قصة اليوم تدور حول فعل المعروف وكيف أنه لا بد أن يعود على صاحبه بالخير.
تقول الحفيدة كان جدي في السادسة من عمره عندما كان والده يحتضر، حينها جمع الأب بقية أبنائه، وطلب منهم ألا يتركوا أخوهم الصغير، بل يبقى معهم حيثما حلوا وأينما رحلوا.
الطفل إسمه “برجس الرماحي”، وفي إحدى رحلاته مع إخوته إلى العراق لجلب التمن والتمر، وفي طريق عودتهم إلى ديارهم، أرادوا الراحة، وإراحة بعارينهم تحت أشجار الطلح، غير أن الصغير برجس لم يفعل مثلهم بل كان يلعب حول المكان.
وبينما هو كذلك، إذ بشابين يبدو عليهما الجوع، فما كان من هذا الطفل الصغير إلا أن يدعوهما، ويسألهما: هل تريدان طعاماً؟ ومن فرط جوعهما، ردا على الفور: نعم. عندها طلب برجس منهما أن يفردا ثوبيهما، وملأ ثوب الأول تمناً (وهو الأرز العراقي)، وثوب الآخر تمراً.
حدث كل هذا، وإخوة برجس يشاهدون دون أن ينهروه تنفيذاً لوصية والدهم، ثم ناداه أحد إخوته: يا برجس.
عندها سأله أحد الشابين: أنت اسمك برجس، فقال نعم، برجس الرماحي. وغادر الشابان المكان.
كبر برجس ونسي قصة الشابين، وأصبح شاباً يافعاً وسيماً، عندها -تضيف الحفيدة-، فكَّر جدي أن يبحث عن عمل، فذهب إلى الأردن، والتحق بجيش أبو حنيك، ومكث معهم سنوات قليلة، ثم قرر الذهاب إلى العراق، طلباً للرزق، وعمل مع الهجانة هناك، ومكث هناك قرابة خمس سنوات، وعندما صار عنده مبلغٌ من المال، اشترى ذلولاً وبندقاً وطعاماً وملابس وهدايا وحملها على ذلوله ليعود بها إلى دياره.
في طريق عودته، صادفه رجل يسير على قدميه، ودار بينهما حديث، ثم احتاج برجس أن يبتعد في الخلاء لقضاء الحاجة، فطلب من الرجل أن يمسك ذلوله حتى يعود، غير إن هذا الغريب طمع بالذلول وماعليها، فامتطاها، وصار يضربها لكي تسرع في الابتعاد عن مكان صاحبها، وانتبه له برجس، وحاول اللحاق به، لكن التعب والعطش أخذا منه، وكان الوقت قبيل الظهر، فسقط على الأرض مغشياً عليه، ولم يفق إلا قبيل المغرب.
أفاق برجس، وقد فقد كل شيء، ولم يعد يملك سوى ثوبه الذي عليه، وقد ابتل من العرق من شدِّة الحر.
سار متعباً حتى وجد راعي غنم، فطلب منه ماءً، فلم يعطه. وطلب منه حليباً من الماعز، فرفض. وكان برجس طويل القامة، نشيطاً، فيما الراعي ضعيف البنية. فضربه برجس، وكتَّفه، وشرب من حليب الماعز حتى ارتوى.
عندما انتهى، لم يجد الراعي الذي هرب.
واصل برجس طريقه، وكانت الأرض كثباناً رملية، وعندما نزل من أحد الكثبان، إذا برجال يقولون: هذا هو امسكوه، فقد وقع في جماعة راعي الغنم، وفعلاً كتَّفوه بعمود خيمة.
يقول برجس: عندما أمسكوا بي، لم يكن معي سلاح، وشعرت أني مقتول لا محالة.
جلسوا أمامي، وكانوا يتشاورون متى يقتلوني، وكان أحدهم ينظر إليَّ نظرة حادَّة لدرجة أني قلت في نفسي هذا الذي سيقتلني.
مرَّ الوقت، وقام الرجل الذي يرمقني طول الوقت، واقترب مني، وهمس يسألني: أنت (برجس الرماحي)، فقلت: نعم، فرجع إلى مكانه، وكانت له كلمته بين قومه، لكنني لم أعرفه.
