محيي الدين: الدول النامية يمكنها تنفيذ أهداف اتفاق المناخ إذا حصلت على التمويل
تاريخ النشر: 22nd, August 2023 GMT
أكد الدكتور محمود محيي الدين، رائد المناخ للرئاسة المصرية لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة للتغير المناخي COP27 والمبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بتمويل أجندة ٢٠٣٠ للتنمية المستدامة، أن الدول النامية ستتمكن من تنفيذ أهداف اتفاق باريس للمناخ لديها شريطة حصولها على التمويل الكافي.
وقال محيي الدين، في مقال نشره الموقع الإلكتروني لصحيفة فاينانشال تايمز، إن التمويل الكافي هو المحرك الأساسي الذي تحتاجه الدول النامية لتنفيذ العمل المناخي لديها، موضحًا أن اقتصادات هذه الدول لن تتمكن من تخفيف الآثار الكارثية لتغير المناخ أو التكيف معها بدون توافر هذا التمويل.
وأفاد محيي الدين بأن صندوق المناخ الأخضر، الذي يلعب دورا هاما فى تمويل العمل المناخي، يشهد هذا العام عملية هامة لتجديد موارده، حيث ستحدد مساهمات الدول من خلال هذه العملية مقدار التمويل الذي يمكن للصندوق اتاحته على مدى السنوات الأربع المقبلة، لافتًا إلى أن مؤتمر الأطراف السابع والعشرين الذي استضافته شرم الشيخ في نوفمبر الماضي شدد على أن هذه العملية الطموحة لتجديد موارد للصندوق الأخضر للمناخ يمكنها المساهمة في بناء الثقة بين الدول النامية والمتقدمة فيما يتعلق بالتعامل مع أزمة المناخ الطارئة.
وأوضح أن صندوق المناخ الأخضر تم تدشينه من خلال اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في عام ٢٠١٠ بهدف تقديم التمويل للدول النامية للتعامل مع أزمة المناخ، مضيفًا أن هيكل إدارة الصندوق يتسم بالتوازن بين الدول المساهمة والدول المستفيدة، ويستهدف الصندوق في الأساس توفير التمويل لأنشطة التكيف مع التغير المناخي، وخاصة في الدول الجزرية الصغيرة النامية والاقتصادات الأقل نموًا، بما في ذلك العديد من الدول الأفريقية.
وأضاف أن الصندوق صدق على مشاريعه الأولى قبيل توقيع اتفاق باريس عام ٢٠١٥، ونجح منذ ذلك الحين في بناء حافظة استثمارية بقيمة ١٢,٨ مليار دولار عبر ١٢٩ دولة، مشيرًا إلى أن عملية تجديد موارد الصندوق تتم كل أربع سنوات، وبلغت المخصصات المالية للصندوق في الفترة بين عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢٣ نحو عشرة مليارات دولار يوفر المساهمون من الدول المتقدمة معظمها ويتم تخصيصها لتمويل مشروعات المناخ في الدول النامية.
ونوه محيي الدين عن ثلاثة عناصر تميز صندوق المناخ الأخضر في قدرته على معالجة تغير المناخ، أولها هو الشراكة، فعلى الرغم من صغر الهيكل التنظيمي للصندوق إلا أنه يتمتع بنطاق عمل كبير من خلال العمل مع أكثر من مئتي شريك يشملون بنوك التنمية متعددة الأطراف وهيئات الأمم المتحدة، وصولًا إلى المنظمات المحلية الأصغر حجمًا.
أما ثاني العناصر المميزة للصندوق، بحسب محيي الدين، فهي المرونة، حيث يوفر الصندوق مجموعة من المنح والقروض الميسرة والاستثمار في الأسهم والضمانات المصممة خصيصًا لاحتياجات كل مشروع من مشروعات المناخ، موضحًا أنه على سبيل المثال، قد تدعم المنحة إجراءات صغيرة الحجم للحفاظ على إمدادات المياه العذبة في إحدى الدول الجزرية، بينما يعتمد برنامج متعدد الدول لدعم الطاقة المتجددة على قروض ميسرة طويلة الأجل أو أسهم يقدمها الصندوق بما يمهد الطريق لمستثمرين آخرين للمشاركة في هذه البرامج والمشروعات بمستوى أقل من المخاطر.
