تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تتفاقم الأوضاع الأمنية في جمهورية الكونغو الديمقراطية مع استمرار تقدم متمردي حركة "إم ٢٣" المدعومة من رواندا، حيث أعلنوا عن سيطرتهم على مطار ثانٍ شرقي البلاد.
يأتي هذا التطور بعد أيام من تقارير عن تحركات المتمردين باتجاه مطار "كافومو"، الذى يخدم إقليم ساوث كيفو، ما يثير مخاوف من تصعيد النزاع في المنطقة.


وتُعد حركة "إم ٢٣" واحدة من أكثر الجماعات المسلحة نشاطًا فى شرق الكونغو الديمقراطية، كما تأسست الحركة في عام ٢٠١٢ بعد تمرد داخل الجيش الكونغولي من قبل مجموعة من الجنود المنتمين إلى جماعة "المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب" (CNDP)، والذين رفضوا اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الكونغولية والمتمردين فى ٢٠٠٩. يشير اسم الحركة إلى اتفاق ٢٣ مارس ٢٠٠٩، الذى تعتقد الجماعة أن الحكومة فشلت فى تطبيقه بالكامل.
وتتهم الحكومة الكونغولية رواندا بدعم المتمردين من خلال توفير السلاح والتمويل، وهو اتهام تنفيه كيغالي باستمرار، رغم وجود تقارير دولية تدعم هذه المزاعم.
ويهدف متمردو "إم ٢٣" إلى تعزيز وجودهم فى المناطق الغنية بالموارد المعدنية، مما يعزز من تعقيد المشهدين الأمني والسياسي فى البلاد. وفقًا لوكالة "أسوشييتد برس"، فإن المتمردين اقتربوا من مطار "كافومو"، الذى يُعتبر شريانًا رئيسيًا لإقليم ساوث كيفو، دون تأكيد ما إذا كان المطار قد وقع تحت سيطرتهم بالكامل.
ويُعد هذا التقدم تهديدًا خطيرًا للبنية التحتية الاستراتيجية للحكومة الكونغولية، حيث يعتمد الإقليم على هذا المطار في النقل الجوي والإمدادات اللوجستية.
سكان محليون أكدوا أن المتمردين كانوا على بعد بضعة كيلومترات من المطار، ما أثار حالة من الذعر بين المدنيين، ودفع البعض إلى النزوح خوفًا من اندلاع اشتباكات.
يأتي ذلك في سياق اشتباكات متكررة بين القوات الحكومية ومتمردي "إم ٢٣" فى مناطق مختلفة من إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو، حيث يحاول المتمردون توسيع سيطرتهم على مناطق جديدة.
إذا تأكدت سيطرة "إم ٢٣" على مطارات رئيسية فى شرق البلاد، فقد يؤدى ذلك إلى تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار في الكونغو الديمقراطية. ومن بين أبرز التأثيرات المحتملة:
إضعاف قدرة الحكومة على التحرك عسكريًا: يُعد فقدان المطارات ضربة كبيرة للجيش الكونغولي، حيث تعتمد العمليات العسكرية على النقل الجوي لنقل الإمدادات والقوات.
تعطيل المساعدات الإنسانية: تعانى المنطقة من أزمة إنسانية كبيرة، حيث يعتمد السكان على المنظمات الدولية التى تستخدم هذه المطارات لنقل الإغاثة.
زيادة التوترات الإقليمية: قد يؤدى استمرار الدعم الرواندي المزعوم لمتمردي "إم ٢٣" إلى تأجيج العلاقات المتوترة بين كينشاسا وكيغالي، وربما يدفع الدول المجاورة إلى التدخل.
يحظى الوضع فى شرق الكونغو الديمقراطية باهتمام دولي متزايد، خاصة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. 
وقد دعت الأمم المتحدة مرارًا إلى وقف القتال وحثت جميع الأطراف على العودة إلى طاولة المفاوضات.
في الوقت نفسه، أرسلت بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام فى الكونغو (MONUSCO) تعزيزات لمحاولة احتواء التصعيد، إلا أن نجاحها لا يزال محدودًا بسبب تعقيد النزاع.
المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أعرب عن قلقه إزاء تصاعد العنف، ودعا إلى وضع حد للدعم الخارجي للمتمردين. ومع ذلك، فإن الجهود الدبلوماسية لا تزال تواجه تحديات كبيرة بسبب تعنت الأطراف المتنازعة.
ويرى مراقبون أنه مع استمرار التصعيد، يبدو أن هناك عدة سيناريوهات محتملة لتطور الوضع، منها توسع عمليات "إم ٢٣"،  في حال نجاح المتمردين في السيطرة على مزيد من المناطق، قد نشهد إعادة تشكيل لخريطة السيطرة فى شرق الكونغو، مما قد يؤدى إلى مزيد من الاشتباكات مع القوات الحكومية.
تدخل دولي أوسع،  قد يدفع التوتر المتزايد إلى تدخل دولي أكبر، سواء عبر فرض عقوبات على رواندا أو زيادة دعم الجيش الكونغولي.
مفاوضات جديدة،  إذا واجهت "إم ٢٣" مقاومة قوية أو ضغوطًا دولية متزايدة، قد تجد نفسها مضطرة للعودة إلى المفاوضات مع الحكومة الكونغولية.
يشكل التصعيد الأخير فى شرق الكونغو الديمقراطية تحديًا خطيرًا للاستقرار في البلاد والمنطقة ككل. ومع تزايد العنف، يظل المدنيون هم الأكثر تضررًا، حيث يواجهون النزوح وانعدام الأمن.
ومع ذلك، فإن الحل الدائم للنزاع لا يمكن أن يكون عسكريًا فقط، بل يجب أن يشمل جهودًا دبلوماسية مكثفة، وإصلاحات سياسية واقتصادية داخلية تعالج جذور الأزمة.

