هل يُرفع الصليب عن العلم وتودع بريطانيا المسيحية قريبا؟
تاريخ النشر: 22nd, February 2025 GMT
أظهرت أرقام مكتب الإحصاء الوطني أن الإسلام كان الدينَ الأكثر انتشارًا في بريطانيا خلال العقد الثاني من الألفية الحالية (بيكساباي)
في عام 2011، نزلت بيانات مكتب الإحصاء الوطني للتعداد السكاني في بريطانيا على الكثيرين كالصاعقة، فالإحصاء الذي وُصف آنذاك بأنه الأكثر دقة وشمولا في البلاد، أثبت تضاؤلا ملحوظا للحضور المسيحي في المملكة المتحدة، إذ أكدت الإحصاءات أن المسيحيين في إنجلترا وويلز يمثلون 59% فقط من السكان (ما عادل وقتها 33.
رغم أن الأرقام أثارت الكثير من النقاشات، فإنها لم تكن تحمل مؤشرًا خطيرًا بالنسبة للمؤسسات المسيحية في إنجلترا، إذ كانت أغلبية السكان ما زالت تعتنق المسيحية رغم أن عددهم تقلص بمقدار 4 ملايين شخص مقارنة بعام 2000. وطمحت الكنائس في المملكة المتحدة إلى أن تُغيّر السنوات اللاحقة من طبيعة المشهد بحيث تستطيع البلاد أن تعود لتقف فوق البساط الذي سُحب من تحت أقدامها.
ومن ثم فقد قالت كنيسة إنجلترا آنذاك إن "هذه الإحصاءات تمثل تحديًا لنا، لكنها تؤكد أننا ما زلنا أمة مؤمنة"، كما قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في عام 2014: "أعتقد أننا يجب أن نكون أكثر ثقة في وضعنا كدولة مسيحية، وأن نكون أكثر طموحا في توسيع دور المنظمات القائمة على الإيمان، بل وبصراحة، أكثر استعدادًا للتبشير بالإيمان الذي يدفعنا لإحداث فارق في حياة الناس". ولكن كان واضحًا من الأرقام أن الإسلام واللادينية يسحبان البساط من تحت أقدام الكنائس في المملكة المتحدة ويجتذبان المعتنقين.
مرت 10 سنوات ليظهر الإحصاء الجديد، ويؤكد أن الكنائس البريطانية لم تكسب التحدي الذي وضعته لنفسها. فمع حلول عام 2021 باتت نسبة من يعتبرون أنفسهم مسيحيين في إنجلترا وويلز تمثل أقل من نصف تعداد السكان، وبنسبة بلغت 46.2% فقط، وهو انخفاض كبير للغاية عما كان عليه الأمر في عام 2011.
وأصبح متوسط عمر المسيحيين في المملكة المتحدة مرتفعًا للغاية (51 عاما)، وهو أعلى متوسط عمر مسجل في تاريخ الإحصاء، وسط عزوف واضح من الشباب عن الدين، إذ كان من هم دون 40 عامًا أكثر ميلا إلى القول بأنهم غير مؤمنين بدين، كما انخفضت بشكل حادٍّ أعداد المصلين المنتظمين في الكنيسة خلال العقد الثاني من الألفية.
وعلى الجانب الآخر، أعلن 64.2% من 1200 كاهن مسيحي استطلعت صحيفة "ذا تايمز" آنذاك رأيهم بشأن الإحصاء، أن بريطانيا لم تعد دولة يمكن وصفها بالمسيحية.
أثبتت الإحصاءات أن اللادينية والإسلام هما الفَرسان الأكثر ربحًا من ناحية جذب المعتنقين الجدد في المملكة المتحدة، فبينما انخفضت نسبة المسيحيين، ارتفعت نسبة اللادينيين من 25% عام 2011 إلى 37.2% من السكان بحلول عام 2021 (ما يعادل 22.2 مليون شخص)، وارتفع عدد المسلمين من نسبة 4.9% إلى 6.5%. ومن المهم هنا معرفة أن 26% فقط من البالغين في إنجلترا وجزيرة ويلز يشاركون في أنشطة دينية أكثر من مرة واحدة في العام، بينما يشارك 9% فقط منهم في أنشطة دينية أسبوعية.
