لجريدة عمان:
2025-04-03@09:07:23 GMT

على هامش أوبنهايمر

تاريخ النشر: 22nd, August 2023 GMT

مبتدئا بمشهد مشحون بالعواطف المتضاربة وإيحاء بالظلم والتسلط تتعرض له الشخصية الرئيسية للفيلم استطاع فيلم أوبنهايمر الذي يحوي حوارات مطولة ومادة علمية، فيلم طويل نسبيا يحتاج لقدر من التركيز والتفكير لفهم محتوى أحداثه، أن يجذب أعدادا هائلة من الجماهير وربما انتهت المشاهدة كل مرة بالتصفيق. إن وضعْنا جانبا قوة الترويج وما يتعلق بها والتي تعد عاملا مفصليا في نجاح أي فيلم فإن النقاد أسهبوا كثيرا في تحليله فنيا مشيرين إلى براعة المخرج الفنية وأداء الممثلين.

ولكن ربما إضافة إلى كل ما قيل سابقا فإن ارتباط الفيلم بموضوع واقعي ورغبة الناس في معرفة تلك الشخصية الإشكالية التي تسببت في مأساة إنسانية ما زالت آثارها عالقة إلى الآن، معرفة تلك الحيرة الأخلاقية «إن وجدت»، ما دار حقا في تلك اللحظات الحاسمة التي تقرّر فيها مصير آلاف من الناس الأبرياء هو أحد عوامل اهتمام الناس به. الفيلم هو توثيق لجزء من حياة أوبنهايمر المُلقب بأبي القنبلة الذرية تحديدا الفترة التي أسس فيها قسم الفيزياء في جامعة بيركلي ومن ثم اختياره ليكون رئيس مشروع مانهاتن حيث صُنِعت القنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما وناغازاكي أعقاب الحرب العالمية. وقد بُني على مادة السيرة المنشورة من قبل كاي بيرد ومارتن ج شيروين في كتابهما الذي حاز على جائزة البولتيزر: برومثيوس الأمريكي.

رغم أنه يعد فيلما روائيا فإن موضوعه لحد كبير هو موضوع توثيقي وهناك جدل كبير بين الباحثين حول هذا الخط الوهمي الفاصل في بعض الإنتاج الفني بين ما يعد روائيا بحتا أو يمكن أن يُدرج تحت الأفلام الوثائقية.

بالطبع كان الفيلم محمّلا بأجنداته الخاصة فهو منذ البداية كان قائما على جذب التعاطف لليهود «الذين دأبوا منذ الحرب العالمية الثانية على جعلها برمتها تدور حولهم وحول الظلم الذي تعرّضوا له وضمنيا كانت تلك الإشارات إلى ذكائهم وعبقريتهم وخدمتهم للعلوم من خلال الإشارة ليهودية عدد من العلماء في الفيلم من بينهم أوبن هايمر ذاته».

وبالطبع كعادة الأفلام الهوليوودية فإن الهدف الأولي لها هو تبجيل الولايات المتحدة الأمريكية، تبيان إنسانيتها، تقديم المبررات لقراراتها حتى تلك القاسية واللاإنسانية والكارثية منها. صحيح أن الفيلم قدّم وجهات نظر من مثل أنه ربما لم يكن هناك داع حقيقي لإلقاء القنبلة وأن اليابان كان من الممكن أن تستلم أو تخسر لكن حتى هذا كان يُعرض من منطق استعراض القوة وكان الحوار محمَّلا بالمبررات من مثل هي ضرورات الحرب إن لم نفعلها نحن فسيفعلها هم: الألمان/ اليابانيون/ هم غيرنا.. نحن أكثر رأفة؛ نحن نسعى لإيقاف الحرب لا أكثر. ورغم أن الفيلم تعرَّض لفكرة أن صناعة القنبلة الذرية ربما هي بداية لنهاية العالم فإن ذلك كان إشارة لسباق التسلّح والذي يعد ورقة سياسية تُستخدم متى ما خدمت مصالح بعينها. وما غاب عن الفيلم تماما هو صورة المأساة الحقيقية، ذلك الألم الحارق الذي بقي لعقود من الزمن، عرضه المخرج مستعينا بحيلة فنية في دقائق معدودة جدا من عمر الفيلم الذي امتد لثلاث ساعات. صوَّر الفيلم معاناة اليابانيين في صور تجريدية فيما يشبه الندم في نفس أوبنهايمر وهو يلقي خطاب النصر بين العلماء المشاركين وعائلاتهم حيث كانت أصوات التصفيق والطرق بالأرجل في شكلها الاحتفالي صاخبة وموجعة ووجوه الأمريكيين المحتفلين تتقشر وضحكهم أشبه بالبكاء.

