاً على الأميركان، لكن المشكلة أننا دخلنا في مرحلة مساومات، وهذه عادة مرحلة الخطر، فردّ العالم العربي الضعيف على حرب الإبادة في غزّة، ومن بعدها تهديم مخيمي جنين وطولكرم وترحيل سكانهما في بداية عملية لمخطّط التهجير في الضفة الغربية، أغرى أميركا وإسرائيل بالاستمرار في فرض تحويل القطاع إلى مجموعة سكانية منعزلة، بغرض منعها من إعادة بناء مجتمعها فلسطيني الهوية، وتكسير طموح الشعب الفلسطيني وحلمه بالحرية.
لا بد من الخوف من البدائل العربية بشأن غزّة، إذ تضعها حكومات أضعفت نفسها وارتضت لنفسها دوراً “وظيفياً” في منظومة المصالح الأميركية، وهمّشت دور شعوبها ومؤسّساتها، بل أصبح بعضها رهينة لاتفاقيات التطبيع الإسرائيلية التي تعمّق من تبعيتّها وتقوّي هيمنة إسرائيل، ولم تستخدم حتى التهديد بتجميد التطبيع والاتفاقيات الاقتصادية، ما جعلها أكثر عرضةً للابتزاز وللضغوط الأميركية والإسرائيلية.
لذا؛ حقّنا، وعلينا أن نخاف، أو نغضب، خصوصاً وأنها تكتمل، في حال توقيع اتفاق إسرائيلي – سعودي، حلقة تطويع العرب والأنظمة والمنطقة وتحويلها إلى محمية إسرائيلية أميركية، فالخطر الحالي ليس على الفلسطينيين فقط؛ وإنما على كل مواطن في الدول العربية من المحيط إلى الخليج. فهي لحظة شبيهة، وإن أسوأ، من عشية طوفان الأقصى، حين كانت أميركا على وشك إعلان انتصار ساحق على #الفلسطينيين والعرب باختطاف السعودية إلى معسكر التحالف مع إسرائيل… هل هناك من ينتبه أو يهتم بين أنظمةٍ عربيةٍ ترى في المقاومة خطراً أكبر من إسرائيل؟!
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: سواليف لميس اندوني ترامب تهجير الفلسطينيين غزة الدول العربية مشروع بديل تطبيع السعودية إسرائيل مصر الأردن واشنطن حرب الإبادة الإسرائيلية الاحتلال الفلسطينيين الدول العربیة ة الأمیرکیة ة ترامب
إقرأ أيضاً:
سياسات أمريكا في التعامل مع الدول
يوسف الجهضمي
في عالم السياسة الدولية، لا مكان للعاطفة أو الالتزام الدائم. فالتحالفات ليست سوى أدوات تُستخدم ما دامت تُحقق المصلحة، وعندما تنتفي الحاجة إليها، تُرمى جانبًا دون تردد. والسياسة الأمريكية تمثل النموذج الأبرز لهذا المنطق؛ إذ إنها لا تعترف بوجود أصدقاء دائمين أو أعداء دائمين؛ بل تحكمها قاعدة واحدة: "المصلحة أولًا وأخيرًا".
تاريخيًا، لا يوجد حليف واحد للولايات المتحدة استطاع أن يضمن ولاءها إلى الأبد، بغض النظر عن الخدمات التي قدمها أو التضحيات التي بذلها من أجلها. اليوم، قد يكون النظام الحاكم في بلد ما "حليفًا استراتيجيًا"، لكن غدًا قد يصبح "عائقًا" يجب التخلص منه. هذه العقلية لم تتغير منذ نشوء الولايات المتحدة كقوة عظمى؛ بل ترسخت مع مرور الزمن وأصبحت السمة الأبرز لسياستها الخارجية.
والحديث عن هذه المسألة يصبح أكثر إلحاحًا، خاصة في ظل التقلبات السريعة التي يشهدها العالم العربي، حيث تتغير التحالفات وتتبدل الولاءات وفقًا لما تمليه المصلحة الأمريكية.
منطق الغدر الأمريكي: لماذا لا تدوم الصداقات؟
إذا كان هناك شيء واحد ثابت في السياسة الأمريكية، فهو "عدم الثبات"؛ بمعنى أن واشنطن لا تمنح أي ضمانات دائمة لحلفائها، بل تتعامل معهم كأدوات لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. وعندما تنتهي الحاجة إليهم، يتم التخلص منهم أو استبدالهم بآخرين.