جدير بالذكر أن اللادينية التي تتحدث عنها أرقام مكتب الإحصاء لا تعني بالضرروة الإلحاد، فقد تعني للبعض اللاأدرية، أو أنهم ما زالوا في طريق البحث عن الدين، أو ربما يؤمن بعضهم باعتقادات روحانية معينة لا يدرجونها في خانة الدين، أو يؤمنون بإله خالق لكنهم لم يقتنعوا بدين بعينه.
على جانب آخر، أظهرت أرقام مكتب الإحصاء الوطني آنذاك (والتي تُجرى كل عشر سنوات)، أن الإسلام كان الدينَ الأكثر انتشارًا في بريطانيا خلال العقد الثاني من الألفية الحالية، إذ ارتفع عدد المسلمين بزيادة مقدارها 1.2 مليون مسلم من عام 2011 إلى 2021، مشكلين 6.5% من تعداد السكان في البلاد (ما يعادل 3.9 ملايين نسمة).
وقد حققت الديانة الإسلامية هذه الزيادة في أعداد المعتنقين في مقابل انحسار المسيحية والزيادة الطفيفة في أعداد الهندوس من 1.5% من تعداد السكان في عام 2011 إلى 1.7% في عام 2021، بينما كانت الزيادة في نسبة اليهود أقل أيضًا من ذلك (من 256 ألف مواطن في 2011 إلى 271 ألفا في 2021). وكذلك ارتفع تعداد السيخ بنسبة ضئيلة للغاية من 0.8% إلى 0.9%، وربما يُعزى ذلك إلى الهجرة أكثر منها إلى التحول من بين أتباع الأديان الأخرى.
"الاستبدال العظيم"
نظرية الاستبدال العظيم باختصار، نظرية يؤمن بها العديد من أطراف أقصى اليمين في أوروبا، وهي نظرية مؤامرة تفيد بأن تنامي الهجرات من البلدان الإسلامية ومن أصحاب البشرة السمراء ستجعل أغلبية السكان الأوروبيين المسيحيين البيض يتناقصون، حتى تصبح أوروبا يومًا ما قارة إسلامية يمثل فيها البيض المسيحيون أقلية.
ورغم أن نظرية الاستبدال العظيم لا تجد الكثير من الصدى في المملكة المتحدة مثل دول أخرى كألمانيا وفرنسا، بحكم أن النموذج البريطاني من الأساس يمثل تجربة أكثر تعايشًا مع الإسلام، فإن أرقام مكتب الإحصاء الوطني حفزت اليمين المتطرف في البلاد لاستخدام نظرية المؤامرة تلك لوصف تراجع المسيحية في البلاد حتى باتت تمثل أقل من نصف السكان، في وقت يتصاعد فيه الإسلام داخل المملكة بسرعة كبيرة.
بحسب تقرير أعدته "يورو نيوز"، فإن المعلقين السياسيين المتطرفين في بريطانيا استغلوا هذه الأرقام في خطابهم، وبحسب رئيس الاتصالات والتحرير في معهد الحوار الاستراتيجي، تيم سكويريل، فإن الإحصاء أدى وقت ظهوره إلى ارتفاع ملحوظ في بريطانيا من ناحية الحديث حول نظرية المؤامرة المعروفة باسم "الاستبدال العظيم"، والحديث حول "الإبادة الجماعية للمسيحيين البيض".
وقد رأى سكويريل أنه على الرغم من أن قلة من السياسيين الكبار في بريطانيا قد يجرؤون على استخدام مثل هذه المصطلحات ونظريات المؤامرة، فإن نمو استخدام هذه المفاهيم في الجماعات الهامشية داخل المجتمع ينبغي أن يُنظر إليه بقلق.
جدير بالذكر هنا أن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وكلية كينغز في لندن، أجرتا استطلاعا في عام 2023 سألتا فيه المبحوثين عن نظرية الاستبدال العظيم، وقد وافق حوالي 10% من المستجوبين على أن تلك النظرية "حقيقية بالتأكيد" من وجهة نظرهم، في حين قال 20% من المستجوبين إن النظرية "ربما تكون صحيحة".