فصاح بهم، وقال: اتركوه عندي الليلة وتشاوروا، وإذا قررتوا ماذا تفعلون به، خبروني. أتركوه الليلة عندي. فوافقوا، وأمسك بي، وذهب بي إلى بيته.
وعندما دخلت خيمته، قدم لي طعاماً من اقط وتمر، وأكلت منه، وقال: الآن أريد منك أن تركض طول الليل لاتقف، وخل واجهتك شمال غرب لا تغير اتجاهك، ولا توقف حتى تصل ربعك.
يقول برجس: استغربت من هذا الرجل الذي سيطلق سراحي، وعرفني وأنا ما أعرفه، فقلت له: من أنت؟ قال: أنا أحد الشابين اللذيْن ملأت ثيابنا تمن وتمر، وأشبعتنا شهرين نأكل منها. الآن جاء اليوم الذي أردّ فيه جميلك واعتق رقبتك، هيا اسرع لاتتأخر.
يقول برجس: وفعلاً ظللت أركض طول الليل، وما حلّ وقت العصر، إلا أنا قريب من ديار ربعي، ووجدت أحد الرعاة وقصصت عليه قصتي، وطلبت منه يعطيني راحلة، فاعطاني جملاً أصل به أهلي، لكني عدت إليهم خالي اليدين لامال ولاطعام ولاهدايا، لكني سلمت من الموت بسبب عمل عملته وأنا صغير برجالٍ ينفع فيهم الطيب وردّ الجميل.
ogaily_wass@
المصدر: صحيفة البلاد
إقرأ أيضاً:
خبايا المشروع الإسرائيلي الذي سحق خمس غزة
نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريرا عن سعي جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى تحويل منطقة رفح بكاملها إلى منطقة عازلة، تبلغ مساحتها 75 كم مربع -أي قرابة 20% من مساحة قطاع غزة– بما فيها المدينة كاملة ومنع عودة سكانها البالغ عددهم نحو 200 ألف نسمة إليها بشكل دائم.
بينما أعلن جيش الاحتلال اكتمال حصار رفح، مع استمرار عمليات تفجير المنازل ومختلف المنشآت المدنية، وحديث الصحافة الإسرائيلية عن وجود كتيبتين من كتائب القسام في المنطقة المراد تدميرها.
ولهذا الاتجاه، إن صح، دلالات مهمة على توجهات الاحتلال المستقبلية بشأن القطاع، وتداعيات إستراتيجية على القضية الفلسطينية وعلى مصر.
View this post on InstagramA post shared by قناة الجزيرة مباشر (@aljazeeramubasher)
محور فيلادلفيا 2وكانت إذاعة الجيش الإسرائيلي أكدت في 11 فبراير/شباط، أن الجيش استكمل السيطرة على كامل محور "موراغ" وطوق مدينة رفح جنوبي قطاع غزة "بشكل كامل"، وأعلن عن تقدم كبير في العمليات البرية جنوبي قطاع غزة، حيث استكمل ما وصفه بـ"مأسسة محور موراغ"، وهو ممر بري يمتد شمالاً من الحدود مع مصر حتى أطراف مدينة خان يونس جنوبي القطاع.
وبحسب إذاعة الجيش، في منشور عبر منصة إكس، فإن "قوات من فرقتي 36 ولواء المدرعات 188، تمكنت من السيطرة الكاملة على المحور وتطويق مدينة رفح من كافة الجهات"، وأشارت إلى أن رفح باتت "محاصرة حصارا كاملا" من القوات الإسرائيلية.
إعلانولفتت إلى أن "المرحلة المقبلة تشمل عمليات تثبيت السيطرة داخل محور موراغ، والاستعداد لتوسيع التوغل داخل رفح، بهدف ضمها إلى منطقة العازل الحدودي، كمنطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية".
يأتي هذا الإعلان عشية عيد الفصح اليهودي، وسط ضغوط دولية متزايدة على إسرائيل بعدم شن عملية واسعة في رفح لمخاطر وقوع كارثة إنسانية.
في حين تستمر عمليات النسف اليومية للمربعات السكنية في المدينة، نقلت هآرتس شهادات جنود وضباط احتياط، أن جرافات "دي 9" (D9) تُستخدم لهدم كل البنية التحتية في رفح دون تمييز.