لم يخلُ استقبال الفيلم من نقد يتناول هناته الفنية أو الموضوعاتية وإن كان على خجل ومن باب تحرّي الموضوعية، جل هذه المادة بالطبع وجهت للنخب. لكن في الجهة المقابلة أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة معاصرة جدا لعدد من المتابعين عرض آرائهم الساخرة حول الفيلم عبر تطبيقات من مثل التيك توك. لكن الحقيقة التي تؤكدها الأرقام أن الفيلم نجح نجاحا كبيرا وشهد إقبالا متزايدا ولنا أن نتصوَّر أن رسائله وجدت طريقها لعدد كبير؛ فحس النقد والمقاومة لتلقي مثل هذا التأثير لا يتوفر إلا في ظروف محدودة.

من هذا العرض نخلص إلى أنه، أولا: الإعلام الإنتاج المرئي تحديدا منه -الأفلام روائية كانت أو وثائقية بحتة- يعيد صياغة التاريخ أيضا وفق أجندات صانعيه. هنالك الكثير من أدبيات التاريخ المنشورة التي تقدّم وجهات نظر مناقضة لما عُرض في الفيلم، مع ذلك فقد نجح في جذب اهتمام هائل وربما موافقة للزاوية التي يعرضها. هو أداة قادرة على النفاذ إلى أذهان الناس وعقولهم ولن يكون من اليسير تغيير الحقائق التي يكرّسها ولكن هي صناعة تحتاج للإتقان.

ثانيا: من الواضح جدا أن الموضوعات الواقعية لا تفقد جاذبيتها أبدا إذا ما توفرت لها العناصر الأخرى: الجدلية/ التباين والصراع والغموض وقدر عال من الدراما. مادة فيها قدر ما من التشويق يمكن أن يكون بداية.

ثالثا: لغة الخطاب باتجاه واحد وتحكّم النخب بالتحليل والحوار في الموضوعات جملة من السياسة وحتى الإنتاج الأدبي والفني لم يعد مطلقا.. هي إمكانات جديدة تتيحها تطبيقات النشر الحديثة، فعلى سبيل المثال في الموضوع المذكور أعلاه تم نشر العديد من مقاطع التيك توك التي تسخر من طول الفيلم وتعقيد العرض بل جعلت من ثيمة الفيلم الأساسية وأجنداته مادة هزلية. صحيح أن تأثيرها كان محدودا جدا لكن أولا هي ظاهرة تستحق البحث والملاحظة ومتابعة إمكاناتها المختلفة. وتأثيرها المحدود جدا في سياق عالمي قد يكون عميقا ربما في بيئة أكثر استعدادا لتقبُّل ما يطرح. ربما هي قادرة على فتح نافذة على وعي مغاير لما يروَّج له وما هو سائد وبالتأكيد مثل كل ما يُنشر لا يجب أن تُفترض فيها المصداقية والأخلاقية دائما. لكن هي ظاهرة لا يمكن إغفالها.