المصدر: البوابة نيوز

كلمات دلالية: سيطرة إم ٢٣ جمهورية الكونغو الديمقراطية المتمردين الکونغو الدیمقراطیة

إقرأ أيضاً:

دماء على الآيفون.. لماذا يشتعل الصراع بين الصين وأميركا على الكونغو الديمقراطية؟

 

"المكوِّن الأهم في السيارة الكهربائية هو البطارية، وما يوجد في البطارية هو أفريقيا".

آموس هوكشتاين، الأميركي الإسرائيلي الذي شغل منصب كبير مستشاري بايدن للطاقة والاستثمار.

إذا كنت قد أعددت عصيرا لذيذا باستخدام خلاط محمول يعمل بالبطارية، قبل أن تمسك بهاتفك أو حاسوبك وتقرأ هذا المقال، فعليك أن تعرف أنه لو لم تكن دولة الكونغو الديمقراطية موجودة على كوكبنا لكان من الصعب جدا أن تقوم بمثل هذه الأنشطة، إذ تُنتج الكونغو مجموعة من أهم المعادن التي تدخل بشكل أساسي في العديد من الصناعات.

مجموعة من الأرقام البسيطة يمكن أن توضح لك الأمر؛ ففي كل هاتف محمول ثمة ما يقرب من 6.5 غرامات من الكوبالت، وفي كل جهاز حاسب آلي يوجد ثلاثة أرطال منه، وفي كل بطارية سيارة كهربائية يوجد ثلاثون رطلا، ومع تحول العديد من الأجهزة الميكانيكية لاستخدام البطاريات الكهربائية مثل الخلاطات المطبخية، سيصبح كل شيء حولنا تقريبا معتمدا على الكوبالت وأمثاله من المعادن، وهذه المعادن مصدرها الأساسي هي الكونغو.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الصين وأميركا في 2025 والصراع الذي قد يغير شكل العالمlist 2 of 2حلم "أساطيل داوود".. ماذا تفعل إسرائيل في شرق أفريقيا؟end of list

أبعد من مساحة الكونغو الديمقراطية، البلد الأفريقي الواقع في غرب أفريقيا جنوب الصحراء، تشهد القوى الكبرى في العالم صراعا على ريادة ما بات يُعرف بـ "الثورة الصناعية الرابعة" التي بدأنا نشهدها الآن، وجوهرها هو الانتقال من الرقمنة البسيطة إلى الرقمنة المتطورة الإبداعية والخوارزميات الذكية، إذ ينتظر العالم اختراقات تكنولوجية ضخمة في مجالات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، والسيارات ذاتية القيادة، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، والحوسبة الكمية، والروبوتات.

إعلان

ومهما تنوعت التقنيات اللازمة لتطوير هذه الصناعات؛ تبقى المعادن الأساسية لكل الابتكارات المتعلقة بالثورة الصناعية الرابعة هي الكوبالت والليثيوم والكولتان والنيكل. وفي تقرير للوكالة الدولية للطاقة، توقعت ارتفاعا ضخما في استخدام هذه المعادن، حيث سيزداد الطلب بين عامي 2020 إلى 2040 على النيكل والكوبالت بمقدار 20 مرة، وعلى الليثيوم بمقدار 40 مرة، وعلى الغرافيت بمقدار 25 مرة.

