الشبكة يتابع تهديدات فتق نتنياهو وأرواح حميدتي السبعة
تاريخ النشر: 14th, February 2025 GMT
وفي مفارقة تعكس هوس القوى الدولية بإعادة تشكيل الخرائط، كشفت الحلقة عن فرمان أميركي يهدد بتحويل المحكمة الجنائية الدولية إلى "فرع لستاربكس" ما لم تلغِ أحكامها ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بينما تدرس واشنطن تحويل التهجير القسري إلى "حل بيئي" لتفادي إصلاح البنية التحتية.
أما في إسرائيل، فقد حذّر الطاقم الطبي المشرف على حالة نتنياهو الصحية من أن متابعة عمليات تبادل الأسرى قد تؤدي إلى تفاقم مشاكله الجسدية، مشيرا إلى أن الفتق لن يصمت عند مشاهدة الدفعة السادسة.
وتصاعدت السخرية من تصريحات إسرائيلية متناقضة، حيث طالب نتنياهو بالإفراج عن جثث الأسرى بدل الأحياء، بينما وصف إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي المستقيل الدولة بأنها "أصبحت نكتة"، في إشارة إلى تدهور المصداقية داخليا ودوليا.
وفي مشهد يعكس انفصام الخطاب السياسي، قدم رجل أعمال مصري خطة منافسة لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة إعمار غزة عبر تحويلها إلى "نيوجرسي الشرق الأوسط"، مزودة بمجمعات ترفيهية وملاعب غولف، متجاهلا أن المدينة لم يتبقَ فيها باب سليم أساسا.
أما في دمشق، فقد تسببت دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع لحضور قمة عربية طارئة بالقاهرة في دخول مجموعة من الإعلاميين المصريين إلى المستشفى بعد تعرضهم لصدمة مفاجئة، في حين أكد ماهر الأسد أنه "القيصر الحقيقي" وراء تسريبات جرائم الحرب، مطالبا بتعويضه نقدا أو "بتيجان ذهبية".
إعلان لن أموت في صمتوفي إطار السخرية من الشائعات المتكررة، تفوّق القائد السوداني محمد حمدان "حميدتي" على القطط بتجاوزه شائعة الوفاة الثامنة، مؤكدا للسودانيين "لن أموت في صمت.. وسأعلن وفاتي بنفسي"، بينما سجّل رقما قياسيا في سلسلة الهزائم، مع تأكيده أن "9 أرواح لا تكفي أمام هذه الانتكاسات".
أما الرئيس الأميركي، فقد هدد بفتح "أبواب الجحيم" على غزة إذا لم يتم تنفيذ شروطه، متجاهلا أن معظم الأبواب في القطاع قد دُمرت بالفعل جراء القصف المتواصل. وعلّق البرنامج بأن واشنطن تبدو مهتمة بإعادة "تأهيل الجحيم" ليكون أكثر ملاءمة للمشهد السياسي الراهن.
وفي تطور غير متوقع، رصدت الكاميرات مجموعة من الأسرى الإسرائيليين وهم يهتفون "الله أكبر" عند الإفراج عنهم، مما دفع نتنياهو للمطالبة بوقف إطلاق سراح الأحياء، والاكتفاء بتسليم الجثث.
وفي مشهد يعكس "حمى الاستعمار الجديد"، انتقد البرنامج خطط الولايات المتحدة لاحتلال غزة وقناة بنما وغرينلاند في آنٍ واحد، مشيرا إلى أن "إعادة رسم الخرائط باتت رياضة أميركية مفضلة".
وفي سياق متصل، سخر البرنامج من عرض إيلون ماسك شراء المحكمة الجنائية وتحويلها إلى محكمة تعمل بالذكاء الاصطناعي، مع تعهده بألا "تزعج إسرائيل"، في إشارة ساخرة إلى محاولات تطويع المؤسسات الدولية.
تهجير سكان كاليفورنياوفي قطاع غزة، اقترح ناشطون خطة مماثلة لتهجير سكان كاليفورنيا بحجة إعادة إعمارها بعد الحرائق والأعاصير. وطرح البرنامج تساؤلا ساخرا عما إذا كانت هذه الفكرة "مستلهمة" من الخطط الإسرائيلية أم مجرد مصادفة؟
وعلى خطّ مواز، سخر البرنامج من مخططات تحويل غزة إلى مشروع استثماري عالمي يحمل اسم "نيو جيرسي الشرق الأوسط"، حيث تضم المدينة المستقبلية كافيهات ومولات وملعب غولف ومجمع أديان "يتسع حتى لزاوية تأملية للملحدين".
