لجريدة عمان:
2025-04-05@18:03:18 GMT

عن الجمال الطبيعي

تاريخ النشر: 22nd, August 2023 GMT

أول ما يرد على أذهان الناس حينما تُذكَر كلمة «الجمال» هو تلك الصور أو الأشكال المعتادة للجمال في دنيا الحياة، وهي صور الجمال الطبيعي؛ ومنه الجمال البشري كما يتمثل في النساء خاصةً، وجمال المَشاهِد الطبيعية: كالغابات والبحيرات والأنهار والجداول، وغير ذلك مما لا يُحصى عدده ومما لا يراه الناس في عالم الواقع المُعاش! فالواقع أن الناس في أيامنا هذه قلما يشاهدون جمال السماء التي تزينها النجوم كمصابيح، بسبب الابتعاد عن الطبيعة والعيش داخل أبنية مرتفعة ومتلاصقة تحجب عنهم عالم الطبيعة الذي فتن كانط، فقال: «شيئان يملآن النفس بالإعجاب والروعة: السماء المرصعة بالنجوم من فوقي، والقانون الخُلقي في باطني».

ومع ذلك، فإنه حتى أولئك البشر الذين تفتنهم الطبيعة لا يدرون شيئًا عن جمالها الذي لا يرونه، ومنه جمال صور المجرة الأرضية وغيرها من مجرات الكون التي لا نراها بالعين المجردة، وإنما نراها من خلال أجهزة التلسكوب العملاقة المتطورة؛ ولقد شاهدت صورًا من ذلك النوع تفوق الخيال في جماليات تكوينها وألوانها، وكأنها لوحات من الإبداع البشري الفائق في مجال التصوير التعبيري التجريدي. هذا الجمال الطبيعي لا تدركه الأبصار، ولكنه موجود في الكون بصور لا تحصى؛ ومنه ما هو موجود من حولنا في عالمنا الأرضي ولكننا لا نراه؛ ويمكننا أن نذكر في هذا الصدد أن التشكيلات الجمالية توجد حتى في نُدف الثلج، وهي التشكيلات التي قام بتصويرها عالم يُدعى بنتلي Wilson Bentley عبر عقود عديدة مستخدمًا كاميرات بدائية فيما مضى، والتي تم جمع الآلاف من صورها، ونُشِر بعضها فيما بعد في كبريات المجلات العلمية مثل Nature، و National Geographic، وأصبحت مصدرًا خصبًا من الصور التي يستلهمها المصورون وينهل منها المشتغلون بالتصاميم الفنية في صناعة النسيج والسجاد.

ولا شك في أن الكثرة الهائلة من صور الجمال الطبيعي التي تتجلى فيما نراه وفيما لا نراه، إنما تعد دليلًا قويًّا على وجود الخالق الذي يُوصَف بأنه «المصوِّر الأعظم»، باعتباره الخالق البارئ المُصوِّر. وهذا الدليل الذي أسميه «دليل الجمال» يمكن أن يضاف إلى الأدلة على وجود الله (وأرجو أن يُنسَب مسمى هذا الدليل إليَّ متى أراد أن يقتبسه أحد من الباحثين). وفحوى هذا الدليل أن صور الجمال المرئي واللامرئي في الكون هي من الكثرة بحيث لا تحصى، فهي إذن ليست مجرد مصادفات؛ كما أنها لا يمكن تسويغها وفقًا لمنطق الضرورة (كما في نظرية دارون على سبيل المثال)؛ فليست هناك أية ضرورة على الإطلاق تسوّغ هذا الجمال الهائل في التشكيلات اللونية على ريش بعض الطيور (كالطاووس والببغاوات) كيما تستمر في البقاء: فهذا الجمال المذهل على ريش هذه الطيور لا علاقة له بوظيفة الريش في التدفئة أو الطيران أو حتى إثارة الدافعية الجنسية. ومثل هذا يمكن أن يُقَال عن التشكيلات اللونية البديعة التي نجدها على جلد بعض الأسماك؛ فليست هناك وظيفة نفعية لهذا الجمال كي تبقى كأنواع حيوانية، بل إن العكس هو الصحيح، أعني أن هذه التشكيلات اللونية البديعة في بعض الأسماك، لا توجد غالبًا إلا في أسماك صغيرة لا تصلح لشيء، فهي لا تصلح حتى للأكل؛ وإنما تصلح فحسب للزينة! فالأسماك تتناسل وتتكاثر بصرف النظر عن جمال شكلها وهيئتها، بل إن من المفارقات المدهشة في هذا الصدد أن الأسماك التي تمتاز بألوان فائقة الجمال هي أسماك لا تصلح حتى للأكل.