وتُنتج جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 71% من إجمالي إنتاج الكوبالت في العالم، كما أن لديها نصف مخزون الكوبالت المعروف على كوكب الأرض حاليا. ويعتقد الكثير من الخبراء والجهات أن الكونغو ربما تمتلك أكبر احتياطيات من الليثيوم في العالم، إذ يحتوي منجم مانون وحده في البلاد على 6.640.000 طن متري من الليثيوم بحسب تقديرات سبتمبر/أيلول.

فضلا عن ذلك، تقدر شركة استشارات وبيانات تحولات الطاقة "وود ماكنزي" أن الكونغو في عام 2027 ستحتل المركز الثاني بين الدول المنتجة للنحاس، مزيحة دولة بيرو من هذا المركز، ويُعد النحاس مكونا شديد الأهمية في صناعة البطاريات الكهربائية ومنافذ شحن السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح.

يمكن أن يخبرنا كل ذلك بمدى أهمية دولة الكونغو الديمقراطية في خريطة الاقتصاد العالمي، وهو الأمر الذي يُشعل منافسة شرسة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين على النفوذ السياسي والاقتصادي في البلاد. منافسة لا يبدو أنها تؤثر بالإيجاب على المواطن الكونغولي، إذ ما زال يعيش واحد من كل ستة مواطنين تقريبا في فقر مدقع، بحسب أحدث بيانات الأمم المتحدة.

صنعت الصين "المجد" إذ كانت أميركا نائمة

في السنوات القليلة الماضية، يمكن للمتابع للشأن الكونغولي أن يلاحظ مبادرات أميركية متعددة تهدف إلى تعميق نفوذها الاقتصادي هناك وملاحقة النفوذ الصيني الذي تنامى بسرعة خلال العقدين السابقين.

إعلان

وربما كانت المبادرة الأميركية الأهم هي تلك التي أعلنت عنها الولايات المتحدة في بيان مشترك مع الاتحاد الأوروبي في سبتمبر/أيلول 2023 لإحياء وتطوير وتوسيع ممر لوبيتو العابر لأفريقيا، وهو الممر الذي من المفترض أن يتشكل من خط للسكك الحديدية بطول 1300 كيلومتر، ممتدا من ميناء لوبيتو على ساحل المحيط الأطلسي متجها شرقا عبر أنغولا إلى الحدود مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، وعلى مسافة قريبة من الحدود الزامبية، ويسير المشروع مسافة 400 كيلومتر داخل الكونغو، ويصل في نهاية المطاف إلى مناطق التعدين المهمة.

ويُعد هذا الطريق منافسا لمبادرة الحزام والطريق الصينية في أفريقيا، إذ سوف تستثمر الولايات المتحدة من خلال هذا المشروع 100 مليون دولار في الكونغو الديمقراطية وزامبيا، إضافة إلى 450 مليون في أنغولا، وهو أكبر استثمار للولايات المتحدة في أفريقيا كلها. وباكتمال المشروع سيوفر خط سكة حديد قادرا على التعامل مع 5 ملايين طن سنويا من البضائع ونقلها من الكونغو وزامبيا، في إطار محاولة تضخيم إمكانات الوصول وبناء سلاسل التوريد لما يسمى بالمعادن الحرجة (Critical Minerals) الموجودة في تلك المناطق.

بالتوازي مع ذلك، كثفت الولايات المتحدة حملاتها الدعائية ضد نشاط الصين في أفريقيا، لوصفها بأنها قوة إمبريالية تسعى لاستغلال الكونغو ومص دمائها، وأن أنشطتها هناك تضر بالبيئة والمواطنين وتؤجج الصراعات والعنف، كما تنتهك حقوق الإنسان والعمال، واتهمت الولايات المتحدة الأميركية الصين باستغلال عمالة الأطفال في الكونغو.

ومنذ عام 2021، يبدو أن الولايات المتحدة قد استفاقت على تمدد النفوذ الصيني، فحاولت مزاحمته عبر مساعدة الكونغو في تسهيل الاقتراض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لكسب صداقتها، كما منحتها 1.6 مليار دولار على مدى 5 سنوات تحت بند التعاون المشترك، وأرسلت فريقا ممن سمّتهم "الخبراء" إلى مكتب رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 2020 لتقديم الاستشارة له فيما اعتبرته "مكافحة الفساد وإرساء الحوكمة".