ووسط هذه الرؤية "الطموحة"، تساءل البرنامج عن مصير السكان الأصليين، ليأتي الجواب سريعا "إذا لم يبقَ أحد، فالمشروع سيصبح واقعيا بلا شك".
إعلانوفي سياق السخرية من الإعلام الإسرائيلي، عرض البرنامج تقريرا عن "الإنجازات التاريخية" التي يروجها الاحتلال رغم الفشل الميداني. وأبرز كيف يتم الاستعانة بمؤثرين عرب للترويج لرواية إسرائيلية معدلة، مشيرا إلى أن "الترويج للانتصارات الوهمية أصبح مهنة قائمة بذاتها".
وسلط البرنامج الضوء على "الخطوط الحمراء" في المنطقة، والتي يتم تحديثها سنويا مثل أي تطبيق رقمي، وذكر البرنامج أن هذه الخطوط تشمل احتلال القدس وضم الجولان وعمليات التطبيع المستمرة، مما يطرح السؤال: هل بقي هناك أي خطوط لم يتم تجاوزها بعد؟
14/2/2025المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات
إقرأ أيضاً:
حميدتي: النفس والقرين.. البداية والنهاية
إن دراسة الخصائص الشخصية والنفسية للقادة مدنيين أو عسكريين، متفقين معهم كنا أو مختلفين، تظل أمرا مهما في سياق الحاجة لمعرفة توجهاتهم وطرائق تفكيرهم، بهدف التنبؤ بخطواتهم اللاحقة وبكيفية تعاملهم مع المواقف والأحداث.
وحين تكون الشخصية محل النظر والتقييم مؤثرة في حياة الناس سلبا أو إيجابا تزداد أهمية ذلكش، فعلم النفس حول سلوك وسمات القادة الفّعالين، يكشف كيف يؤثر القادة على مواقف أتباعهم وسلوكياتهم وأدائهم.
تلك كانت مؤشرات الدراسات الاجتماعية والنفسية حول القادة، ونحن هنا أمام حالة ربما يعجز حتى علم النفس الحديث عن سبر أغوارها وتناول شخصيتها التي حطت رحالها على عجل في المشهد السياسي والعسكري السوداني، فهي بلا تاريخ ولا حيثيات مقنعة لتتصدر كل هذا المشهد ولتلعب كل هذه الأدوار الخطيرة والمدمرة، إنها شخصية قائد مليشيا الدعم السريع المتمرد محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي".
من خلال هذا المقال نتلمس نشأته في بواكير حياته الأولى ليتضح من غير عناء أن شخصيته كانت أقرب لـ"المادة الخام" التي لم تُستصلح بالتطوير ولم تكتسب قيمتها بالإضافة، فهو لم ينل حظا وافرا من التعليم، فقط مجرد إنسان بدوي بسيط على سجيته اكتسب بعضا من طبائع البادية، حيث يولد الناس هنالك أغلبهم أذكياء بالفطرة وشجعان بالميلاد، تطغى فراستهم على خوفهم وصدقهم على كذبهم، ورعايتهم للعهود على خيانتهم لها. بهذه الشخصية "الخام" وبكثير من الطموح القاتل الناتج عن الحرمان ولج حميدتي للمدن ودخل العواصم، ثم رأى الحضر وأهله لتختلط عليه الأمور، متناسيا البادية ومتنكرا لطبائع أهلها.
وحول أخلاق أهل البادية يقول ابن خلدون بأنها مكان لجملة من الفضائل الإنسانية ويري أن "البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، وإن البادية أصل العمران، والأمصار مدد لها. ثم يرى لاحقا أن الحضارة "تُضعف من يملك أسبابها، ويستسلم لنعيمها، فتفسد طبعه، ويستولي عليه الترف، فيفسد ويضمحل".
وفي فصول أخرى يبدي ذمَّه لبعض حالات البداوة، وانتقاصه من شأنها مثل حديثه في أن العرب (ويعني البدو) إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب.
لقد حل الخراب بالسودان يوم أن دخل الجنرال المتمرد حميدتي في متاهة الدنيا الجديدة، دنيا الحضر بتعقيداتها وتشعباتها العصية على مدارك فهمه وقدرة استيعابه، هنالك حيث عِلية القوم وأكابر الناس، وحيث القادة العسكريون الحقيقيون تملأ النجوم والنياشين أكتافهم، تفتح لهم الأبواب وتقف لهم طوابير الشرف، فيها رأى أصحاب المال والأعمال وخالط الأثرياء واحتك بالعوائل الغنية، فوجم مصدوما وكافرا بالبادية وكريم أخلاقها قائلا بلسان حاله: هذا ربي هذا أكبر.