لكن، على كل حال، يبدو الواقع مخالفًا تمامًا للرأي القائل بأن التأثير الذي حدث في بريطانيا ناتج عن هجرات المسلمين إليها، فالواقع أن المسيحية انخفضت بشكل أساسي بسبب زيادة رقعة اللادينية.
صحيحٌ أن الإسلام كان الأكثر انتشارًا بين الأديان، لكنه مع ذلك لم يصل إلى معدل سرعة انتشار اللادينية في البلاد. كذلك، أوضح الدكتور جيمس ويليامز، وهو المحاضر الأول في تعليم العلوم بجامعة ساسكس، أن الكثير من المهاجرين يأتون من بلاد أفريقية مسيحية متدينة، ومن ثم فإنه لا يعتبر الظنَّ بأن الهجرة هي العامل الأساسي في دفع المسيحية إلى الأسفل؛ تفكيرا منطقيا.
كما يرى ستيفن إيفانز، الرئيس التنفيذي للجمعية العلمانية الوطنية في بريطانيا، التي تم تأسيسها عام 1866 والتي ناضلت -بحسب تعريفها لنفسها- على مدى سنوات طويلة من أجل فصل الدين عن الدولة في البلاد للوصول إلى نظام سياسي لا يجعل لأحد ميزةً بسبب انتمائه الديني، يرى أن الإحصاءات الأخيرة التي توضح انكماش عدد المسيحيين تؤكد أن المؤسسة الإنجليكانية ورجال الدين في الكنيسة بإنجلترا، والأساقفة المشرعين في البرلمان والعبادة اليومية في المدارس والبرلمان، والمدارس الدينية التي تمولها الدولة، كلها غير مناسبة وعفا عليها الزمن.
وبحسب البروفيسور وودهيد، من جامعة كلية الملك في لندن، فإن هذا الانخفاض في أعداد المسيحيين بالبلاد ناتج عن عامليْن رئيسيين، أولهما أنه بعكس المسلمين والهندوس الذين يهتمون بنقل دينهم إلى أطفالهم، لم يفعل الآباء المسيحيون ذلك، فبحسب آبي داي، وهي أستاذة العرق والإيمان والثقافة بكلية غولد سميث في جامعة لندن، فإن الجيل المعروف باسم "جيل طفرة المواليد" الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية، قد اختار العديدُ من أفراده في بريطانيا الخروج من القناعات الدينية بحلول ستينيات القرن الماضي، ومن ثم ربّوا أطفالهم على ألا يكونوا متدينين.
والعامل الثاني المتسبب في انخفاض أعداد المسيحيين مرتبط بالأول، فباختصار، بينما لم يُربِّ هذا الجيل أبناءه على التدين، بدأ جيل المتدينين يموت واحدًا تلو الآخر، فبدأت المسيحية البروتستانتية تنكمش في البلاد.
لكنْ هناك شيء أهم في تلك الإحصاءات، فبريطانيا ذات الصليب على العلَم لم يعد معظم مواطنيها مسيحيين، فهل يمكننا أن نسميها الآن دولة مسيحية؟ وإن لم تكن كذلك، فما الذي يمكن أن يتغير؟
هل بريطانيا دولة مسيحية؟
يقول الصحفي البريطاني كابيل لوفت إن "الحقيقة البسيطة هي أن المملكة المتحدة ليست في الواقع ديمقراطية ليبرالية علمانية رسميًا، إذ ما زالت لدينا كنيسة راسخة، يجلس بعض أساقفتها في الغرفة العليا من هيئتنا التشريعية. إن رأس دولتنا (الملك) هو المدافع عن الإيمان والحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا، وقد كان تتويجه طقسًا دينيًا، حيث تم إعلانه كحاكم مختار من قبل الله".