إعلان

هذا فضلا عن تعاقد الحكومة الكونغولية مع شركة المحاماة الأميركية "بيكر ماكنزي" عام 2019 وتوظيفها خبراء قانونيين أميركيين في الكونغو لإجراء ما يسمى بعمليات التدقيق لمكافحة الفساد، في ظل الدعم المالي المقدم لهذه العملية من وزارتَيْ الخارجية والخزانة الأميركيتين.

ومن ثم دفعت الولايات المتحدة الأميركية الكونغو من ناحية أخرى إلى مراجعة ما يمكن مراجعته من العقود مع الشركات الصينية ذات النفوذ الكبير في البلاد، علما بأن القروض التي تلقّتها الكونغو من المؤسسات الدولية كانت مشروطة بإصلاح قطاع التعدين ومراجعة العقود الصينية، وهو ما حدث بالفعل، وإن كان على نطاق صغير لم يغير شيئا كبيرا من المشهد العام الذي تسيطر عليه الصين.

خريطة الكونغو الديمقراطية (الجزيرة) ضريبة المجيء متأخرا

ولكن يبدو أن استفاقة الولايات المتحدة قد جاءت متأخرة جدا، فالواقع أن الصين باتت تدير بالفعل نحو 80% من مناجم النحاس في الكونغو الديمقراطية، كما سيطرت على أكثر من 70% من قطاع التعدين في البلاد، ومن ثم أصبحت مهيمنة على نحو 60% من سوق بطاريات السيارات الكهربائية عالميا، وهذا السبق الصيني في مساحات شديدة الأهمية هو ما يحفز تخوفات الغرب من مستقبل تتحكم فيه الصين في الموارد الضرورية للريادة الاقتصادية، إذ تعالج الصين بنفسها الآن 80% من الكوبالت حول العالم تمهيدا لاستخدامه في مختلف الصناعات الجديدة.

وتظهر الولايات المتحدة الأميركية في الصورة العامة متخلفة كثيرا عن الصين في قطاع المعادن الحرجة، إذ لا تمتلك الولايات المتحدة إلا منجما واحدا في ولاية كاليفورنيا لإنتاج تلك المعادن، ومن المتوقع أن يستغرق هذا المنجم نحو 15 عاما حتى يستطيع توفير 15% فقط من الإنتاج العالمي، وهو ما سيظل نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بحجم سيطرة الصين على هذا القطاع.

الواقع أن ما حققته الصين في الكونغو كان نتيجة لعمل دؤوب وتخطيط مسبق واستغلال اللحظات الفارقة، فلطالما ضغط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الكونغو من أجل خصخصة قطاعات التعدين منذ سبعينيات القرن العشرين، وبحلول عام 2002 أصدرت الكونغو الديمقراطية بالفعل قانونا جديدا للتعدين يوفر امتيازات كبيرة للشركات الأجنبية وضرائب منخفضة، بالإضافة إلى حظر قانوني على تعديل أي عقد لمدة عشر سنوات، وقد تربَّحت النخبة السياسية الكونغولية كثيرا من هذا التعديل القانوني، إذ تواطأت مع الشركات الأجنبية من أجل تحقيق مكاسب شخصية صغيرة مقارنة بما حصلت عليه الشركات الأجنبية نفسها.

إعلان

لكن المؤسسات المالية الكبرى، التي ضغطت من أجل الخصخصة وانفتاح مجال التعدين في البلاد، فوجئت بطوفان صيني قادم يستحوذ على الامتيازات الجديدة وينافس الشركات متعددة الجنسيات. وقد دخلت الصين تلك الساحة وبصحبتها عامل قوة مهم يمنحها التفوق على منافسيها الغربيين، فهي لا تُبدي رغبة في التدخل في سياسة البلاد، بمعنى أنها لا تستخدم نفوذها الاقتصادي من أجل توجيه الدولة سياسيا كما تفعل الولايات المتحدة عادة.

وثمة اتفاق بين المهتمين بالشأن الأفريقي على أن الولايات المتحدة الأميركية كانت غافلة عن تصاعد النفوذ الصيني في أفريقيا، ولم تلتفت بجدية لإرساء إستراتيجيات ردع فعالة، وأن الصين تبدو الآن متفوقة بقوة على الغرب في ساحة الكونغو خصوصا والساحة الأفريقية عموما.

