الساعة الثانية عشرة مساء، على كرسيٍّ متهدِّلٍ للخلف، أراقب ندف الثلج المتهادية من السماء، لحظات قليلة بدَّلت الأرض جِلدها، والسماء لونها، انحسر الظلامُ رويدا رويدا، وتسلَّل الضوء خفية، خفية، تلاشت الحدود بين السماء والأرض، لم تَعُد السماء تحتكر بَثَّ النور، انبعث اليوم من الأرض أيضا.
لم يَعُد التأملُ في ذلك الجمال من نافذة الغرفة كافيا، ارتديتُ ما وَقَعَتْ يدي عليه من اللباس، ثم انطلقتُ لأقابل الأرضَ وجها لوجه، لأحتضن هدايا السماء البيضاء، وأقبِّل بعض ثغورها المترامية على عشب إسطنبول.
خطوتُ إلى الخارج بضع خطوات، فإذا بالأرض تمتدُّ أمامي بثوبها الأبيض، خاشعة كأنها في صلاةٍ صامتة، فانحنيتُ برفق، وكأنني أقدِّم امتناني لهذا الجمال، لهذا المشهد الذي كان قبل سنوات قليلة حلما بعيد المنال، أصبح اليوم واقعا أُعايشه، منغمسا فيه كما ينغمس طفلٌ في حضن أمه.
بعد خطواتٍ معدودة، وقعت عيني على مقعدٍ تحت شجرٍ مبيَّض، جلستُ عليه، ثم أرخيتُ رأسي ورائي، ومددتُ يديَّ على جانبيه، ورحتُ أتنفَّس بعمق، وكأنني أمتصُّ الهواءَ من السماء نفسها، كان الهواء يتسلَّل ببطء عبر أنفي، فيلامس صدري، شاقّا طريقا باردا لطيفا، يتسرَّب إلى أعماق جسدي، ويتغلغل في تجاويفه، فتُصيبني رعشةٌ مثل همسةٍ ناعمة في ليلٍ ساكن، تلبَّسني حينها سكونٌ غريب، وكأن روحي تتسرَّب من جسدي.
فجأة، اهتزَّ الكرسيُّ هزَّة قوية، وكأنه ينخلع من مكانه طائرا، لشدة فزعي أغمضتُ عينيَّ، ثم أدخلتُ يدي تحت ظهره وقبضتُ عليه بشدة، أحسستُ بأن قدميَّ عالقةٌ بين السماء والأرض، للحظةٍ، شعرتُ أنني أطير مع النجوم، وأحلِّق وسط السحاب، ثوانٍ قليلة فقدتُ بردَ إسطنبول، فكَّرتُ بأن أرفع جفنيَّ، لكن الوقت لم يُسعفني، ارتطم الكرسيُّ بالأرض، غارسا أعمدته الأربعة في ترابها، وكأنها تعود لجذورها.
ببطءٍ وخوفٍ، فتحتُ عينيَّ، وإذا الأرضُ غير الأرض، والسماءُ غير السماء، شيءٌ ما قد تغيَّر، الأرض لم تَعُد بيضاءَ ولا خضراء، والمنازل لا تشبه تلك التي عرفتها منذ خمس سنوات، سكينةٌ غشيتني لرؤيتها، هدوءٌ سرى في جسدي، وبسمةٌ شقَّت فمي، تُرى، أين أنا؟ ما هذا المكان القريب إلى روحي؟ ما سرُّ السعادة التي شعرتُ بها؟ ما الهدوء الذي ينبض به قلبي؟
كانت تلك السعادة أكثر من مجرد شعورٍ عابر، وكأنني عدتُ خمس عشرة سنة إلى الوراء، إلى اللحظة الأولى التي حطَّت قدمي في المدينة الساحرة، تلك المدينة التي تُشبع روحك قبل جسدك، الخطواتُ بين أزقتها جلساتُ علاجٍ نفسيٍّ مكتملة، لا نَسيمَ فيها، لكن هواءها ألطف من نسيم إسطنبول بأسرها.