لأول مرة منذ ألف عام، لم تعد بريطانيا دولة مسيحية من ناحية عدد السكان، وهو أمر قد ينظر إليه البعض بدهشة، فقد كانت المسيحية البروتستانتية متغولة في البلاد إلى حدِّ أن الكاثوليك لم يُمنحوا حقوقهم السياسية الكاملة في المملكة المتحدة إلا مع حلول القرن التاسع عشر.
صحيح أن الكثير من المواطنين الإنجليز، حتى هؤلاء الذين لا يذهبون للصلاة في الكنيسة أو لا يعرّفون أنفسهم بوصفهم مسيحيين، ما زالوا يستدعون القساوسة ليرأسوا حفلات الزفاف والجنازات، وصحيح أن الكنيسة تشارك في الاحتفالات الوطنية الكبرى وتنشر شاشات التلفاز أنشطتها في هذه الاحتفالات، لكنّ اهتمام الشارع بشكل واضح قد تَحول من أخبار الكنيسة ومحتواها الديني إلى الانشغال بالانتماءات والصراعات في كرة القدم، وبأخبار القصر الملكي.
لقد خلصت لجنة الدين والمعتقد في الحياة العامة في بريطانيا "كوراب" عام 2015، إلى أن بريطانيا لم تعد دولة مسيحية، وعليها التوقف عن التصرف باعتبارها كذلك. ووجدت اللجنة بوضوح أن الانتماء المسيحي قد انخفض في مقابل ارتفاع الانتماء الديني غير المسيحي. وكما يتضح مما أثارته اللجنة، أن مسألة كون بريطانيا لم تعد دولة مسيحية مسألةٌ قد تصبح لها تداعيات سياسية، إذ إن المؤسسة الدينية منخرطة بشدة في المشهد العام الذي يُشكل بريطانيا التي نعرفها.
لتوضيح الأمر أكثر، فبحسب صحيفة بوليتيكو الأميركية، تحتل الكنيسة في المملكة المركز الثالث عشر ضمن أكبر مُلاك الأرض في البلاد، وهي ثرية للغاية وتمتلك محفظة بقيمة ملياريْ جنيه إسترليني، تشتمل على 105 آلاف فدان تمثل أراضي زراعية وغابات ومباني أثرية وحقوق تعدين. كما أن المملكة المتحدة هي الدولة الوحيدة بين الاقتصادات الغربية المتقدمة؛ التي تحتفظ رسميًا بفكرة "دين الدولة".
إضافة إلى ذلك، تدير كنيسة إنجلترا 4632 مدرسة حكومية في المملكة المتحدة. وبحسب صحيفة بوليتيكو فإن ثلث مقدمي التعليم الابتدائي والثانوي المدعوم حكوميًا في البلاد هم مدارس دينية، بينما تدير كنيسة إنجلترا وحدها 68% من هذه المدارس، وتعطي الأولوية في القبول بها لأبناء الآباء الملتزمين بالديانة المسيحية.
وبحسب الصحيفة نفسها، فإن الكثير من الآباء يضطرون لحضور الصلوات في الكنائس إلى اليوم الذي يضمن فيه أبناؤهم مكانهم في المدرسة. وفي المقابل، يُستبعد أبناءُ الآباء غير الملتزمين بالديانة من أقرب مدرسة ابتدائية حكومية لهم، لصالح أبناء الآباء المتدينين.
ومن جانب آخر، يجلس الأساقفة الأنجليكان ويصوتون في "مجلس اللوردات" (الغرفة العليا في برلمان المملكة المتحدة)، فبريطانيا واحدة من ثلاث دول في العالم تحتفظ بمقاعد في هيئتها التشريعية لرجال الدين، إذ يسمون "اللوردات الروحيين" وعددهم 26، وهم من أساقفة كنيسة الدولة الرسمية.
وجدير بالذكر أن مجلس اللوردات هذا يستطيع تأخير مشاريع القوانين لمدة تصل إلى عام كامل. وفي عام 2012، كان هناك مقترح بتخفيض عدد هؤلاء "اللوردات الروحيين إلى 12 فردا فقط"، لكن بحسب صحيفة بوليتيكو، ضغط الأساقفة ضد هذا التغيير، وكانت الحجة الشائعة آنذاك أن وجود هؤلاء الأساقفة في البرلمان يعطي البرلمان بعدًا روحياً وإلهيًا. كما أن بريطانيا تخصص حصة كبيرة من البث الإعلامي العام للبرامج المسيحية، ويرأس كبير أساقفتها حفل تتويج ملكها، كما حدث مع الملك تشارلز الثالث.