وأضاف محيي الدين أن ثالث العناصر المميزة لصندوق المناخ الأخضر هو إسهامه في تعزيز قدرة الدول النامية على الانخراط بفاعلية مع المؤسسات المالية، حيث يوفر برنامج الاستعداد التابع للصندوق التمويل والمساعدة التقنية للدول النامية على المستوى القطري، وهو أمر ثبتت أهميته لتخطيط العمل المناخي على المدى الطويل ولوضع مقترحات تمويل كبيرة، مثل منحة الاستعداد المقدمة لليبريا بقيمة ٤٣٢ ألف دولار التي وضعت الأساس لمشروع البنية التحتية للأرصاد الجوية المائية بقيمة ١١,٤ مليون دولار، وهو مشروع من شأنه تعزيز قدرة البلاد على الصمود في مواجهة تغير المناخ.
وقال محيي الدين إن الصندوق واجه في البداية تحديات صعبة، من بينها انتقادات بأن آليات تمويله كانت شديدة البطء والتعقيد، غير أن الإصلاحات المستمرة في أداء الصندوق وزيادة كفاءته فندت هذه المزاعم، حيث تم تشغيل ٨٠٪ من محفظة الصندوق فضلًا عن ضخ أكثر من ٣,٥ مليار دولار في مشروعات وبرامج المناخ.
وأفاد بأن متوسط الوقت الذي يستغرقه صندوق المناخ الأخضر لنقل مشروع المناخ من مرحلة مراجعة الاقتراح لمرحلة التمويل انخفض من ١٨ شهرًا عام ٢٠١٨ إلى ٧ أشهر فقط عام ٢٠٢٢، كما تم تقليص الوقت بين موافقة مجلس الصندوق على المشروعات وتنفيذها، حيث انتقلت بعض المشروعات من مرحلة تصديق المجلس إلى مرحلة ضخ الأموال في غضون خمسة أسابيع.
وذكر محيي الدين أنه على الرغم من التحديات التي تفرضها الأزمات الدولية على عملية تمويل العمل المناخي إلا أن العديد من المحادثات الإيجابية التي أجريت في الأسابيع الأخيرة مع المساهمين الحاليين والمحتملين حملت مؤشرات إيجابية، حيث تعهدت ألمانيا مبكرًا بالمساهمة في الصندوق بقيمة ملياري يورو بزيادة قدرها ٣٣٪ عن مساهمتها السابقة، وتعهدت كندا بمساهمة قيمتها ٣٣٢ مليون دولار بزيادة قدرها ٥٠٪ عن مساهمتها السابقة، كما قدم المساهمون الحاليون مثل النمسا والتشيك وموناكو تعهدات جديدة مع التوقع بأن يحذو الممولون المحتملون الآخرون حذو هذه الدول، خاصةً في قمة الأمم المتحدة للطموح المناخي المقرر عقدها في سبتمبر.
وأشار محيي الدين إلى أن توسيع قاعدة المساهمين في صندوق المناخ الأخضر لتشمل الدول الأقل نموًا سيؤدي إلى تعزيز إمكانات الصندوق، مؤكدًا أن تعيين مافالدا دوارتي رئيسًا تنفيذيًا جديدًا للصندوق أظهر التزام مجلس الصندوق بمواصلة مسيرة الإصلاح.
واختتم محيي الدين مقاله بالقول إنه إذا حصل صندوق المناخ الأخضر على عدد من المساهمات في مؤتمر التعهدات المقرر عقده مطلع أكتوبر المقبل في ألمانيا، فسيكون ذلك بمثابة إرسال إشارة قوية في الوقت المناسب قبل انعقاد مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين نهاية العام، مشددًا على أن العالم يحتاج اليوم إلى إظهار التزام قوي بالتعامل مع حالة الطوارئ المناخية أكثر من أي وقت مضى.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: محمود محيي الدين المناخ اتفاقية الأمم المتحدة أجندة ٢٠٣٠ صندوق المناخ الأخضر الأمم المتحدة الدول النامیة العمل المناخی محیی الدین
إقرأ أيضاً:
موسم الورد في الجبل الأخضر.. شذى يملأ المكان
- مسارات خطرة متاحة للزوار بحاجة إلى تعزيزها بوسائل الأمان.