وتحولت عمليات الهدم إلى منافسة داخلية بين الوحدات الميدانية، وأن "فرقة غزة" في الجيش الإسرائيلي، أنشأت خارطة لونية تُصنف المناطق وفق نسب التدمير، ووُصفت رفح بأنها أصبحت غير صالحة للسكن.
وبينما كانت رفح مأوى لنحو 200 ألف فلسطيني، هي الآن مدينة شبه خالية ومدمّرة كاملا تقريبًا. ويُنظر إلى أي مدني يظهر في المنطقة على أنه "مخرب" ويُطلق عليه النار أو يُعتقل فورًا، بحسب شهادات جنود نقلتها هآرتس.
وأشارت الصحيفة إلى أن الهدف لا يقتصر على الاستيلاء على هذه المنطقة، وإنما تحويل غزة إلى جيب جغرافي داخل إسرائيل وإبعاد القطاع عن الحدود المصرية وزيادة الضغط على حركة حماس.
ووفقا لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، صدر أمر بإخلاء 22 حيًا في محافظتي رفح وخان يونس، في 31 مارس/آذار، وبما يشمل مساحة قدرها 97% من محافظة رفح، وتغطي 64 كيلومترًا مربعًا.
ومن المنشآت الموجودة في هذه المنطقة مستشفيان ميدانيان و4 مراكز للرعاية الصحية الأولية و7 نقاط طبية وما لا يقل عن تسعة مطابخ مجتمعية نُقلت إلى خان يونس.
وبين يومي 31 مارس/آذار و1 أبريل/نيسان، أشارت التقديرات إلى نزوح نحو 90 ألفا من رفح، وهم الآن مشتتون في مدينة خان يونس ومواصي خان يونس ودير البلح.
إعلانويضيف التقرير، أن مستودع المركز السعودي للثقافة والتراث، قُصف في غارة جوية إسرائيلية شُنت على شرق رفح، في 3 أبريل/نيسان، وأسفر هذا القصف عن تدمير المستودع واحتراق جميع منصات تحميل اللوازم الطبية، البالغ عددها 1600، وكان من المقرر، أن تؤمّن الاستجابة لاحتياجات المرضى والمصابين، وفقًا لرئيس مجلس إدارة المركز.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد أعلن مطلع أبريل/نيسان الجاري، أن الجيش سيسيطر على محور "موراغ"، كما سيطر سابقا على محور "فيلادلفيا"، البالغ طوله 14.5 كيلومترا على طول الحدود الجنوبية لغزة مع مصر.
ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، عن تسجيل مصور لنتنياهو قال فيه: "نسيطر على محور موراغ، الذي سيكون محور فيلادلفيا الثاني".
المقاومة في رفحونقل مراسل صحيفة يديعوت أحرونوت يوسي يهوشع، أنه رغم إعلان الجيش الإسرائيلي في سبتمبر/أيلول 2024 "حسم لواء رفح"، فإن الزيارات الميدانية الأخيرة لرئيس الأركان أكدت استمرار نشاط كتائب حماس في المدينة، مع إقرار الجيش، أن 75% من الأنفاق لا تزال قائمة، وأن رفح لم تُحسم عسكريًا، كما أُعلن سابقًا.
وأشار مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي دورون كادوش إلى الطريقة التي تُعرّف بها قيادة المنطقة الجنوبية جاهزية كتائب حماس في المنطقة، وذلك بوصف محور موراغ بأنه "يقسم بين كتائب رفح وخان يونس". وبحسب الجيش الإسرائيلي، لا تزال هناك كتيبتان فعالتان في رفح من أصل أربع، وفي خانيونس هناك 3 كتائب فعالة من أصل أربع.
وأمس الجمعة، أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة جندي من لواء غولاني بجروح خطِرة في معارك جنوبي قطاع غزة، كما أعلن إصابة ضابط بجروح في اشتباكات مسلحة في رفح، موضحا، أن 3 مسلحين فلسطينيين أطلقوا النار تجاه قوة من جيش الاحتلال في رفح.
كما نقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل عن مصادر عسكرية، أن قائد قوات القنص التابعة لحركة حماس في كتيبة تل السلطان في رفح جنوب قطاع غزة قُتل في غارة جوية حديثة، وبحسب جيش الاحتلال الإسرائيلي، فإن قائد القناصة، أحمد إياد محمد فرحات، كان مسؤولا عن التقدم وتنفيذ العديد من الهجمات على القوات الإسرائيلية في غزة وضد الاحتلال.