ونتيجة لهذا الحضور المكثف للكنيسة في بريطانيا، وبعد وضوح الأرقام والإحصاءات التي تؤكد أن المسيحية لم تعد دين الأغلبية المطلقة في المملكة المتحدة، بدأت العديد من المؤسسات العلمانية والأفراد في إعادة مساءلة هذا الحضور المكثف، مطالبين بإنهاء هذا الوضع الاستثنائي للكنيسة في دستور المملكة المتحدة، باعتباره وضعًا غير عادل ولا ديمقراطي من وجهة نظرهم..
في حين يرد آخرون داخل المملكة مثل مادلين بينينغتون، رئيسة قسم الأبحاث في ثيوس، وهو مركز فكر مسيحي في بريطانيا، بأنه حتى وإن لم تعد أغلبية المواطنين في المملكة مسيحيين من ناحية الأعداد، فإن التقاليد والمعايير والأخلاقيات المسيحية تظل موجودة بعمق في الثقافة السياسية للبلاد وفي دستورها، فبريطانيا ليست مسيحية ولا علمانية من ناحية إحصاء السكان، لكن المسيحية هي التي أثرت على خيالها السياسي ودستورها والطريقة التي هي عليها الآن أكثرَ من أي دين آخر.
هذا الرأي مشابه لما تراه أليك رايري، أستاذة تاريخ المسيحية في جامعة دورهام، ومؤلفة كتابي "البروتستانت.. الإيمان الذي صنع العالم الحديث"، و"الكافرون.. تاريخ من الشك"، فهي ترى أن العلامات الثقافية المسيحية موجودة في كل مكان، وبعض الناس لا يلاحظون ذلك، لأن تلك العلامات جزء من مياه البحر الذي يسبحون فيه فلا يشعرون بوجودها الكثيف.
وتضيف رايري، أن بلادها لها علاقة خاصة بالمسيحية، فهي الدين الذي ترتبط به المملكة المتحدة بعلاقة عميقة وقديمة يتخللها الحب والكراهية، وهي العلاقة التي جعلت البريطانيين على ما هم عليه الآن، بحلوه ومره، ومن ثم لا يمكن من وجهة نظرها؛ إعلان أن بريطانيا لم تعد مسيحية لمجرد أن غالبية السكان لم يعودوا يعتبرون أنفسهم مسيحيين.
المصدر: الموقع بوست
كلمات دلالية: مکتب الإحصاء الوطنی فی المملکة المتحدة کنیسة إنجلترا تعداد السکان أن بریطانیا فی بریطانیا دولة مسیحیة ی بریطانیا فی إنجلترا أن الإسلام الکثیر من فی البلاد من ناحیة انتشار ا ومن ثم فی عام الذی ی عام 2011
إقرأ أيضاً:
حرب اليمن: كيف يؤثر خفض المساعدات على البلاد؟
لا تدري أمل كيف يمكن لأسرتها أن تعيش في حال انقطاع أو انخفاض حجم المساعدات الغذائية التي تحصل عليها من المنظمات الدولية. في مخيم للنازحين شمالي اليمن، تسكن أمل مع أبنائها التسعة.
مثل أغلبية اليمنيين الآن، يعتمد سكان المخيم الذي يؤوي آلاف الأسر على الإمدادات الإنسانية التي توفرها الجمعيات الأهلية المحلية والدولية.
بصوت يئن من أعباء أجبرتها الحياة على تحملها، أخبرتني أمل عبر الهاتف أن "أي تقليص للمساعدات سيكون حكماً بالإعدام علينا".
