في رحيْل صـديقي الرُّمح الملتهب
تاريخ النشر: 17th, February 2025 GMT
السفير جمال محمد ابراهيم
يا صديقي الصّدوق. .لماذا لم تتِح ليَ الأقـدار أن أودّعـك أيها العزيز الوداع الذي يليق ، وأنت القريب منّي في أم درمان، جاري في السكن بمدينة المهندسـين أيام جمالها وهدوئها وأيام استهدفها الأشرار، ثمّ وأنت شريكي في المهـنة أيّام عِـزِّها وأيّام تمكينها بسـوانا. . ؟
مُنذ بواكير شــبابنا، تقاسمنا أصدقاءا من قـبل أن نكون أصدقاء أنا وأنــت.
(2)
لا. . لنْ أحـدّث عـن بذلـك في سـاحات الرياضة وهو تاريخٌ معروف، ولا في ســاحات الدبلوماسية فوزارة الدبلوماسية تعلمه .
دعوني أحدّـث عن إقترابي منـك وأقترابك مِنّي ، وما صارت حالنا معـاً من محبّـة الوشائج وطِـيْـبة التواصل، ومع كلِّ ذلك فإنْ شـرَّقتُ أنـا أو غرّبتَ أنت فالظافر في أيّ اتجاه يمَّمناهُ كان هو وجه هو الوطن.
في سنوات بعيدة ، ولربّما في سنوات التسعينات، طلبني والدي الحاج محمد الشقليني عليه رضوان الله ، لمشوارٍ إلى حيّ العرضة ليقدم واجب عزاءٍ في رحيل صديق قديم له، زامله في "شركة النور" على أيّام الترام ، قبل حقبة بصّات "العظمة" و"أبورجيلة"، تلك التي يعرفهما صديقنا الجنرال مصطفى العبّادي. سألتْ الوالد من صديقك الذي نعزّي ؟ قال لي: "صديقي الذي رحل هو محمد سعيد، الذي جمعتنا سنوات المهنة أيام الترام والمعـديّات".
وما أنْ وصلنا إلى سُـرادق العزاء ، إلا وقد أدركتُ أنّ الرّاحل هو والد زوجة زميلي الحبيب حيدر حسن حاج الصّديق. . فاكتشفت أنّي جئتُ لأعزّي "علي قاقارين" في رحيل والد زوجته و كمال "آفرو" شقيفها. ذلك زمان ما قبل التواصل الاجتماعي الالكتروني. رحم الله الشيخ محمد سعيد ولكم سمعتُ عنه الكثير من لسان والدي. تلك من الإشارات التي كنا فيها معاً من "ذوي القربى" أيها الصديق الحبيب..
(3)
تمرّ السنوات بيننا ونحن من سفارة إلى أخرى، ولكن لم يكتب لي أو لهُ، أن نلتقي في سـفارة أو في إدارة من إدارات وزارة الخـارجيـة، وتلـك طبيـعة المهـنـة الدبلوماسية ، تجمعنا لمرَّات قليلة وتفرّق بيننا لسنوات طوال. قليلة هيَ أيام تواصلنا الإجتماعي ذلك الزمان، لكني أتذكر المرّات التي كنّا نلتقي فـيها ونحن أصدقاء في داره الرّحبــة في مدينــة الثورة بأم درمان.
عُدتُ مرَّة من احدَى مهامي الخارجية لأجـده قد انتقل إلى مدينة المهندسين بأم درمان، وأنا من ساكني ذلك الحي الغربي الهادي، ولـ"الأحياء الغربية" دائماً قصصٌ وأفـلام، تعرفها أجيال ستينات القرن الماضي. لكمْ سـعدتُ بجيرته لي وكنتُ قد سبقته للسُّكنَى هناك بسنوات في مُربّع 30 ، وهو انتقل للسكنى في مربّع 29، فتوطـدتْ الصّداقة وتعزّزَ تواصلنا بالإقتراب السُّكني . ثانية يريد لنا القـدر أنْ نلتقي في تقارب أخوي معافى بين أسرتينا الصغيرتين، ونمت أشــجار الصداقة بين زوجتينا فكان للـودِّ ثمراتٌ قِطاف. غير أن المهنة الدبلوماسية ظلت بطبيعتها تأخذنا إلى أصـقاعٍ متباعدة ، يكون صديقي في ساحل العاج وأكون أنا في الصين، أومرّة هـو في باريس، وأكون أنا في السعودية. تغيب أخباره عنّي فاتحرّاها مرّة في الوزارة ، أو مرّةً من "كمال أفرو"- شقيق رفيقة دربه- وكمال هوالقويِّ الحضور في أم درمانه التي يحب. .
(4)
لكن تريد الأقدار- لي ولهُ - أنْ نتقاسـم بعض لحظات عَـنَتٍ وَرهَق، فلا نضيق، إذ لنا في التقائنا عزاء.