وفي استطلاع أجرته شركة التحليلات الأميركية "غالوب" في عام 2024، شمل أكثر من 130 دولة لتصنيف مقدار القوة الناعمة للدول الكبرى، تبين أن الولايات المتحدة الأميركية قد فقدت مكانتها باعتبارها القوة العالمية الأكثر تأثيرا في أفريقيا لصالح الصين، إذ انخفضت نسبة صورة المكانة القيادية للولايات المتحدة إلى 56% عام 2023، بعد أن كانت 59% عام 2022، في حين ارتفعت نسبة الصين إلى 58% عام 2023 بعد أن كانت 52% فقط عام 2022، متقدمة بنقطتين على الولايات المتحدة.

كذلك بات العديد من القادة الأفارقة ومنهم الرئيس الكونغولي نفسه، فيليكس تشيسيكيدي، يصرحون بأن الصين وروسيا يتعاملون مع البلاد الأفريقية بشكل أفضل وبشفافية اقتصادية أوضح من الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة الأميركية مع بلادهم، التي تتسم دائما بالتجاهل والاستعلاء وممارسة النفوذ الإمبريالي وليس الشراكة البناءة للطرفين.

ماذا يجني الكونغولي من هذا الصراع؟

إذا لم تكن تعرف شيئا عن الاقتصاد العالمي، وكان عليك أن تتوقع مقدار ثراء الدول من خلال نظرة متجردة لثرواتها، فربما ستعتقد أن الكونغو الديمقراطية واحدة من أغنى دول العالم على الإطلاق، وكيف لا وهي تمتلك احتياطيات معدنية غير مستغلة حتى الآن بقيمة تفوق 24 تريليون دولار أميركي، بالإضافة إلى نصف موارد المياه في أفريقيا، و80 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة قادرة على إطعام قارة أفريقيا بأكملها وليس الكونغو فقط. إنها باختصار دولة متكاملة تمتلك كل مقومات الثراء.

إعلان

لكن الكونغو التي وُهبت ثروات لا تُحصى، لا تلعب حتى الآن في مسرح الاقتصاد العالمي سوى دور أرض المواد الأولية، وفي بعض الأحوال تتسبب ثرواتها الهائلة في ازدياد فقرها، حيث تحفز القوى العالمية الكبرى على استغلالها، وتحفز أيضا النزاعات العكسرية والميليشياوية داخلها، والمحصلة هي أن الكونغو من أغنى دول العالم من حيث الموارد ومن أفقرها من حيث دخل السكان. 

تحتل الكونغو المرتبة 180 بين 193 دولة في مؤشر التنمية البشرية لعام 2022، وبحسب بيانات البنك الدولي فإن نحو 75% من سكان الكونغو الديمقراطية يعيشون على أقل من 2.15 دولار أميركي يوميا، بينما يعيش واحد من كل ستة كونغوليين في فقر مدقع، وتعاني الدولة من ارتفاع معدل وفيات النساء أثناء الحمل والولادة بنسبة تقارب ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.

وتعاني الكونغو أيضا من نقص في الطرق المعبدة الصالحة لمختلف الظروف المناخية لا يضاهيه أي نقص في دولة مقاربة لحجمها، ولتوضيح حجم مشكلة الطرق، فإن مساحة دولة أخرى مثل المملكة العربية السعودية هي مساحة الكونغو نفسها تقريبا، ولديها أقل من نصف عدد السكان، لكنها تمتلك طرقا معبدة أكثر بعشرين مرة من الكونغو.

في الواقع، لم يحصل المواطن الكونغولي على عوائد المنافسة الدولية على الثروة المعدنية في بلاده، فعمال المناجم، وهم ما يقرب من نصف مليون رجل وامرأة وطفل، يعملون بدون الحد الأدنى من معدات السلامة، ليستخرجوا المعادن التي لا غنى عنها في أهم الصناعات التكنولوجية العالمية، التي للمفارقة لن يستمتع عامل التعدين الكونغولي البسيط في الغالب بأيٍّ منها.

لم يحصل المواطن الكونغولي على عوائد المنافسة الدولية على الثروة المعدنية في بلاده (رويترز)

وبحسب بحث مطول لمعهد "تراي كونتيننتال" للأبحاث الاجتماعية، فإن ظروف العمل في قطاع التعدين في الكونغو تجعل معدل استغلال العمال الكونغوليين الذين يسهمون بشكل أساسي في إنتاج جهاز "آيفون" أعلى بخمس وعشرين مرة من معدل استغلال عمال المنسوجات في مستعمرات بريطانيا خلال القرن التاسع عشر، بل إن أسعار المنتجات الرقمية تنخفض عالميا وتحقق الشركات العالمية أرباحا ضخمة بسبب قلة الإيرادات التي تحصل عليها الكونغو ومواطنوها أثناء عملية الإنتاج.