وتتلقى أمل سلة غذاء شهرية من برنامج الأغذية العالمي تقول إنها لا تكفيها إلا لأسبوعين فقط. وحتى الحصول على هذه السلة لم يعد مضموناً بعد أن لجأت العديد من المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، للحد من أنشطة الإغاثة التي تمد أغلب اليمنيين بأسباب الحياة.
قرار تخفيض أنشطة توزيع المساعدات اتخذ بعد أن ألقى الحوثيون، المدعومون من إيران، القبض على 24 شخصاً من موظفي الأمم المتحدة بالإضافة لعدد آخر من العاملين بالمنظمات الإنسانية المحلية والدولية خلال الأشهر الماضية.
وفي يناير/ كانون الثاني، من هذا العام، قبض على مجموعة جديدة من موظفي هيئات الإغاثة الأممية، لم يعرف عددهم على وجه الدقة. وخلقت الاعتقالات حالة من الخوف قيدت حرية حركة المسؤولين عن توزيع المساعدات.
وتصنف الأمم المتحدة اليمن من بين أقل عشر دول في العالم نمواً، وفقاً لمؤشر التنمية البشرية، الذي يكشف عن مستوى رفاهية الشعوب. كما يحتاج أكثر من نصف سكان البلاد للإعانات، بحسب اليونيسيف.
اشترط كل من التقيناهم إخفاء هويتهم كي يتحدثوا إلينا، إذ يعيشون تحت سيطرة الحوثيين الذين يبسطون نفوذهم على المحافظات الشمالية وكذلك العاصمة صنعاء. ويخشى سكان تلك المناطق أن يتعرضوا للتنكيل أو الملاحقة الأمنية.
ولذلك، فقد استخدمنا أسماء مستعارة لكل الأشخاص في تلك القصة، كما نمتنع عن تحديد أماكن وقوع الأحداث على وجه الدقة.
تعول أمل أسرتها الكبيرة بمفردها، لأن زوجها مريض ولا يقوى على العمل. وتشعر أن الحياة قد كشرت عن أنيابها منذ أن بدأت رحلة نزوح شاقة وطويلة، قبل أكثر من 10 سنوات، حتى وصلت إلى هذا المخيم الواقع في صحراء قاحلة.
وتخبرني "لو انقطعت عنا إمدادات الغذاء والدواء، سيموت أبنائي. فإننا لا نملك شيئا من حطام هذه الحياة".
واضطرت أسرة أمل لمغادرة منزلها في عام 2015 بعد أن اندلعت المواجهات بين الحوثيين، أو حركة أنصار الله كما تطلق على نفسها، والتحالف الذي قادته السعودية للحيلولة دون تمدد نفوذ الحوثيين في اليمن.
وتنظر السعودية للحوثيين كذراع لإيران في الشرق الأوسط. وطالما تنافس البلدان على النفوذ الإقليمي. وترفض السعودية وغيرها من القوى السنية في المنطقة تنامي النفوذ الإيراني الشيعي في عدة دول عربية. وشن تحالف، قادته الرياض، غارات جوية مكثفة على مناطق وجود الحوثيين في جارتها الجنوبية، اليمن. ووفرت الولايات المتحدة وبريطانيا دعما لوجيستياً واستخباراتياً لهذا القصف الجوي.
التسول أم الموت جوعاً؟
يبلغ أصغر أبناء أمل التسعة نحو خمس سنوات، وتسكن الأسرة خيمة بلاستيكية بالية لا تقيها شر حرارة ولا تحميها من برودة. ولا يوجد في الخيمة أثاث يذكر، فلا أسرة ولا مقاعد ولا حتى أغطية ثقيلة يتدثرون بها من شتاء الصحراء القارس.
بعد أن تنفد سلة الغذاء الشهرية، تضطر أمل للخروج من المخيم لتمر على المطاعم والأسواق وتتسول بضعة أرغفة من الخبز أو قليلا من الأرز والعدس لتسد به رمق أبنائها التسعة.
وتقول "أشعر بالخزي وأنا أمد يدي بالسؤال. لكن ما من حيلة لدي. هل أترك أولادي يتضورون جوعاً؟" وكثيراً ما تجهش بالبكاء بسبب ضيق ذات اليد وشعورها بالعجز.