أحدّثكم عن البدعِ الجنـونية عند مهووسي بعض شباب حزب المؤتمر الوطني التي ارتضاها الإسلامويون سـنواتهم الأولى، ومنها بدعة إخضاع كبار قياديي الخـدمة المدنية فرضاً وإجباراً ، لدورات تدريبٍ عسكريٍّ تحت لافتة الدفاع الشعبي، وهو أمرٌ درجتْ الدول الراشدة لتدريب شبابها كجند احتياط وهم في سنواتهم الباكرة.
أمَّا أنا ، ومعي صديقي حيدر وثلة من قياديي الخدمة المدنية، فقد كنّا كبارا فوق سِن الأربعين أو الخمسين، فطلبونا قسراً إلى إحدى تلك الدورات الجبرية. لا يعلم المهووسـون أننا من جيل تلقّى اختيارياً تدريباً عسكرياً ونحن في شرخ الصِّبا في مراحل تعليمنا الثانوي بما يسمى حصص "الكاديت". . إمعاناً في الإذلال حين أدخلونا دورة الدفاع الشعبي، جاءوا بفـتىً في أوّلِ ثلاثـيـناته مُشرفاً علينا، يسمعنا عبارة يا "خسائر" بين الفينة والأخرى وفينا من بلغ سنّه سن والد ذلك الفتى. عرفنا حينها كيف تُضيّعَ قيمة توقير الكبار .
حتى في لحظات المعاناة تلك، تقاسـمنا التعاسة أنا وصديقي الحبيب علي قاقارين. .
(5)
شاركني أخي الحبيب حسرةَ أن يُهـمَـل ما اكتسبنا من خبراتٍ وتجارب في الدبلوماسية، أتاحتها لنا وزارة الدبلوماسية نفسها ، لكوننا مهنيّيـن ملتزمين بأداءٍ نوطّـد عبرهُ و بإسهامٍ متواضع وبلا استعلاء ، عِـزّةَ لوطنِ تربينا على قـيَمهِ، لا لقـيَـمٍ لحزبٍ سياسي، أو لعصبية جماعةٍ تجنح بأنانيـةٍ وغطرسة، للسيطرة على أمور البلاد وأحوالها. ما هـمّهم مثل هـمِّ الأمـم الرّاشـدة، التي تستفيد من خبرات دبلوماسييها فالدبلوماسية لا تحال إلى التقاعـد، ولا تُقبـر تحـت ترابِ "التمكيـن".
همسَ بعضهم في أذان كبارهم أنّ السّفير "قاقارين" هو "الرمح الملتهب" الذي عرفته ساحات الرياضة ومنافساتها، لاعـبـاً فـذّاً في كرة القدم في بلده السّودان كما في إقليمه الأفريقي والعربي. همسوا بأنَّ تلتفت وزارته إلى خبراته الأكاديمية والدبلوماسية المهنية فتستبقيه ليكون "رمحاً" من رماحها الدبلوماسية. وافـق الرئيسُ وأبَتْ الوزارة، ولـلهِ في بعضِ خلـقـه ووزاراته شـئون..! لعلّ أهـلي "الهلالاب" لو بلغتهم القصّة في حينها لقامت انتفاضة شعبية احتجاجا. .
(6)
كان ذلك ديدن وزارة خارجيتنا تلـك في أيام دبلوماسيتها الرسالية. أما السفير جمال فكفاه عامان سفيراً في لبنان ليذهب إلى المعاش، فلم ترَ وزارته كَسْـبَهُ في الثقافة وفي الدبلوماسية، ولا خبراته التي قدّرها أهل لبنان، فمنحه رئيسها وهو يودّعهُ وسام الأرز الأكبر إستثناءاً. حين ودعت"السنيورة" ، وهو رجل محبٌ للمتنبي فتذكرنا قوله:
ملومُكُما يجلُّ عنِ الملامِ ووقعُ فعالهِ فوقَ الكلامِ
ذَراني والفلاة بلا دليلٍ ووجهي والهجيرَ بِلا لِثامِ
فإنّي أستريحُ بذي وَهذا وأتعبُ بالإناخةِ والمُقامِ
أما وزارتنا التي تبقي بعض سفراء ودبلوماسيي "تمكيـنها" لسنوات وعقود ، قلا تتذكّر لوائحها المغيّبة إلا حين رأتني ورأت صديقي الحبيب ما أن كدنا أن نبلغ سن القانونبة فتحيلنا بعجلة إلى التقاعد.
هكذا تقاسمنا تلك الحسرات أنا وأنت يا صديقي الحبيب. .
نَمْ هانئاً أيّها الحبيب فأهل وطنـك ووطني وإن ضنّوا علـينا كرامُ . إنّ الصبر على المكاره- وقد تجرّعناها معاً، لـك فيه أجـر، ولوطنـك إن أضأتَ شـمعة لتبعـد عنه ظلام الأشرار، فقد كسبتَ رضا من عرفـوك بعد الـله. أجل فقـد قرأتُ نعي مَن عـرفـوا أفضالـك ، مثلـما قـرأت نعـي " لفـيفـا" في رحيلـك المرّ فـدمعـتْ عَـيـناي . . نسأل الله أن يمنّ بنعمة الصبر على الأسرة المكلومة وأصدقاء ورفاق الصبا والكهولة في الهلال وفي الدبلوماسية . .وأن يمنّ عليك برحمته ومغفرته.