كانت إجازة عيد الفطر السعيد فرصة مناسبة للتفكير برحلة في ربوع سلطنة عمان، رغم أنني لم أتمتع بكامل أيامها، إذ تخللتها ثلاثة أيام من جدول مناوبات العمل، لكن ما بقي منها كان جديرًا بأن يُملأ ببرنامج رحلة. اتفقت الآراء مع الأصدقاء على أن تكون الوجهة نحو ولاية الجبل الأخضر. صحيح أن الاقتراح بدر مني، ولم يكن مدروسًا بعناية، وكان الهدف منه اختيار وجهة فحسب، لأطوي صفحة تعدد الآراء التي تمنهي غالبا في الموكوث حيث نحن، إلا أن الآراء سرعان ما اتفقت، إذ يصادف هذا التوقيت موسم حصاد الورد في ولاية الجبل الأخضر. هذا الموسم الذي يشد إليه محبو الطبيعة رحالهم، ليستمتعوا بمنظر الورد الزهري الذي يملأ مزارعها الممتدة على مساحات متعددة وبأحجام مختلفة، إضافة إلى زيارة مصانع استخلاص ماء الورد، تلك المصانع التقليدية التي تجذب إليها أعدادًا كبيرة من السياح، حيث تم استثمار عدد منها لتكون مزارات تعطي السياح نبذة عن طريقة استخلاص ماء الورد، الذي يدخل في صناعات غذائية وعطرية كثيرة.
انطلقنا من مسقط في الواحدة ظهرًا يوم الأربعاء، متجهين إلى ولاية الجبل الأخضر، متسلحين بالوقود اللازم وأكياس البطاطس وغيرها من "الخفايف"، التي لم تُشبع شغف صديقنا ملاح الرحلة أحمد الكلباني. فإذا به يقودنا نحو ولاية نزوى، أملًا في تناول طبق "آساي" بارد من أحد المقاهي، فكانت محطة دخيلة على الخطة، لكنها كفيلة بكسر حرارة الأجواء، التي بدت تتصاعد تدريجيًا مع مرور الأيام، غير أن هذه الحرارة بدأت تتناقص كلما سلكنا طريق الصعود باتجاه الجبل الأخضر.
لم تبدُ لنا مزارع الورد فور وصولنا إلى ولاية الجبل الأخضر، ولا حين توجهنا إلى وادي بني حبيب حيث تتركز مزارع الورد.
كان الطريق مزدحمًا بالسيارات المركونة على جانبيه، فلسنا الوحيدين الذين خططوا لأن تكون وجهتهم "الورد".
ركنا السيارة، ثم سلكنا الطريق مشيا خلف ملاح الرحلة أحمد الكلباني، العارف بمواقع المزارع، والتي يتطلب الوصول إليها مشيًا لمسافة لا بأس بها. كانت المسافة كفيلة بزيادة نبضات قلوبنا وصوت أنفاسنا المجهدة، إذ كان الطريق بين صعود وهبوط. وما إن اقتربنا من مزارع الورد، حتى شعرنا بروائح الورد قبل أن تقع أعيننا عليه، وكأن تلك المزارع التي تجود بالورد تستقبلنا بعطرها وشذاها الذي يملأ المكان.
ولم يكن غريبًا أن يستقبلنا مجموعة من الأطفال في إحدى المزارع بروح مرحة وفكاهة، متبسمين قبل أن نصل إليهم. وجدناهم يعرضون منتجات الجبل الأخضر من ماء الورد وزيت الزيتون وغيرها من المنتجات، لافتين إلى أن قطف الورد مسموح به في حدود مزرعتهم، مقابل شراء سلة من السعف ذات أحجام متعددة، اخترنا أنسبها، وهناك لم يبرحنا منظر العمال وهم يحملون أكياس الورد على رؤوسهم باتجاه مصانع التقطير.