وفي خلاصة أيضا أشتق هامشا ربما للتفكير والبحث عن الممكن وفرد الاحتمالات والافتراضات على مستوى أكثر محلية وخصوصية. قام الفيلم على نجاح كتاب السيرة الذي نُشر عن شخصية أوبنهايمر. بالطبع كتب التراجم والسير لها جمهورها ولديها القدرة على إعادة تشكيل فترات تاريخية في لحظات مكثفة من عمر شخوص الحكاية التي تسردها. هي تؤنسن الجدل ولحظات الخلاف. وربما الحرب والقتال والبؤس والظلم أو غيرها كالتفوق والنجاح، هي تعطي هذه الموضوعات والأحداث وجها وتؤسس بينه وبين القراء علاقة من خلالها تفهم موضوعات السياقات الأخرى التي يدور السرد في السيرة الذاتية/ الغيرية عنها. هذا النجاح الذي حققته المادة المنشورة في سردها لموضوع تاريخي والذي حاز الكاتبان إثره على جائزة هي من الجوائز الأكثر شهرة في الصحافة والأدب في الولايات المتحدة الأمريكية تضاعف وتضخم واتسعت رقعة تأثيره وتحولت رسائله وتأسست بتحويل تلك السيرة إلى عمل فني مرئي. أظن هذه النقطة الأخيرة: قيمة إمكانيات نصوص التراجم والسير الغيرية لدينا في سلطنة عمان وقدرتنا على تحويلها لأعمال تصويرية أخرى موضوع يستحق المقاربة.

د. ميّا الحبسي - كاتبة عمانية

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الأماكن المقدسة والدور الذي تقوم به اليمن في الحفاظ عليها

 

الأماكن المقدسة في الإسلام تتمتع بأهمية عظيمة، تجمع بين الأبعاد الدينية والتاريخية والروحية، مما يجعلها ركيزة أساسية في حياة المسلمين. من أبرز هذه الأماكن المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، والمسجد الأقصى في القدس، وتُعد هذه المواقع مراكز للعبادة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم التوحيد وتعظيم الله، حيث تتجلى فيها أسمى معاني الطاعة والخضوع للخالق، فالمسجد الحرام، على سبيل المثال، يحتضن الكعبة المشرفة التي تتجه إليها قلوب المسلمين في صلواتهم، وهو هدف الحجاج الذين يفدون إليه من كل بقاع الأرض لأداء فريضة الحج، بينما يمثل المسجد النبوي رمزًا للسيرة النبوية ومكان دفن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويجسد المسجد الأقصى قدسية خاصة كونه أولى القبلتين ومسرى النبي في رحلة الإسراء والمعراج.

إلى جانب دورها الديني، تُشكل هذه الأماكن نقاط التقاء حضارية وروحية للمسلمين من مختلف أنحاء العالم. فهي تجمع بين الأفراد تحت مظلة الإيمان الواحد، حيث يلتقي المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها لأداء الشعائر كالصلاة والحج والعمرة، مما يعزز الشعور بالأخوة والتضامن بينهم؛ وفي هذا السياق، فإن الأماكن المقدسة ليست مجرد مواقع جغرافية، بل هي رموز حية للوحدة الإسلامية، تحمل في طياتها ذكريات الأنبياء وتاريخ الأمة، وتُعبر عن الانتماء العميق للعقيدة التي تجمع المسلمين تحت راية “لا إله إلا الله”. ومن هنا، يبرز دور اليمن التي تقوم بواجبها تجاه هذه المقدسات، خاصة في دعم غزة عسكريًا؛ فقد اتخذت اليمن موقفًا شجاعًا ومتميزًا في مناصرة الشعب الفلسطيني، حيث تجاوزت حدود الدعم اللفظي إلى العمل العسكري المباشر، من خلال استهداف مواقع استراتيجية للكيان الصهيوني، وفرض حصار بحري على السفن المرتبطة به، مما يعكس التزامها الديني والأخلاقي بحماية الأماكن المقدسة ودعم المقاومة في مواجهة الاحتلال.

