شفافية المؤسسات سبيل للتكامل المجتمعي
تاريخ النشر: 17th, February 2025 GMT
ردود أفعال مختلفة وتفاعل رقمي ملحوظ تابعه الجميع بعد عقد الادعاء العام مؤتمره السنوي بتاريخ 4 فبراير 2025م بعنوان «الشعور بعدالة الإجراء»، الذي استعرض أهم مؤشرات وإحصائيات القضايا التي تعامل معها، وأبرز القضايا والقرارات والأوامر القضائية والأحكام المنفذة، وتوظيف التقنية الحديثة في أعماله، والتوعية القانونية لعام 2024، وما ذاك إلا انعكاس لمبادئ الشفافية ومشاركة المعلومة، وإذ نصل لهذه النتيجة ونتشارك ذلك اليقين فلا أقل من أن تغدو هذه البيانات والإحصائيات المعلنة رسميا بداية لكثير من التحليلات والأبحاث اللاحقة الممهدة لوضع تصورات ممكنة لمشاريع تغيير وتنمية مستقبلية، ولعل المؤتمر قدّم كثيرا من الإحصائيات والأرقام التي قد تبدو مقلقة ظاهريا دون التعمق في تأثير التوعية في الإبلاغ عما يمكن أن يكون مسكوتا عنه من قبل.
في سياق استبطان المعلومة الإحصائية وصحة تحليلها أذكر أنني أثناء عملي في متابعة متعلقات قضايا إنسانية صادفت حضور جلسة محكمة أتت بعد إجازة القضاء، صدمني خلالها عدد قضايا التحرش بالأطفال حد التوتر والظن بأنها ظاهرة مرعبة متفشية، وإذ لم يتغير اليقين بأثرها المدمر لنفسية الطفل، ثم سلبياتها العامة على المجتمع ككل، غير أني أيقنت بعد استبطان متعمق ومراس أن الزيادة في عدد القضايا تعني كذلك زيادة الوعي في ضرورة الإبلاغ عن المتحرش بعد سنوات من الصمت ظنا أن في الإبلاغ فضيحة للضحايا، وخطوة لإقصائهم مجتمعيا بعد تعريضهم للتنمر والإدانة، يقينا أن الأمر كذلك مع الزيادة المطردة في بعض القضايا المتعلقة بالمال العام وجرائم غسيل الأموال، وقد تضمّن المؤتمر تأكيدا ذلك بالحديث عن التعاون المشترك بين الادعاء العام وجهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة عبر العمل على مدار الساعة وبشكل متواصل للنظر في القضايا التي ترد إليهم من الجهات المبلغة، والتقييم المباشر لها، ولا ننسى في هذا المعرض الجهد الجلي للمؤسستين في التوعية المجتمعية والتثقيف القانوني والإداري، وتشجيع العامة والجهاز الإداري معا على ضرورة الإبلاغ ومشاركة المعلومة لتيسير عملية البحث والتحقق قبل الجزاء والمحاسبة إن ثبتت التهمة بتوافر الأدلة والقرائن.
مع قراءة ما بين السطور لا بد من وقفة على بعض الأرقام والإحصائيات والإجراءات، التي نذكر منها على سبيل المثال ارتفاع عدد الجرائم الواقعة على الأطفال العام الماضي إلى 1325 قضية، موزعة بين التحرش وهتك العرض وممارسة أي شكل من أشكال العنف، وتعريض الحدث للجنوح، والمخيف في ذلك أن هذا العدد لا يعكس الواقع الحقيقي لهذه التجاوزات على الطفولة وما هي إلا بعض من كل لم تصل به وسائله إلى الإبلاغ والتوثيق، خصوصا مع ما يمكن تخيله وسبق ذكره من قبل الادعاء أو المحامين أو حتى الأطباء المختصين مع استغلال وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الرقمية لإغراء وجذب الأطفال تحت عوامل كثيرة أسرية، اقتصادية واجتماعية.