تتمثل تداعيات هذه الخطوة إن تمت بأمور منها:
إعلان 1- عزل غزة سياسيا واقتصاديا وأمنيا عن مصر وعمقها العربي، وقطع شريان الحياة الوحيد لغزة مع العالم. 2- التراجع النهائي عن فكرة التخلي عن قطاع غزة، التي كانت وراء قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون بالانسحاب منها عام 2005، وتعزيز التوجه إلى ابتلاعها جغرافيا والتخلص من سكانها، بتهجيرهم من منافذ أخرى إذا بقيت مصر على موقفها الرافض لاستقبالهم. 3- تغيير في جغرافيا غزة، وتعزيز تحويلها إلى معازل سكانية منفصلة، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق يمنع بقاء الاحتلال داخل القطاع. 4- تدمير مدينة سكنية تدميرا كليا، والتهجير القسري الدائم لقرابة مئتي ألف فلسطيني.ويشير تقرير مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، إلى أن "إصدار القوات الإسرائيلية بشكل متزايد أوامر الإخلاء -والتي هي في الواقع أوامر تهجير- أدى إلى النقل القسري للفلسطينيين في غزة إلى مساحات متقلصة باستمرار، حيث لا تتوفر لهم سوى فرص ضئيلة أو معدومة للحصول على الخدمات المنقذة للحياة، بما فيها المياه والغذاء والمأوى، وحيث يظلون عرضة للهجمات".
كما أن طبيعة ونطاق أوامر الإخلاء يثيران مخاوف جدية من نية إسرائيل إخلاء السكان المدنيين من هذه المناطق بشكل دائم بهدف إنشاء "منطقة عازلة، ويُعدّ التهجير الدائم للسكان المدنيين داخل الأراضي المحتلة بمثابة نقل قسري، وهو انتهاك جسيم لاتفاقية جنيف الرابعة، وجريمة ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي، بحسب مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
5- تقليل نسبة كبيرة من المساحة الصالحة للزراعة في غزة، إذ تعد المنطقة التي يعبرها "محور موراغ" سلة غذاء القطاع، وأدى احتلالها إلى ارتفاع أسعار الخضار والمواد الغذائية. 6- بقاء قوات إسرائيلية بشكل مكثف على حدود مصر إلى أجل غير مسمى، في انتهاك دائم لاتفاقية السلام الإسرائيلية المصرية. إعلانوقد تكون تسمية نتنياهو المحور الجديد "فيلادلفيا 2" رسالة مبطنة لمصر، بمعنى أن هناك واقعا جديدا مستداما سيصبح فيه محور فيلادلفيا داخل الأراضي الفلسطينية وخاضعا للسيطرة الإسرائيلية.
السيناريوهات المستقبلية نجاح الاحتلال في إقامة منطقة عازلة لأمد طويل. فشل المشروع بفعل المقاومة الفلسطينية والرفض المصري والدولي، ولطبيعة الموقف الأميركي دور مهم في هذا الصدد. أن يكون الأمر مجرد ورقة ضغط لتحسين شروط أي تسوية مستقبلية في الأسابيع المقبلة، وهو ما يتسق مع الأنباء المنقولة عن ترامب، ومبعوثه ستيف ويتكوف بشأن قرب التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار.وكذلك ما نقلته صحيفة معاريف الإسرائيلية عن وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس أثناء زيارته رفح، إن إسرائيل "أقرب إلى صفقة" من التصعيد العسكري. وتحليل مراسلها "آفي أشكنازي" بأن السيطرة على رفح هي وسيلة ضغط سياسي على حماس لقبول صفقة رهائن تشمل وقف إطلاق النار.
وختاما؛ فمن شأن نجاح الاحتلال في إبادة رفح، أن تزداد شهيته لاستهداف مناطق أخرى في القطاع وخارجه بذات السيناريو، وهو ما سيدفع باتجاه المزيد من تعقيد الصراع العربي الإسرائيلي ويقوض أسس الموقف العربي الداعي إلى حل الدولتين، واتخاذ الصراع أبعادا أكثر جذرية على المستوى الشعبي، وهو ما سيؤثر بلا شك على الموقف الرسمي، أو يزيد الهوة بين المواقف الشعبية والرسمية العربية، ويقلل من فرص الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في مستقبل المنطقة.