الآن فقط، شعرتُ وكأنني لم أعرف الهمَّ، ولا الحربَ، ولا النزوحَ، ولا مرارةَ فقد الأهل، ولا هواجسَ الغربة مطلقا، طعمُ الحرية لأول مرةٍ منذ سنوات، نبضُ الحياة في كل حبَّات ترابها.
نعم، أعرف هذه المدينة حارة حارة، بيتا بيتا، لطالما سِرتُ سنواتٍ بين أزقتها، لطالما ابتسمتُ وبكيتُ وحزنتُ وابتهجتُ بين أحضانها، طفولةٌ وشبابٌ مرَّا منها، كانت أمّا حنونا، وأبا مشفقا، سهرت لياليَ طويلة تستر زلَّاتِ طفولتي، وتحرس طيشَ مراهقتي، وفيَّةٌ كما لم تكن مدينةٌ أوفى منها، لم أكن أسكنُ عليها، بل في أعماقها، كعادة كلِّ مَن وَلَجها، لم تكن أرضا تُداس، بل أمّا تحتضن.
الساعةُ الآن الثامنة من مساء العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، اللحظةُ التي عرفتُ فيها هذه المدينة لأول مرة، وصلتُ إليها من أقصى الشمال، قاطعا مسيرة نصف يومٍ بقلبٍ متلهِّف، وروحٍ تواقة لم تتُقْ لغيرها قبلها ولا بعدها، تذكرتُ أنني لأسبوعٍ لم أُرَ إلا مبتسما، لم أنمْ فيه إلا سويعاتٍ قليلة، قضيتُ جُلَّ أيامه متنقِّلا بين شوارعها، راكبا مرة، تائها أخرى، وعلى العكس من مشاعر خوف الضائعين بين أزقة المدن الكبيرة، كنتُ سعيدا بكل لحظاتها، ربما مرَّ جُلُّ الليل وأنا أبحث عن طريقٍ أعود به إلى مضجع الرأس، لكن في كل ذلك كنتُ أشعر أنني في مسكني، وفي حضن أمي.
اليوم، بدت لي هذه المدينة ليست كما كانت في أول لقاءٍ بيننا، كانت كعجوزٍ شائخةٍ وامقة، تراقبني بعينٍ صامتةٍ، وأخرى دامعة، ترغب في أن تبثَّ لي أحزانها، لكنها، وكعادة الأمهات، تسمع شكوى بنيها ولا تشكو لهم، كانت تتألَّم بصمت، ولا تجرؤ على البوح، لكن كل زاويةٍ فيها تحكي ما بها، تكشف عن أحزانها، وما صنع الغرباء بها.
في تلك اللحظات، تذكرتُ كيف كانت شوارعها ومنازلها في لقائي الأول بها، ثم بعد ذلك بسنواتٍ طويلة، حتى حلَّ البلاءُ عليها فجأة، محتلّا قاسيا، يسابق الزمن في قتلها، كانت المدينة، رغم ما بها، تنتظر، تأمل أن يعود إليها أبناؤها، وتعانقهم من جديد، تحمل بين جوانبها أملا ضئيلا لا يزال حيّا رغم طعنات غزاتها، تقاوم بكل ما تبقَّى لها من قوة.
ربما في يومٍ من الأيام، سيعود هؤلاء الأبناء ليمسحوا عنها الغبار، ويبعثوا فيها الحياة كما كانت من قبل.
ربما في يومٍ من الأيام، سيعود الفجر ليشرق على أطرافها، وتعود كما كانت دائما، متألقة، وأبديةَ الجمال.
ربما في يومٍ من الأيام، تنبعث شوارعها من جديد.
ربما في يومٍ من الأيام، تعود ضحكاتُ الناس في أزقتها، وزغاريدُ النساء في حواريها.
ربما في يومٍ من الأيام، تعود صنعاء، كما عرفتها طفلا: جميلة، بهية، بشوشة، نضرة، حنونة، كريمة، دافئة.