إعلان

ولا يعني هذا أن الصين وحدها هي مَن تصنع هذا المشهد القاتم للعامل الكونغولي، فالواقع أن الشركات متعددة الجنسيات تلعب دورا كبيرا أيضا في ذلك المشهد، إذ يسهم جميع المتنافسين الدوليين في كبت الأجور والحفاظ على انخفاضها بشكل لا يتناسب مع قيمة العمل، على سبيل المثال شركة "جلينكور" البريطانية السويسرية حين كثفت من استخدام عمال المناجم من أجل زيادة الإنتاج من الكوبالت، انخفض الأجر المدفوع للعمال من 40 دولارا لكل رطل إلى 13.50 دولارا.

على جانب آخر، فإن الصراع الدولي على الكونغو ومعادنها يجعل شبح الاقتتال الأهلي الواسع حاضرا بقوة، ففي خطاب حديث لمفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، رسم صورة قاتمة للواقع في الكونغو الديمقراطية، حيث تتدهور الأوضاع بصورة متسارعة بسبب العنف المتصاعد، والمصالح الإقليمية والدولية، والأعمال التجارية الاستغلالية، وضعف سيادة القانون، مؤكدا أنه نتيجة لهذه العوامل المختلفة فإن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في تزايد مستمر في شرق البلاد تحديدا، وقد نزح 940,000 مواطن كونغولي إضافي هذا العام بسبب أعمال العنف، ليتخطّى العدد الإجمالي للنازحين داخليا في البلاد إلى 6.4 ملايين شخص.

لكن على جانب آخر، وجَّه المفوض أيضا دعوة يحث فيها الدول التي تدعم الجماعات المسلحة في الكونغو، وتحديدا جماعة "23 مارس"، على أن تُنهي هذا الدور فورا، ويُذكر أن جماعة "23 مارس" المسلحة تسيطر على مناطق تعدين مهمة وتوفر العمالة القسرية من المواطنين هناك، ولذا فعادةً ما تقوم المظاهرات الكونغولية المنددة بالجماعة بإشعال النار في أعلام الدول الغربية إلى جانب رواندا، باعتبارهم الداعمين لتلك الجماعة من وجهة نظر قطاع واسع من الكونغوليين.

وفي الأسبوع الأخير من يناير/كانون الثاني الماضي، شن متمردو حركة شرق الكونغو الديمقراطية في يوم 23 مارس/آذار هجوما أدى إلى مقتل قرابة 1000 مواطن، واستولى المتمردون الذين تقودهم عِرقية التوتسي على غوما، وهي أكبر مدينة في شرق البلاد وعاصمة إقليم شمال كيفو الذي يضم مناجم الذهب والكولتان والقصدير.

إعلان

ترسم صورة الثروة المعدنية في الكونغو ملمحا قاتما من ملامح اختلال توزيع الثورة وتقسيم العمل والأرباح عالميا، إذ لا تزال دول ما بعد الاستعمار في الجنوب العالمي تعاني من صور وأنماط جديدة للاستعمار الاقتصادي، الذي يتبعه الاستغلال السياسي، وضعف نفوذ الدولة، وتصاعد التهديدات الأمنية والاجتماعية إلى مستويات شديدة الخطورة على الأمن الإنساني في بلدان لم تحظَ بعد بالقدر الأدنى من العدالة وحفظ الحقوق.

مقالات مشابهة

  • لندن تدعو لاحترام سيادة الكونغو الديمقراطية
  • الموت يلاحق 22 مدنياً.. فروا من المتمردين فكان الماء بانتظارهم في الكونغو
  • معارك الكونغو الديمقراطية.. عرض حول العوامل الداخلية والخارجية
  • اجتماع إقليمي بتنزانيا حول معارك الكونغو الديمقراطية
  • فرنسا ترحب بقرار مجلس الأمن بشأن سحب القوات الرواندية من شرق الكونغو الديمقراطية
  • دماء على الآيفون.. لماذا يشتعل الصراع بين الصين وأميركا على الكونغو الديمقراطية؟
  • مجلس الأمن يحث رواندا على وقف دعم حركة إم 23 في شرق الكونغو الديمقراطية
  • 42 ألفا فرّوا من الكونغو الديمقراطية إلى بوروندي
  • رغم التوتر.. المعادن الاستراتيجية على طاولة كييف وواشنطن