رغم زيارتي لولاية الجبل الأخضر مرات عديدة، إلا أن هذه التجربة كانت فريدة حقًا. فالولاية، التي يشتهر أهلها وأرضها بزراعة الورد واستخلاص منتجاته، لم أزرها سابقًا في هذا الموسم. كان التجول بين حقول الورد مصحوبًا بشعور جميل، إذ لطالما شممت رائحة الورد الطائفي من خلال العطور والزهور، تلك الرائحة التي أعشقها وأبحث عن زجاجاتها في محلات العطور، لكنني اليوم بين تلك الروائح دون حائل صناعي، ولا زجاجة مرت بمراحل تصنيع وتغليف وتسويق. ها أنا هنا، أعيش روعة المنظر، والشذى المنتشر بالأرجاء.
ورغم كثافة الناس هناك وزحمة الزوار والسياح، التي قد تعكر صفو المكان وهدوءه، إلا أن للورد سطوة أقوى لإراحة الأعصاب وتعديل المزاج، بل وجذب الكاميرات إليه. فالروعة هناك لا توفيها اللقطات، حيث لسحر الطبيعة وقع خاص.
وبينما كنا نعيش تلك الأجواء الرائعة، أخذتنا الدقائق واللحظات عن ملاح الرحلة الذي بدا غاضبًا علينا. فقد كان ينتظرنا لننطلق نحو مسار خطير – إن صح الوصف – وهو مسار يمتد على مجرى ساقية تنتهي بهاوية تطل بشكل رهيب على مدرجات الجبل الأخضر الشهيرة. صحيح أنها تجربة مخيفة، لكنها لا تُنسى. وحريٌّ بالقائمين على الشأن السياحي في الولاية، والجهات المعنية، أن تعزز المكان بوسائل الأمان والحماية، حفاظًا على سلامة الزوار والسياح، الذين لا يعرفون تفاصيل المكان وماذا يخبئ لهم المسار المتاح للجميع.
السوجرة
لم يكن الكلباني غاضبًا بلا سبب منطقي، فقد أخرناه عن الوجهة التالية، وهي قرية السوجرة. انطلقنا مسرعين – نوعًا ما – نحو القرية، التي لم أزرها سابقًا، رغم مشاهدتي لها عدة مرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. قرية أستطيع وصفها بـ"الحالمة"، تحتضنها الجبال العملاقة، وكأنها نسجت من صخور الجبال طرقًا وبيوتًا أصبحت اليوم مستثمرة سياحيًا.
يصل إلى السوجرة الناس من مختلف الأماكن، لقضاء وقت بصحبة الهدوء والسكينة والظلام والجو الرائع. استطاعت عدة جهات أن تستثمر السوجرة، وتعرّف الزوار بتاريخها عبر لوحات فنية مليئة بالمعلومات. فالقرية بناها أبناء قبيلة الشريقي قبل أكثر من 500 عام، وعاشوا فيها، وكانوا مصدر إلهام للكثيرين، إذ تثير فيهم سؤالًا: "كيف وصلوا إلى هنا؟ وكيف بنوا بيوتهم". وقد حظيت القرية بالاهتمام في الألفية الجديدة، فتحولت إلى مشروع سياحي، بعد أن غادرها آخر سكانها عام 2014، وفق الوصف التعريفي للقرية.
مكثنا هناك حتى غابت الشمس، ثم عدنا أدراجنا إلى مسقط، محملين بكمٍّ هائل من الصور وبعض الورد. حاولتُ مشاركة بعض المقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باحثًا عن أغنية مناسبة تحمل شذى الورد وعطر الحياة. فمرت عليّ أغنية طلال مداح، التي علقت في لساني حتى وصلنا إلى مسقط، بل حتى أثناء كتابة هذه الأسطر، وهي تراودني:
"وردك يا زارع الورد فتح ومال ع العود
كلك ربيع الورد منك الجمال موعود
وردك يا زارع الورد
وردك جميل محلاه فتح على غصنه
لما الندى حياه نوَّر وبان حسنه
ومال يمين وشمال .. وردك يا زارع الورد
جميل وماله مثال .. وردك يا زارع الورد
وردك يا زارع الورد
وردك يميل ويقول مين في الجمال قدي
دي سلوة المشغول في عيني وفي خدي".