الولايات المتحدة لا تعتمد فقط على قوتها العسكرية والاقتصادية؛ بل تستفيد من قدرتها على بناء تحالفات مؤقتة، ثم التخلي عنها عندما يحين الوقت المناسب. هذا النهج قائم على عدة أسس:
البراغماتية المطلقة: لا مجال للعواطف أو الالتزامات الأخلاقية، بل المصلحة هي الحكم الوحيد. التغيرات الجيوسياسية: العالم متغير، والمصالح تتبدل. ما كان مهمًا بالأمس قد يصبح غير ضروري اليوم. القوة الأمريكية المطلقة: واشنطن تضمن أنها تستطيع استبدال أي حليف دون أن تتعرض لخطر كبير، نظرًا لهيمنتها على الاقتصاد والسياسة العالمية. عدم الثقة في الحلفاء: حتى أقرب الحلفاء يُنظر إليهم بعين الشك، لأن الولاءات يمكن أن تتغير.وهناك أمثلة تاريخية على الغدر الأمريكي، منها:
شاه إيران محمد رضا بهلوي (1979)؛ حيث كان الشاه يُعد "حليفًا ذهبيًا" للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. قدم لها النفط، ودعمها سياسيًا وعسكريًا، وحمى مصالحها لعقود. لكن عندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران، أدارت له واشنطن ظهرها ورفضت حتى استقباله للعلاج، مما أدى إلى انهيار نظامه وصعود الجمهورية الإسلامية، التي تحولت إلى عدو لدود لأمريكا نفسها. صدام حسين (2003)؛ ففي الثمانينيات، كان الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أداة أمريكية في حربه ضد إيران؛ حيث حصل على دعم عسكري واستخباراتي ضخم. لكن بعد انتهاء الحرب، بدأ يميل إلى الاستقلالية، وبدأ يشكل تهديدًا للمصالح الأمريكية في المنطقة. فجاء الغزو الأمريكي في 2003، بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل، وهي كذبة اعترف بها الأمريكيون لاحقًا. حسني مبارك (2011)؛ كان الرئيس المصري الراحل حسني مبارك واحدًا من أقوى الحلفاء مع الولايات المتحدة، خاصة في ملف السلام مع إسرائيل. لكنه اكتشف في لحظة واحدة أن ولاءه لم يشفع له عندما اندلعت ثورة 25 يناير. واشنطن لم تدعمه، بل ضغطت عليه للتنحي، مما عجّل بسقوطه. الأكراد في سوريا (2019)؛ في الحرب ضد تنظيم داعش، اعتمدت أمريكا على القوات الكردية كحليف أساسي. لكن بعد انتهاء المعركة، تخلت عنهم وسمحت لتركيا بشن هجوم واسع عليهم، مما تسبب في كارثة إنسانية.لكن.. كيف يمكن للدول التعامل مع هذا الواقع؟ مع فهم هذا المنطق، على الدول التي تعتمد على الدعم الأمريكي أن تدرك أن تحالفها مع واشنطن ليس مضمونًا، وعليها: تنويع التحالفات؛ إذ لا يجوز الاعتماد على أمريكا وحدها، بل يجب إقامة علاقات متوازنة مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا وأوروبا. كما يتعين عليها بناء قوة ذاتية؛ لأن الدول التي تعتمد على نفسها تكون أقل عرضة للابتزاز الأمريكي. وكذلك عدم الانخداع بالشعارات؛ حيث إن أمريكا تتحدث دائمًا عن "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، لكنها في النهاية تتحرك وفق مصالحها.
وأخيرًا.. السياسة الأمريكية قائمة على مبدأ "لا صداقات تدوم، ولا وفاء يستمر". من يكون صديقًا لواشنطن اليوم، قد يصبح عدوها غدًا. والتاريخ مليء بالشواهد على ذلك. ولذلك، فإنَّ الدول التي تريد الحفاظ على استقلالها وسيادتها يجب أن تتعامل مع الولايات المتحدة بواقعية، وأن تبني سياستها الخارجية على مبدأ "تحقيق التوازن" بدلًا من "الاعتماد الكامل".