ومع كل هذه الحقائق ترتفع ضرورة حماية الأطفال من كل هذه المهددات بتأكيد ثوابت التواصل الأسري، والاستقرار العائلي، وتعزيز القيم المتمثلة في الصدق والقناعة والإبلاغ عن أي شبهة، التوعية بالمفهوم الحقيقي للتربية بالقدوة والتوجيه، بالحوار بعيدا عن الإغراق المادي والعزل الاجتماعي، لا بد من يقين بأن أطفال اليوم مختلفون تماما عن أطفال الأمس وما يمكن أن يتعرضوا له من مخاطر يومية يفوق بمراحل ما كان يقلق آباء الأمس، من حيث السياق المختلف والوسائل المتنوعة، والسبل الأسرع لوصول الخطر إليهم حتى وهم في عقر دورهم بين أهليهم، وضمن هذا السياق المرتبط بالأحداث والأطفال ورد في المؤتمر كذلك حديث عن الموافقة على وثيقة مسقط لقواعد التعامل وحماية الطفل خلال مرحلة التحقيق بصفتها إلزامية بعد مناقشة أصحاب المعالي والسعادة نواب العموم والمدعين العامين بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كما تضمن المؤتمر موضوع التحقيق مع الأطفال المجني عليهم أو الأحداث الجانحين بتأكيد مراعاة ظروفهم بإيجاد غرفة خاصة للاستجواب في محافظة مسقط كتجربة أولى تضعهم في وضع أكثر أريحية للتقليل من تأثير سرد تفاصيل القضية عليهم، هذه التجربة التي نرجو تعميمها على جميع المحافظات من باب عدالة الإجراء عملا بالمساواة بعيدا عن المركزية، كما نرجو الأخذ بضرورة متابعة الأطفال والأحداث بعد صدور الأحكام، إذ لا ينبغي الاعتقاد بأن الاستقرار النفسي والصحة السلوكية توافرت مباشرة بمجرد إدانة المتهم في قضايا التحرش والعنف ضد الأطفال ليترك هؤلاء لمواجهة مصيرهم مع الاكتئاب والانطواء وتدمير الذات، ولعل تحقق ذلك بالتعاون بين مؤسسات مختلفة كالادعاء العام والقضاء والتنمية الاجتماعية والصحة النفسية.
كثير مما يتعلق بأرقام وإحصائيات الجرائم المرتبطة بالمال، وأخرى بتزايد الوافدين وثالثة بالاحتيال ورابعة بنسبة الذكور إلى الإناث، كل تلك الإحصائيات منطلقات لدراسات مستقبلية تأخذ كل هذه المعلومات بعين الاعتبار سعيا لتحليل واقعها وتبين مبرراتها، واقتراح وسائل تغييرها سواء بمعالجة أسبابها المادية والنفسية والاجتماعية، أو بسد الثغرات المكنة المتاحة لتعبر مثل تلك الجرائم عبر مراجعة التشريعات الإدارية والقانونية، وتفعيل الحوكمة الإدارية ومتابعة توصيات الادعاء العام وجهاز الرقابة وكل المؤسسات المعنية بالمشهد الجرمي أسبابه ونتائجه.
ختاما: لا بد من الثناء على كل خطوة مؤسسية في طريق الشفافية وتبادل ومشاركة المعلومة، فما ذلك إلا انعكاس جليّ لحرص الجميع وقوفا على تحديات المرحلة بتبيان واقعها قبل وضع الخطط لتخطيها وتجاوزها، حينها نصل لتفعيل المشاركة سبيلا لتكامل مجتمعي وطني منشود، شركاء في المعلومة شركاء في تدارسها، شركاء في تحويلها حافزا إيجابيا لغد أفضل.
حصة البادية أكاديمية وشاعرة عمانية
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الادعاء العام
إقرأ أيضاً:
قاض أمريكي يخلي سبيل الطالب الفلسطيني محسن مهداوي.. أوقف بسبب دعمه غزة
وجّه الطالب الفلسطيني في جامعة كولومبيا محسن مهداوي الذي أوقفته سلطات الهجرة الأمريكية هذا الشهر لدى حضوره لإجراء مقابلة معه ضمن تدابير منح الجنسية، الأربعاء، انتقادات لإدارة الرئيس دونالد ترامب بعدما أمر قاض فدرالي بإخلاء سبيله بكفالة.
من أمام مقر المحكمة في ولاية فيرمونت في شمال شرق الولايات المتحدة، ندّد مهداوي الذي كان من المقرّر ترحيله، بإجراءات الإدارة الأمريكية.
وقال: "لست خائفا منك"، متوّجها إلى ترامب الذي تشن إدارته حملة لكبح الهجرة، تستهدف أيضا محتجين مؤيدين للفلسطينيين في الولايات المتحدة، لينضم بعد ذلك إلى حشد تجمّع في المكان وسط هتافات "لا خوف".
وأضاف مهداوي: "إن لم يكن هناك خوف فبماذا يستبدل؟ بالمحبة. المحبة هي سبيلنا".