من جهة أخرى، تكتسب الأماكن المقدسة أهميتها من كونها جزءًا لا يتجزأ من الهوية الإسلامية والتراث الحضاري للأمة. فالمسجد الأقصى، على سبيل المثال، ليس فقط مكانًا للعبادة، بل شاهدًا على تاريخ طويل من النضال والصمود، حيث ارتبط بقصص الأنبياء مثل إبراهيم وموسى وسليمان وغيرهم (عليهم السلام)، وكان مسرحًا لأحداث عظيمة في التاريخ الإسلامي؛ كما أن المسجد الحرام والمسجد النبوي يمثلان مركز الإشعاع الحضاري الذي انطلقت منه رسالة الإسلام لتصل إلى العالم أجمع. هذا التراث يُشكل مصدر فخر واعتزاز للمسلمين، ويُذكرهم بمسؤوليتهم تجاه الحفاظ على هذه المقدسات. واليمن، بموقفها الداعم لغزة، تُجسد هذه المسؤولية عمليًا، حيث أثبتت أن الدفاع عن الأماكن المقدسة لا يقتصر على الكلام، بل يمتد إلى الميدان من خلال تقديم الدعم العسكري الذي يُعزز صمود الفلسطينيين ويُسهم في حماية المسجد الأقصى من الانتهاكات المستمرة.

علاوة على ذلك، فإن الدفاع عن الأماكن المقدسة وتحريرها إذا ما احتُلت يُعد واجبًا دينيًا يتجاوز حدود الشعور العاطفي إلى التكليف الشرعي؛ فهذه الأماكن تُمثل قلب الإسلام النابض ومصدر قوته الروحية والمعنوية؛ ورد في القرآن الكريم وصف المسجد الأقصى بأنه “الذي باركنا حوله”، مما يؤكد مكانته الخاصة وقدسيته العالية؛ وبالتالي، فإن أي تهديد يتعرض له أو احتلال يُفرض عليه يُعتبر اعتداءً على الدين ذاته، مما يستوجب على المسلمين الوقوف صفا واحدا لحمايته واستعادته؛ وفي هذا الإطار، يُعد الدور اليمني مثالًا حيًا للتضامن الإسلامي، حيث أظهرت اليمن قدرتها على تحويل الإيمان إلى فعل ملموس، من خلال عمليات عسكرية دقيقة ضد أهداف العدو، دعمًا للمقاومة الفلسطينية في غزة، مما يُعزز من مكانة الأمة في مواجهة التحديات ويُثبت أن الدفاع عن المقدسات ليس مجرد شعار، بل عمل يتطلب التضحية والشجاعة.

لذلك، تتجلى أهمية الأماكن المقدسة في كونها محورًا للإيمان والتاريخ والوحدة، ورمزًا للصمود والقوة؛ إنها تستحق من المسلمين كل العناية والجهد، سواء من خلال العبادة فيها، أو الحفاظ عليها، أو الجهاد في سبيل حمايتها واستعادتها إذا ما تعرضت للخطر أو الاحتلال؛ وتبرز اليمن كقدوة في هذا المجال، حيث أسهمت بدور إيجابي وفعّال في دعم غزة عسكريًا، مما يعكس التزامها بحماية المقدسات ومساندة الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال؛ فهي ليست مجرد حجارة ومبانٍ، بل تجسيد حي للعقيدة والهوية، وأمانة في أعناق الأمة يجب أن تُحافظ عليها

مقالات مشابهة

  • الأماكن المقدسة والدور الذي تقوم به اليمن في الحفاظ عليها
  • ما السيناريو الذي تخشاه روسيا بشأن أمريكا وايران 
  • ما الذي سيحدث؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟
  • السعودية.. تقليد رونالدو لصوت القطة على هامش تدريبات النصر يشعل تفاعلاً
  • الجندي السعودي الذي إتفق الجميع على حبه
  • استمرار عمليات البحث عن ناجين وسط الدمار الذي خلفه زلزال ميانمار
  • هذا دورنا الذي يجب أن نفعله لمن حُرموا فرحة العيد
  • هل تشمل المغرب؟ ترامب يعلن زيارة عدد من الدول العربية الشهر المقبل
  • (مناوي) الذي لا يتعلم الدرس
  • ترامب: قد أزور السعودية و قطر والإمارات ودولا أخرى الشهر المقبل