في تونس يتحدّثون عن تطهير الإدارة
تاريخ النشر: 22nd, August 2023 GMT
في تونس يتحدّثون عن "تطهير الإدارة"
هناك فرق شاسع بين الإصلاح الإداري، وهو مطلب شرعي وضروري وطُرح منذ الأشهر الأولى للثورة، والحديث عن تطهير إداري!
يخشى أن تترتب عن التطهير الإداري مظالم ومآس لا تُحمد عقباها، خصوصا في أجواء تتسم بالكراهية والرغبة في الانتقام وتصفية الخصوم.
الإصلاح عملية عقلانية تتم وفق آليات موضوعية تتجاوز الأشخاص والأطراف، في حين أن التطهير كلمة مشحونة بالرغبة في الانتقام والاستئصال.
ما المقاييس التي ستعتمد والآليات الإدارية والتشريعية التي سيلجأ إليها؟ ومن سيدير عملية التطهير التي ينتظر منها أن تفضي إلى طرد آلاف الاشخاص؟
يبلغ عدد موظفي القطاع العام 660 ألف شخص، رقم كبير مقارنة بحجم السكان، ومقارنة بدول أخرى مماثة، ويبلغ حجم أجور هؤلاء 40% من ميزانية الدولة.
كثر الحديث في التقارير الدولية عن التضخّم الإداري في تونس ويطالب صندوق النقد الدولي بتخفيض عدد الموظفين وعدم قبول موظفين جدد بأجهزة الدولة والقطاع العام.
سيحاسب من جرى توظيفهم بالمحسوبية والولاءات الحزبية ويُجبرون على إعادة الأجور والمنح التي تمتعوا بها "بدون وجه حق" خلال السنوات الأخيرة.
ستشهد الأيام المقبلة تصفية واسعة النطاق لتونسيين ستلاحقهم تهم عديدة ومختلفة فهل سيكون هذا أسلوبا ناجعا لمعالجة ملفٍّ مزمنٍ يتعلق بعصب الدولة وأجهزتها الإدارية؟
* * *
يجري الاستعداد في تونس لطرد عدد هام من الموظفين العاملين في القطاع العام ومؤسسات الدولة، بتهمة حصولهم على الوظيفة بطرق غير شرعية وخدمة أغراض سياسية، إلى جانب تزوير الشهادات العلمية، وعدم الكفاءة. وذلك كله تحت شعار ملغّم ومخيف، تطهير الإدارة.
تتنزّل هذه الحملة في سياق البحث المتواصل عمّن يقف وراء محاولات "إسقاط الدولة من الداخل" و"العبث بمقدّرات الشعب". وبما أن وعودا وقرارات عديدة للرئيس قيس سعيّد لم تتحقق ولم تتقدّم، ولا يزال كثير منها في حالة توقّف، فإن المتسبّب في ذلك من وجهة نظر الرئيس سعيّد هم "المندسّون في الإدارة"، الذين آن الأوان لاقتلاعهم من وظائفهم ومحاسبتهم، باعتبار أنهم مسؤولون عن هذا التعطيل، سواء بحكم عدم الكفاءة أو لأنهم يخدمون أجندة من وضعهم في تلك المواقع.
يبلغ عدد الموظفين في القطاع العام حوالي 660 ألف شخص، وهو رقم كبير مقارنة بحجم السكان، وأيضا مقارنة بدول أخرى شبيهة، لهذا يبلغ حجم أجور هؤلاء 40% من ميزانية الدولة.
لهذا السبب، كثر الحديث في التقارير الدولية عن ظاهرة التضخّم الإداري في تونس التي أصبحت مطالبةً من صندوق النقد الدولي بالتخفيض في عدد الموظفين، إلى جانب الامتناع عن قبول موظفين جدد في أجهزة الدولة والقطاع العام.
من أسبابٍ مباشرةٍ أدّت إلى جدل واسع بشأن هذه المسألة الانتدابات التي وصفت بالعشوائية، والتي حصلت بعد الثورة للمتمتّعين بالعفو التشريعي العام، وكان عددهم 6839 شخصا، إلى جانب إقحام عملة المناولة والآلية 16 الذين بلغ عددهم حوالي 54 ألف عامل.
وأثبتت الدراسات أن عدد الموظفين في تونس قد تضاعف منذ الاستقلال 16 مرّة. وبما أن معظم الذين استفادوا من العفو التشريعي ينتمون إلى حركة النهضة الذين جرى سجنهم وملاحقتهم قبل 2011، لهذا السبب، تم ربط مسألة تطهير الإدارة باحتمال استهداف حركة النهضة من رئيس الدولة، ما أكسب القضية بعدا سياسيا ستكون له انعكاسات خطيرة في حال جرى تنفيذ ما يجري الحديث عنه في الكواليس.
أصبح واضحا أن رئيس الحكومة الجديد، أحمد الحشاني، هو الذي سيتولى تنفيذ "خطة" تطهير الإدارة. والسؤال حاليا يتعلق بالمقاييس التي سيجري اعتمادها، والآليات الإدارية والتشريعية التي سيقع اللجوء إليها. ومن سيدير عملية التطهير التي ينتظر منها أن تفضي إلى طرد آلاف الاشخاص.
ولن يقف الأمر عند ذلك، بل ستتم محاسبة الذين جرى توظيفهم عبر المحسوبية والولاءات الحزبية الذين سيُجبرون على إعادة الأجور والمنح التي تمتعوا بها "بدون وجه حق" خلال السنوات الأخيرة.
وهذا يعني أن الأيام المقبلة ستشهد تصفية واسعة النطاق لقسم مهم من التونسيين الذين ستلاحقهم تهم عديدة ومختلفة، فهل سيكون هذا أسلوبا ناجعا لمعالجة ملفٍّ مزمنٍ يتعلق بعصب الدولة وبأجهزتها الإدارية.