القاهرة، 15 فبراير 2025
jamalim@yahoo.com
المصدر: سودانايل
إقرأ أيضاً:
العيد الذي لم يعد عيداً ..!
بقلم : فراس الغضبان الحمداني ..
ما قيمة الأحداث وتعاقب الأزمان ونحن نعيشها بألم وبذكريات تبعث فينا الحزن ولا تمنحنا فرصة الحياة السعيدة التي نتمناها ويتمناها كل أنسان يجد نفسه فجأة عضواً في هذه الدنيا الضاجة بالمعاناة والتحديات التي تستنزف أجسادنا ومشاعرنا وعقولنا وأحلامنا فلا نكاد نصل إلى غاية من الغايات حتى ندرك أننا لم نحقق شيئاً وأن المسافة ما تزال طويلة ، ثم نكتشف أننا على خط النهاية ولكن ليس كعدائين فائزين بل كجثث هامدة فقدت طاقة الحياة لنوارى في حفرة أو أن نكون طعاما للأسماك أو أن نحرق وفقا لتقاليد قديمة أو في أي مصيبة وداهية رهيبة .
نفقد الأحبة الذين يشاركوننا همومنا وأحلامنا ومشاكلنا والذين نكافح معهم سوية العذابات والحرائق المستمرة في دواخلنا ، وحين نفتقدهم نبكي دون جدوى فهم لن يعودوا ونحن لا نعرف متى سنلتحق بهم ، وقد تأخذنا المشاغل إلى مساحات نتيه فيها ولا نجد من يدلنا فالجميع يعيش ذات التيه والضياع ويبحث عن خلاصه بعد أن تذوق آلاف المرارات والأحزان والمعاناة ، فكيف بمن يتركه محبوه ليس للحزن والعذاب والذكريات الأليمة بل يورثونه مشاكل وتحديات وأبناء تائهين لا يجد طريقة لكي يقف معهم على طريق صحيح وكأنه وكأنهم في سجن واحد وضياع واحد وهموم مشتركة .
جاء العيد مثل العيد الذي سبق ومثل كل الأعياد التي سبقت مشحوناً بالحزن والعذاب والألم وكأن تلك العذابات ورث من أجداده ، فالعيد يلد عيداً ويكون له أحفاد من الأعياد يتوارثونه ويتشاركون في الأرث ويتناقلون صفاته وساعاته وأشكاله بينهم ، فالعالم يتحول إلى وحش يلتهم آماله وأحلامه وفرص الحياة فيه ويتركنا على قارعة الطريق تائهين متحيرين لا نجد الفرح ولا السعادة ، فمن هم إلى هم ومن حرب إلى حرب ومن حصار إلى آخر ومن إرهاب إلى إرهاب ، وناس تتحول إلى آلات لا تفقه سوى أن تتحرك بلا هوادة ولا هدف حتى إذا وصلت لهدف وظنت أنه قد تحقق تكتشف أنها لم تحقق شيئاً وأن الطريق ما زال شائكاً وطويلاً .
الناس من حولنا يكرهوننا يريدون أن يحصلوا على مطامحهم ولم يعد عندهم أن تكون الطريقة مشروعة أم لا ، فالغاية هي الكسب والكسب وحده وليس سواه لأن هناك هموماً وعذابات يتكفل بها القدر والجميع يخاف منها ويود الهرب منها بعيداً ولا يراها .
للأسف فنحن نعيش في زمن الغابة وزمن الحزن وزمن الموت المؤكد ، موت الأرواح رغم وجود حياة في أجسادنا ورغم ما نعتقده من حضور لنا ، أرواحنا التي كانت تمنحنا السعادة والطاقة ونتشارك فيها مع الآخرين الحب والسعادة والأمل ها هي تموت مسبقا وتذوي وتنتهي دون رجعة ودون أحساس بحاجتنا إليها .
كلما جاء العيد وكأنه نوع من البطالة المقنعة التي تجبرنا عليها الأحداث والأيام ، فليس له من أهمية فالحقيقة حتى أنني أشك في أنه عيد للكبار وأرى أنه مناسبة يحبها الأطفال وينتظرونها لأنها تثير حماسهم كونها عطلة وحصولهم على العيدية وإرتداء الأزياء الجديدة واللعب في مدينة الألعاب ، أما نحن الكبار فتثير حزننا وذكرياتنا الأليمة لأننا عاصرنا الحروب والحصار والفقر وحكم الدكتاتوريات والطغاة التي سلبت العباد ودمرت البلاد .
Fialhmdany19572021@gam