في هذا العالم الجديد حيث مباهج الحياة ومغريات المدن دخل حمدان في متاهة عميقة من الحوار العنيف بينه وبين ذاته، يحاور نفسه ويستمع لصداها وهو يريد أن يكون كل هذا، قائدا عسكريا عظيما كتفا بكتف مع الجنرالات عبود وسوار الذهب والنميري والبشير والبرهان، ورأسماليا كبيرا يكنز الأموال ويحتكر الأعمال، يشيد المصانع ويناطح الأثرياء، يريد أن يصبح زعيما سياسيا ضخما له من الأتباع ما يبز الترابي وآل المهدي والميرغني.
باختصار هو يرغب في أن يكون كل هذا وبأقصى سرعة، وطالما وجد الطريق سالكا نحو مقعد الرجل الثاني في الدولة، لِمَ لا يكون الأول ورئيسا للسودان؛ كل السودان بمثقفيه ونخبه وعلمائه وجامعاته، بتاريخه ونضالاته من لدن مملكة سنار وسلطنة دارفور إلى المهدية وجمعية اللواء الأبيض، ومنذ مثقفي نادي الخريجين وحتى مأثرة رفع الأزهري والمحجوب لعلم دولة 56 على سارية الاستقلال.
لمَ لا وقد اجتمع له ما لم يجتمع لغيره، المال والرجال، السلاح والنفوذ، وفوق هذا وذاك الوهم الذي بلغ به حدا جعله يعتقد أن أي شيء في السودان قابل للبيع والشراء؛ الذمم والمواقف، الرجال والنساء طالما كانت مناجم ذهبه لا تنضب، لقد وصل حمدان إلى نفس نقطة اللاعودة والاستكبار عند فرعون.. (ونادي فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي- صدق الله العظيم).
هذه الشخصيات المتعددة التي تعيش في جلباب حميدتي وفي داخل نفسه سولت له أمره وصنعت تلك الشخصية الجديدة المُتخلقة الشخصية (الهجين) التي تُمسي هنا وتُصبح هنالك، تُصالح اليوم وتُعادي غدا، تدخل في هذا الحلف وتنشئ غيره، تقول الشيء وتفعل ضده.
الشخصية الهجين هذه كانت أسيرة لثلاثية "الجهل والمال والطموح"، فاندفعت ثم انتفخت للحد الذي قادها لتنفجر على نفسها، لقد ظن حمدان أن بمقدوره أن يتملك السودان بأرضه وشعبه وتاريخه وأنه سيتوج نفسه أميرا عليه وعلى المهاجرين الجدد المتناسلين من عرب الصحرا،ء والمرتزقة الذين فقدوا سبل كسب العيش في بلدانهم فجاؤوا يعتاشون هنا كـ"كسيبة" ونهابين، فيكتب للتاريخ والأجيال القادمة أن الأمير دقلو الأول هو من أرسى قواعد دولة آل دقلو في عصور سابقة على أرض دولة كان اسمها السودان.
كانت تلك شخصية حميدتي المزهوة التي عبر عنها بعد يومين من اندلاع الحرب بكل غرور الدنيا وصلف العالمين حين قال: "البرهان ما عندنا معاه كلام، يسلم بس وكان ما سلم بنستلمه".
كان حميدتي في داخله مفتونا بالنخبة السودانية بوعيها وتاريخها بأرستقراطيتها وأمجادها وبأسلوب حياتها، لقد اجتهد ما وسعه الجهد في مجاراتها، وعندما عجز ورأى نفسه صفرا في مكيال التعليم وميزان الثقافة امتلأ حقدا عليها وراح يتعالى بالنياشين الكذوبة على كتفه وبالمال الحرام في خزائنه، لقد امتلأ حقدا حتى فاض مهددا سكان العاصمة الخرطوم قُبيل الحرب "لو قامت الحرب عماراتكم السمحة دي إلا تسكنها الكدايس"، يقصد القطط.
إن أشق الحروب هي حرب الإنسان مع نفسه، وهو عين ما فعله حمدان بنفسه، من النعيم إلى الجحيم، ومن سعة الدنيا الي ضيقها، من كل شيء إلى لا شيء.