والواقع أن هذا الأمر ذاته يذكرني بالجمال البشري نفسه الذي لا نجده فحسب في الشكل أو التكوين البشري للوجه والجسم، وإنما نجده حتى في الصوت البشري: فقد حبا الله البشر بملكات من الصوت بحيث لا يكون الصوت البشري مجرد أداة لتبليغ الكلام، وإنما يمتاز بقدرات على التنغيم والتعبير يمكن أن تبلغ درجة فائقة من الجمال، وهذا ما نجده في الأصوات الغنائية البديعية التي تبدو بوصفها إبداعًا إلهيًّا خالصًا، لا يمكن تسويغه أو تفسيره إلا بهذا الاعتبار: أعني باعتباره إبداعًا خالصًا. هذا الإبداع الإلهي الخالص هو ما نسميه عادةً بالموهبة. كنت أدعو الطلبة الذين أُلقي عليهم دروسي في علم الجمال، كنت أدعوهم إلى تأمل هذا الأمر، فأقول لهم: لقد حبا الله معظمنا بنعمة النطق والكلام، ولكنه حبا قلة منا بجمال الصوت، وحبا ندرة من البشر بالقدرات الفائقة في التعبير الجمالي عن هذا الصوت والتلوين فيه. ولكي أشرح معنى ما أقول لطلبتي، كنت استخدم مثالًا عمليًّا يُقرِّب المسألة من أفهامهم؛ فكنت أدعوهم إلى تأمل صوت المطربة الفذة: ليلى مراد. وهي مطربة فذَّة لأن الله أرادها أن تكون كذلك، أعني أراد أن يمنحها تلك القدرة الصوتية التي تتبدى في مدى اتساع الصوت، والقدرة على التنغيم في كل موضع من هذه المساحات الصوتية العريضة من دون جهد أو عناء، أعني من دون ذلك الجهد والعناء الذي يتبدى على وجوه المطربين العاديين إن حاولوا ملء تلك المساحات الصوتية، فترى عروق رقابهم نافرة بفعل شد الأحبال الصوتية، وترى شفاههم تنفرج إلى أقصى درجة وكأنهم يريدون الصراخ كي يبلغوا الطبقة الصوتية التي تبلغها ليلى مراد بكل سهولة، وبانفراجة ضئيلة للشفتين وكأنها ابتسامة عابرة!!

وكل هذا يؤكد في النهاية أن الجمال البشري أو الجمال الطبيعي في عمومه، إنما هو إبداع كوني لا تفسير له سوى أنه إبداع إلهي! ومع ذلك، فإن هذا الجمال الطبيعي يظل مختلفًا عن الجمال في الفن، وهذا هو موضوع مقالي التالي.

د. سعيد توفيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة ومؤلف كتاب «ماهية اللغة وفلسفة التأويل».

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هذا الجمال إبداع ا

إقرأ أيضاً:

ورشة تدريبية حول فهم السلوك البشري

دبي: «الخليج»
نظّمت الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب بدبي ورشة تدريبية متخصصة حول توجهات الرؤى السلوكية، بالتعاون مع فريق الأمانة العامة للمجلس التنفيذي لإمارة دبي، وبمشاركة عدد من القطاعات التابعة للإدارة.
هدفت الورشة إلى استكشاف أحدث التوجهات والاستراتيجيات العلمية في مجال فهم السلوك البشري، وتسليط الضوء على سبل توظيف تطبيقات العلوم السلوكية في تطوير الخدمات الحكومية وصياغة السياسات العامة ذات الصلة. وشملت الورشة تقديم مقدمة شاملة حول المفاهيم الأساسية لعلم السلوك.
كما تضمنت الورشة عدداً من التمارين التفاعلية، التي أسهمت في تعزيز الفهم التطبيقي للمشاركين.
وأكد العميد عبد الصمد حسين البلوشي، مساعد المدير العام لقطاع شؤون الريادة والمستقبل، أن هذه الورشة تعكس التزام إقامة دبي بتبنّي الأساليب العلمية الحديثة التي تدعم الابتكار الحكومي، وتعزز مرونة العمل المؤسسي، وقال: «نحرص في الإدارة العامة على تمكين كوادرنا بالأدوات والمنهجيات السلوكية التي تساعدهم في تصميم خدمات ذكية، تستجيب باحترافية ووعي لاحتياجات الجمهور، وتسهم في تعزيز مستوى رضا المتعاملين».

مقالات مشابهة

  • بالكاش مايوه.. نسرين طافش تشعل السوشيال ميديا في أحضان زوجها (صور)
  • المغرب يستعد لبناء محطات كهربائية تعمل بالغاز الطبيعي
  • بالأسماء... هذه التشكيلات الجديدة في شعبة المعلومات
  • كباش حكومي على التشكيلات الديبلوماسية
  • ورشة تدريبية حول فهم السلوك البشري
  • الحزن يخيم على أهالى منشأة الجمال بالفيوم عقب وفاة عامل بليبيا
  • أوروبا تحتاج إلى 250 شحنة إضافية من الغاز الطبيعي المسال لإعادة ملء مخازن الغاز
  • خلل في تحديث iOS 18.4 يعيد تطبيقات آيفون المحذوفة
  • التشكيلات والتعيينات القضائيّة على سكّة الحكومة ومجلس القضاء
  • تحذير.. علامات غير متوقعة تكشف سرطان الحنجرة