ويوضح برنامج الأغذية العالمي أن حوالي 70% من العائلات النازحة تكافح من أجل سد أبسط احتياجاتها من الغذاء.
مصير مجهول
في 10 من فبراير/ شباط الجاري، نعى برنامج الأغذية العالمي وفاة أحد موظفيه "أثناء احتجازه. وكان قد تم اعتقاله تعسفياً من قبل سلطات الأمر الواقع (الحوثيين) في 23 كانون ثان/يناير 2025. ودعا إلى إجراء إجراء تحقيق فوري وشفاف لمحاسبة المسؤولين عن تلك "المأساة المروعة غير واضحة".
يشعر عبد العزيز بقلق بالغ إزاء مصير موكليه إذ لا يعرف مكان احتجازهم حتى الآن. ويتولى الدفاع عن 14 شخصاً من موظفي المنظمات الإنسانية القابعين خلف القضبان منذ العام الماضي، من بينهم ثلاثة من العاملين بالأمم المتحدة.
ويخبرني أن "الاتصال انقطع معهم تماماً خلال الثلاثة أشهر الأولى من اعتقالهم".
وفي الشهور التالية، تمكن المحتجزون من إجراء مكالمات هاتفية معدودة وقصيرة لأفراد أسرهم "وتراوحت مدة المكالمة بين خمس وعشر دقائق". ولا يعرف عبدالعزيز إلام سيؤول مصير موكليه.
وحاولت بي بي سي التواصل مع الحوثيين لمعرفة المزيد من التفاصيل بخصوص كل عمال الإغاثة المحتجزين لكننا لم نتلق رداً.
عمال إغاثة ملاحقون
وتتصاعد المخاوف بشأن تدهور أحوال النازحين، في ظل استمرار ملاحقة الحوثيين للعاملين في منظمات المجتمع المدني. تتذكر هناء اللحظة التي دخلت فيها إلى مكتبها بالعاصمة صنعاء لتجد "الأبواب محطمة ومديري محاطاً برجال الأمن وكل محتويات المكتب من أجهزة وكاميرات وهواتف مصادرة". وتقول إن هذه المداهمة، التي تمت قبل بضعة أشهر، حُفرت في ذاكرتها للأبد.
تعمل هناء بمنظمة أهلية تمولها الولايات المتحدة وتنخرط في تمكين المرأة وتدريب الكوادر المحلية على حل المشكلات المجتمعية والسياسية عبر التفاوض. كما تتولى، بالتعاون مع جمعيات أخرى، استخراج أوراق ثبوتية للنازحين الذين فقدوا متعلقاتهم خلال النزوح، كي يبدأوا حياة جديدة.
لكنها رحلت عن صنعاء وتوجهت نحو جنوب البلاد البعيد عن نفوذ الحوثيين، بعد احتجاز مديرها واتهامه بالتخابر. فبعد يوم واحد من القبض عليه، جلست هناء أمام شاشة التلفزيون لتشاهد قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين وهي تبث ما وصفته باعترافات "شبكة التجسس الأمريكية"، في إشارة لمجموعة من الموظفين المحليين بالسفارة الأمريكية في صنعاء الذين ألقي القبض عليهم في عام 2021. وأغلقت السفارة أبوابها في عام 2015 بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة.
تخبرني هناء أنها شعرت حينها أن الرحيل قرار لا بد منه، لأن الحوثيين باتوا يستهدفون كل من يرتبط بأي جهة أجنبية.
"حملات تشهير"
وتعتقد هناء أن ملاحقة الحوثيين لمؤسسات المجتمع المدني تهدف لترهيب المواطنين. لكن أكثر ما يؤلمها هو كيفية استقبال الرأي العام لما تصفه بحملات التشهير التي نظمها الحوثيون ضد أفراد المجتمع المدني. وتقول "صدمت عندما طالعت مواقع التواصل الاجتماعي لأجد الناس مؤمنة بأننا عملاء وجواسيس".