كنتُ قد وصلتُ إلى ميدان التحرير قبل انبلاج الفجر بساعةٍ تقريبا، قعدتُ على ذلك الجدار المطلِّ على الميدان، كما كنتُ أجلس قبل سنوات، تأملتُ المباني المطلة عليه، فذكرتني بذكرياتٍ قديمة، لمّا كنتُ أهرب إليها في كل ضائقة، آتيها مكفهرّا، فتُعيدني مبتسما، آتيها حزينا، فتبعثني مشرقا بهيّا.
لكنها اليوم، وقد سرقوا منها رونقها، وأحالوها إلى جدرانٍ عتيقةٍ لا تحمل بين طياتها إلا ذكرياتٍ حزينة، شعرتُ بأنها تخاطبني بصوتٍ مبحوحٍ لشيخٍ في رمقه الأخير، تستنجد بي، وتحمّلني آهاتها، تنتظر مني وفاء لها، كدتُ أسقط مغشيّا عليَّ، فلم يَعُد بي طاقة لأتحمَّل معاناتها، عاجزا عن إنقاذها.
رحلتُ من التحرير هاربا من عتاب جدرانه الصامتة، قعدتُ على كرسيّ متهالك على مقربة من أحد منازل صنعاء القديمة، وفجأة، كما في الأولى، اهتزّ المقعد، ووجدتني بلمح بصر في إسطنبول، مغطى بالثلج، ترتعد أطرافي، وقد رآني صديق فاستغرب حالي، وهبّ لمساعدتي، ثم لأسبوع كامل بقيتُ في أحد مستشفيات إسطنبول أشكو من علة عجز الأطباء عن تشخيصها، تلك هي علة "اللوعة لصنعاء"، لا دواء لها سوى تلك المدينة التي لم أستبدل بها عشقا، مهما تجملت وتزينت غيرها.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات اليمن اسطنبول قصة سياسة سياسة اقتصاد صحافة سياسة اقتصاد رياضة رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ربما فی یوم من الأیام
إقرأ أيضاً:
نجم الجبهة
لطالما كان للنجوم حضور قوي في الثقافة العربية، ولا تزال الكثير منها تحمل أسماء عربية حتى اليوم، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى في سورة الأنعام: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، وارتبط العرب بالنجوم بشكل وثيق، فأطلقوا عليها أسماء ووصفوها بدقة، ولم يقتصر تأثيرها على علم الفلك وحسب، بل امتد أيضًا إلى الشعر والأدب، حيث تغنّى بها الشعراء وحيكت حولها الأساطير، مستخدمينها لرسم صور خيالية تربط بين النجوم وتوضح مواقعها في السماء ضمن حكايات وقصص مشوقة.
والنجم الذي نتحدث عنه اليوم هو نجم "الجبهة"، وهو أحد ألمع النجوم في كوكبة الأسد، ولقد سمي بالجبهة لأنه يقع في رأس هذه الكوكبة التي تخيلها العرب على شكل أسد، وهو في حقيقة الأمر ليس نجما مفردا وإنما نظام ثنائي مكوّن من نجمين يدوران حول بعضهما، وكلاهما من النوع العملاق البرتقالي.
يبدأ ظهوره في سماء سلطنة عمان، خلال أواخر فصل الشتاء وبداية الربيع، ويظل مرئيًا حتى منتصف الصيف، ويمكن رصده بعد غروب الشمس في الجهة الشرقية، حيث يرتفع تدريجيًا نحو السماء الجنوبية الشرقية مع تقدم الليل، وفي شهر مارس، يكون "الجبهة" مرئيًا بوضوح بعد الساعة 8 مساءً، ويصل إلى أعلى نقطة له في السماء حوالي منتصف الليل.