لا خلاف على أن ثمّة أزمة في الإدارة التونسية. لكنْ هناك فرق شاسع بين الإصلاح الإداري، وهو مطلب شرعي وضروري، وقد طُرح منذ الأشهر الأولى للثورة، والحديث عن تطهير إداري.
فالإصلاح عملية عقلانية تتم وفق آليات موضوعية تتجاوز الأشخاص والأطراف، في حين أن التطهير كلمة مشحونة بالرغبة في الانتقام والاستئصال. ويخشى أن تترتب عنها مظالم ومآس لا تُحمد عقباها، خصوصا في أجواء تتسم بالكراهية والرغبة في الانتقام وتصفية الخصوم.
كما يجري الحديث أيضا عن موظفين استعملوا شهادات جامعية مزوّرة، وهي مسألة خطيرة ولا أخلاقية، لكن لا أحد قادر على تحديد عدد هؤلاء لمعرفة حجم الظاهرة وتداعياتها.
مع ذلك، هناك من سمح لنفسه بالقول إن هناك عشرات الآلاف من المزوّرين، فإن صحّ ذلك سيكون من تداعياته توجيه ضربة قاصمة لصورة الدولة والإدارة التونسية.
باختصار شديد، يخشى أن تخاض معركة على هذا المستوى من الخطورة بكثير من الارتجال والتسرّع، أو أن يتم تحويل الإدارة إلى مجال مفتوح لنوع من المكارثية على الطريقة التونسية.
*صلاح الدين الجورشي كاتب وناشط تونسي في المجتمع المدني
المصدر | العربي الجديدالمصدر: الخليج الجديد
كلمات دلالية: تونس الإصلاح الانتقام المحسوبية تطهير الإدارة قيس سعيد القطاع العام أحمد الحشاني عدم الكفاءة عدد الموظفین فی الانتقام فی تونس
إقرأ أيضاً:
تقرير: ترامب يبدأ "حملة تطهير" في مجلس الأمن القومي
بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب إقالة عدد من كبار موظفي مجلس الأمن القومي، بحسب وسائل إعلام إميركية، يوم الخميس، في خطوة وُصفت بأنها "حملة تطهير داخلية".
وبحسب شبكة سي إن إن فقد تأكد إقالة ثلاثة مسؤولين حتى الآن وهم:
برايان والش، مدير شؤون الاستخبارات، وكان سابقًا من كبار موظفي السيناتور ماركو روبيو (وزير الخارجية الحالي) في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ.
توماس بودري، مدير أول لشؤون العلاقات التشريعية، وكان يشغل سابقًا منصب المدير التشريعي لمايكل والتز في الكونغرس.
ديفيد فايث، مدير أول معني بالتكنولوجيا والأمن القومي، وقد شغل منصبًا في وزارة الخارجية خلال الإدارة الأولى لترامب.
وتأتي الإقالات بعد يوم واحد فقط من زيارة الناشطة المثيرة للجدل لورا لومر إلى البيت الأبيض، حيث التقت ترامب داخل المكتب البيضاوي وقدّمت له "أدلة وبحوثًا" تطال عدداً من موظفي مجلس الأمن القومي، متهمة إياهم بتمرير توجهات "المحافظين الجدد" داخل الإدارة، بحسب موقع أكسيوس.
ورغم أن "أكسيوس" لم يتمكن من تأكيد العلاقة المباشرة بين زيارة لومر وقرارات الإقالة، إلا أن المصدر المطّلع أشار إلى أن الخطوة يُنظر إليها على أنها "ضربة للمحافظين الجدد" داخل فريق الأمن القومي.
وأوضح المصدر أن لومر عبّرت عن غضبها الشديد من "تسلل المحافظين الجدد" إلى مواقع حساسة في الإدارة الأميركية، واعتبرت أن ذلك يخالف رؤية ترامب للسياسة الخارجية. وقال مسؤول أميركي إن لومر قدّمت للبيت الأبيض معلومات مفصلة خلال زيارتها، والتي كانت قد كُشف عنها في وقت سابق عبر تقارير إعلامية.
المصدر نفسه كشف أن عدد الذين أُقيلوا قد يصل إلى عشرة موظفين، من بينهم مدراء كبار. ولم يردّ المتحدث باسم مجلس الأمن القومي على طلب التعليق من "أكسيوس".
وعلمت وكالة أسوشيتد برس من مصادرها اليوم الخميس أن دونالد ترامب يتجه إلى الاستغناء عن عدد من المسؤولين بمجلس الأمن القومى بسبب مخاوف من أنهم "ليسوا موالين على نحو كاف".
وحتى الآن، لم يُعرف ما إذا كانت الإقالات مرتبطة بالجدل القائم حول استخدام مستشار الأمن القومي مايكل والتز وفريقه تطبيق "سيغنال" والبريد الإلكتروني الخاص لمناقشة ملفات حساسة، بما في ذلك خطط ضربات عسكرية في اليمن.
وقد أثار هذا الملف جدلاً واسعًا عندما أُضيف اسم رئيس تحرير مجلة "ذا أتلانتيك"، جيفري غولدبرغ، إلى محادثة على "سيغنال" بالخطأ. وهو الأمر الذي أحرج والتز، خاصة وأن غولدبرغ يُوصف من قبل أنصار ترامب بأنه من "النيوقونيين".
وفي ذروة ما بات يُعرف إعلاميًا بـ"فضيحة سيغنال"، فكّر ترامب في إقالة والتز، لكنه قرر في النهاية الإبقاء عليه وعدم تقديم "رأسه" لمنتقديه.