بعد رحلة صعبة، نجحت هناء في الوصول لجنوب البلاد لتجلس "في بكاء متواصل لثلاثة أيام بعد أن فقدت الرغبة في تناول أي طعام". فقد كان وقع الصدمة أكبر من قدرتها على التحمل.
يتزايد خوف هناء حالياً بعد أن صنف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الحوثيين كجماعة إرهابية مؤخراً. وقد يصب الحوثيون جام غضبهم على كل العاملين بالمنظمات ذات التمويل الأمريكي عقب هذا التصنيف.
ويحصل اليمن على مساعدات ضخمة من الولايات المتحدة بلغت قيمتها الإجمالية نحو ستة مليارات دولار منذ أواخر عام 2014، وفق بيانات البعثة الأمريكية إلى اليمن.
ويأتي جزء كبير من تلك المساعدات عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) التي قرر ترامب مؤخراً تعليق عملها لمدة 90 يوماً حتى تتم مراجعة بنود الصرف. وصارت الكثير من المشروعات التي تمولها الوكالة في أكثر من مئة دولة حول العالم في مهب الريح بعد قراره بتخفيض العمالة وتجميد الحسابات المصرفية.
وحذرت منظمة هيومان رايتس ووتش من "التأثير المدمر" لسياسات الرئيس الأمريكي وكذلك "الاعتقالات التعسفية التي يمارسها الحوثيون".
وقالت نيكو جعفرنيا، الباحثة في شؤون اليمن والبحرين بالمنظمة الحقوقية، لبي بي سي، إن وضع الحوثيين على قائمة الإرهاب بجانب تجميد عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) سيؤدي إلى "تبعات ضخمة على تقديم المساعدات". وتوضح جعفرنيا أن الوكالة الأمريكية تضطلع بنحو ثلث المساعدات المقدمة لليمن.
عيادات بلا دواء
يعاني الكثير من أطفال المخيم من الإسهال والالتهاب الرئوي بسبب تردي مستوى المعيشة وقلة الغذاء وسوء الأوضاع الصحية. ولا يتوفر من سبل العلاج إلا أقل القليل.
وتظل رفوف بعض العيادات بالمنطقة خالية لأسابيع. وعلمت بي بي سي من العاملين هناك إن المخزون المتاح من الأدوية لا يقارن بحجم الاحتياج ولا بأعداد المرضى.
تواصلت بي بي سي مع عدة هيئات تابعة للأمم المتحدة للاستفسار بشأن سير توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين من دون أن نتلقى رداً.
لكن هانز غروندبرغ، المبعوث الإنساني الخاص لليمن، قال في كلمة أمام مجلس الأمن الدولي، إن ملاحقة الحوثيين لعمال الإغاثة ليست فقط "انتهاكاً لحقوق الإنسان الأساسية، بل تمثل أيضا تهديداً مباشراً لقدرة الأمم المتحدة على مساعدة ملايين المحتاجين".
"رضيت بقدري"
لا تتفاءل سميرة بشأن المستقبل. وتخبرنا أنها لم تعش يوماً واحداً طيباً منذ وفاة زوجها قبل سنوات. تسكن مع أمل في نفس المخيم، برفقة أبنائها الأربعة. وتتساءل سميرة بصوت مليء بالبؤس "ماذا سيحل بأبنائي إن مت؟! هذا هو السؤال الذي يقض مضجعي كل ليلة فيحرمني النوم".
وتلجأ سميرة لبيع نصف سلة الغذاء الشهرية التي تحصل عليها من برنامج الأغذية العالمي لأنها تحتاج للنقود كي تشتري عبوات مياه لأبنائها إذ لا توجد مياه في المخيم. ويلحظ من يتجول في المنطقة صفوفا طويلة من رجال ونساء وأطفال، يحمل كل منهم عبوات ضخمة لتوفير حاجتهم من المياه.
يعمل ياسر، ابن سميرة الأكبر، في غسيل السيارات كي يعين والدته على إعالة إخوته الصغار. كان يتمنى أن يذهب للمدرسة بل كان يحلم باستكمال دراسته خارج اليمن لكنه يقول باستسلام "هذا هو قدري وقد رضيت به".