في التراث العربي، كان نجم "الجبهة" يُعتبر أحد منازل القمر ويُستخدم في التقويمات الزراعية لتحديد أوقات الزراعة والحصاد، ودخول "نوء الجبهة" كان يشير إلى بداية فصل الخريف وفقًا لحساب النجوم، حيث تتغير الظروف المناخية وتبدأ درجات الحرارة في الانخفاض، مما يؤثر على الأنشطة الزراعية، وقد ذكر القلقشندي في موسوعته المشهورة "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" أن هذا النوء هو سبع ليال، ومما ذكره القلقشندي أيضا عن نوء "الجبهة" قال: "ثلاثة كواكب نيرة قد عدل أوسطها إلى الشرق، فهي لذلك على شكل مثلّث مستطيل القاعدة قصير الساقين، وإلى الجنوب عنها نجم أحمر مضيء جدّا يسمّى قلب الأسد يرسمه المنجمون في الاسطرلاب ، وأصحاب الصور يجعلون الجبهة على كتف الأسد".
وإذا أتينا إلى ذكر هذا النجم في أشعار العرب نجد أن كثيرا منهم ذكروه مرة مقترنا بكوكبة الأسد فيقولون "جبهة الأسد"، ومرة قرنوه مع النجوم الأخرى في السماء المرتبطة بالرفعة والعلو، فقد ورد في المنظومة الفلكية للملاح العماني أحمد بن ماجد فقال:
وجَبهةٌ وزُبرَةٌ والصرفه
ما في صفاتي قطُ لك حرفه
وبعدَهَا العَوَّاءُ والسمَاك
هُم آخرُ الشاميَّةِ الزواكي
ونجد الأديب العماني المبرد يذكر هذا النجم في قصيدة له من بحر الهزج فيقول:
وَخَبِّرني عَنِ السبت
وَسعمِ الحُرَّةِ الخَيفَق
وَما الجَبهَةِ في الكَوك
بِ ذي الرَجراجَةِ الفَيلَق
كما نجد للشاعر الأموي الكميت بن زيد الأسدي بيتا شعريا يقرن هذا النجم بكوكبة الأسد فقال:
بَانَتْ لَهُ الْعَقْرَبُ الْأُولَى بِشَرَّتِهَا
وَبلَّهُ مَعْ طُلُوعِ الْجَبْهَةِ الْأَسَدُ
وقد ذكر الأديب البارع أسامة بن منقذ الذي عاش في العصر الأيوبي في كتابه "المنازل والديار" أربعة أبيات للشاعر حفص الأموي يقول فيها:
يا ربع أين انتجع الحاضرُ
جادك نوء الجبهة الماطرُ
مالي أرى مغناك قفراً كأن
لم يلهُ في ساحته سامر
وهذا الفيلسوف محيي الدين بن عربي قد أورد ذكر هذا النجم في إحدى قصائده فقال:
نثرةُ الذابحِ للطرفِ رات
بلعاً يشكو كمينَ الحُرَق
جبهةُ السعد إذا ما زَبَرَتْ
علمها وسط خباءٍ أزرق
ونجد الشاعر ابن أبي حصينة الذي عاش في العصر الفاطمي يذكر هذا النجم فيقول:
فَلا الرَفدُ مَمنُوعٌ وَلا العَهدُ حائِلٌ
وَلا الفِعلُ مَذمُومٌ وَلا المَدحُ مَكذُوبُ
وَطالَت فَنالَت جَبهَةَ النَجمِ أُسرَةٌ
لَها نَسبٌ في الصالِحيِّينَ مَنسُوبُ
كما أن الشاعر أحمد بن شاهين القبرسي الذي عاش في العصر العثماني يذكر هذا النجم فيقول:
عجبت للشمس إذ حلَّت مؤثِّرةً
في جبهةٍ لم أخلها قطُّ في البشرِ
وإنما الجبهة الغرَّاء منزلةٌ
مختصةٌ في ذرى الأفلاك بالقمرِ
وإذا أتينا إلى الشعراء في العصر الحديث فنجد الكثير منهم ذكر هذا النجم، فهذا الشاعر اللبناني مصطفى الغلاييني يقول في نجم "الجبهة":
فَدانَتْ وكانت جَبْهَةَ اللَّيْثَِ مَنْعَةً
يُحَسدُها العَيُّوقُ يُخْفِقُ طالِبُه
أَتاهُمْ وَجَوُّ الأَمْرِ كاللَّيلِ مُظْلِمٌ
فَرَوَّعَهُمْ والخُلْفُ دَبَّت عَقارِبُه