ومن عجب أن المباهج ومغريات المدن لم تنسه البادية وحدها بل أنسته حتى طباعها التي جُبلت على مكارم الأخلاق، حين خاض حربه بلا مكارم وبلا أخلاق، فحمدان ومرتزقته لم يكونوا رجالا ولا فرسانا حيث خاضوا حربهم بأحط درجات الجبن والنذالة؛ حرب الاغتصاب وإذلال المُسنين، حرب السرقات واللصوصية وحرب استباحة أملاك الناس والتعدي على حقوقهم وحرماتهم، هكذا كانت حرب الجنجويد من النوع البشع الغارق في الرذائل.
الآن أكملت حرب الجنجويد على السودانيين عامها الثاني وهي تمضي نحو خواتيمها إلى طردهم وإنهاء أسطورة حميدتي الذي لم يتمكن من استلام البرهان ولا من حكم السودان، بل انتهى إلى مصير غامض وخائب ما بين هارب متخف من ميدان المعركة أو مريض مُقعد لا يقوى على شيء، إلي ميت لا وجود له إلا من خلال فيديوهات قصيرة يعتقد أغلب السودانيون تهكما أنها مفبركة من إنتاج الذكاء الاصطناعي بهدف خديعة جنوده الجهلاء بأن القائد معهم وبينهم في ميادين القتال يخوض المعارك.
لم يحقق حميدتي شيئا ولم ينجح في شيء الا الهزيمة واكتساب كراهية السودانيين ولعناتهم التي ستلاحقه حيا وميتا، فمشاعرهم الغاضبة لن تغفر تلك الآلام وذلك البؤس الذي صنعه بهم، فهي لم تتفق مجتمعة كاتفاقها على كراهية حميدتي ومليشياته للدرجة التي تحولت إلى مزاج شعبي ومجتمعي عام ولن ينساها السودانيون ولن تطويها الأيام.
المشروع الوحيد عند حميدتي هو مشروعه الشخصي القائم على الطموح القاتل، وحتى هذا كان أمرا هلاميا بلا سيقان أو هوية محددة تمكنه من التنفيذ، غاب بالتالي مشروعه بغيابه هو كقائد وانتهى كل شيء، الأحلام والأماني والقوات التي لا تقهر ولا تخسر، وتبقت جزر المليشيا معزولة مقهورة تنتظر مصيرها المحتوم بالموت والهلاك
انتهى حميدتي إلى كونه ظاهرة صوتية تظهر من حين لآخر عند كل هزيمة كبيرة يلحقها به الجيش السوداني، يبدو دائما في حالة مزاجية سيئة؛ يكيل الشتائم والسباب على الجميع بطريقة أقرب للتشنج والتوتر ثم يُمنّي من تبقى معه من مرتزقة بنصر قريب ولكنه لا يأتي.
ولأن حميدتي لا يملك مشروعا واضح المعالم السياسية والفكرية، غير تلك الخطابات الارتجالية التي تصنف تحت بند الكلام الدارج الذي يقال أمام الناس هكذا وفقا لما يطلبه المستمعون والذي يقابله عادة الناس كفاصل درامي يلعب فيه حميدتي دور البطل المهرج، فقد كان وفاض القائد خاليا من أن يقدم مشروعا متكاملا يوازي أحلامه العريضة ورغبته الجامحة في حكم السودان.
المشروع الوحيد عند حميدتي هو مشروعه الشخصي القائم على الطموح القاتل، وحتى هذا كان أمرا هلاميا بلا سيقان أو هوية محددة تمكنه من التنفيذ، غاب بالتالي مشروعه بغيابه هو كقائد وانتهى كل شيء، الأحلام والأماني والقوات التي لا تقهر ولا تخسر، وتبقت جزر المليشيا معزولة مقهورة تنتظر مصيرها المحتوم بالموت والهلاك.
كان ذلك هو حميدتي ومشروعه الهلامي الذي ما استقرت له وجهة ولا عُرف له مؤيدون سوى أصحاب العاهات النفسية والمتخلفين عقليا في المجتمع ممن تم شراؤهم بحفنة من المال الحرام، سقط هذا المشروع بسقوط صاحبه وشيُع متبوعا بلعنات السودانيين ودعوات المظلومين.
انتهى حميدتي وانتهت قواته، وبقي السودان رغم ما به من جراح غائرة وحريق ورماد ودمار، إلا أنه سينهض ويحلق في الفضاءات من جديد كما يفعل الفينيق معلنا عودته للحياة مرة أخرى، فإرادة الشعوب الحرة لا تنكسر وعزائمها الأبية لا تخور.
* المستشار الاعلامي السابق لرئاسة الجمهورية بالسودان