اعتُقل مهداوي في 14 نيسان/ أبريل لدى حضوره لإجراء مقابلة معه ضمن إجراءات منح الجنسية الأمريكية، وفق شكوى قدّمها محاموه إلى المحكمة.
وجاء في نص الشكوى أن مهداوي، وهو فلسطيني من مواليد الضفة الغربية المحتلة، مقيم قانونا على نحو دائم في الولايات المتحدة منذ 2015، وحفل تخرّجه محدّد الشهر المقبل وكان يخطط للالتحاق ببرنامج ماجستير في جامعة كولومبيا هذا الخريف. وأسس مع محمود خليل مجموعة طالبية فلسطينية في جامعة كولومبيا. وتسعى الإدارة الأمريكية أيضا إلى طرد خليل الذي اعتقل في آذار/ مارس.
والأربعاء، قال مهداوي: "ماذا فعلوا لي؟ لقد أوقفوني. ما السبب؟ لأنني رفعت صوتي وقلت لا للحرب ونعم للسلام".
وكان قاض أصدر أمرا تقييديا مؤقتا يمنع السلطات من ترحيل مهداوي أو نقله من فيرمونت "بانتظار أمر آخر" من المحكمة، بعدما سارعت سلطات الهجرة إلى نقل طلاب آخرين أوقفوا في إطار حملة الإدارة الأمريكية، إلى هيئات قضائية أخرى.
وحاول عناصر فدراليون نقل مهداوي إلى لويزيانا في اليوم الذي أوقف فيه، لكنّهم تأخروا على الرحلة، وفق وثائق للمحكمة.
أما خليل فنُقل بعيد توقيفه في الثامن من آذار/ مارس إلى لويزيانا حيث أصدر قاض في الشهر الحالي قرارا يقضي بجواز ترحيله. وقد تقدّم خليل بطعن بالقرار، لم يبت بعد.
واتّهم مهداوي إدارة ترامب بانتهاك حقه الدستوري في حرية التعبير ومحاكمة عادلة، في دفوع اعتبرها القاضي جيفري كراوفورد في فريمونت مقنعة.
وجاء في نص القرار القضائي أن "مهداوي قدّم أدلة كافية على أن خطابه محمي بموجب التعديل الأول".
وأمر كراوفورد بإخلاء سبيل مهداوي بكفالة بانتظار البت بطعنه الأوسع نطاقا، وقد أمره بالبقاء في الولاية وعدم السفر إلا إلى نيويورك وحصرا "لغايات تعليمية أو للقاء محاميه أو في حال أمرت المحكمة بخلاف ذلك".
واتّهم ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو أشخاصا شاركوا في تظاهرات نظّمت في عدة جامعات العام الماضي، بدعم حركة حماس.
منذ ذلك الحين، أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية عن استشهاد أكثر من 52 ألف شخص في غزة، غالبيتهم نساء وأطفال.
يقول روبيو إن قانونا فدراليا نادرا ما يتم تفعيله، يمنحه الحق في إلغاء تأشيرات وترحيل مهاجرين يشكّلون تهديدات لـ"السياسة الخارجية" للولايات المتحدة.
وشكّك القاضي كراوفورد في إمكان ألا يشكل تطبيق روبيو القانون على المتظاهرين في الحرم الجامعي انتهاكا لحماية حرية التعبير.
وقال: "لا يمكن أن يكون الدافع وراء احتجاز المهاجرين هو غرض عقابي. ولا يمكن أن يكون الدافع وراء ذلك هو الرغبة في كم أفواه آخرين".
وشبّه كراوفورد المناخ السياسي الناجم عن حملة ترامب بالغضب المناهض للشيوعية في أوائل القرن العشرين وبالمكارثية التي سادت في الخمسينيات.
وأطلق ترامب حملة ضد جامعات أمريكية بسبب احتجاجات عمّت البلاد العام الماضي ضد سلوكيات "إسرائيل" في الحرب التي تشنها في قطاع غزة.
وتقول الإدارة أيضا إن الجامعات أخفقت في التصدي لمعاداة السامية في أحرامها، وقد اتّخذت خطوات لتجميد او إلغاء تمويل فدرالي بمليارات الدولارات لجامعات بينها كولومبيا وهارفرد.
الطعون القضائية بإجراءات إدارة ترامب، بما في ذلك قضية مهداوي، قد تحال في نهاية المطاف على المحكمة العليا.