البوابة نيوز:
2025-03-28@02:51:55 GMT

فضائل في حياة العذراء: عدم محبة المديح

تاريخ النشر: 22nd, August 2023 GMT

يولد الإنسان محبًا لذاته، فنرى الطفل أنانيًا يحب ذاته فقط، يحب ألا ينحسر الضوء عنه، فإذا اهتموا بآخر بكى واستنكر، ويحاولون من ثم تعليمه حب الآخرين والمشاركة، ويبدو أن الإنسان بطبيعته يحب المديح والإطراء، ويطرب له كثيرًا، بينما لا يقبل الانتقاد حتى ولو كان في محله، الأمر إذا يحتاج إلى تدريب.
عندما بدأت القديسة أَلِيصَابَاتُ في مدح مريم العذراء قاطعتها بأدب قائلة: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ.

.. لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي..." (لو 1: 46-48) وقد سلمتنا القديسة مريم رفض المديح من خلال تفكرها بالكلام في قلبها فقط، وثانيًا من خلال عدم ترك أَلِيصَابَاتُ تسترسل في مدحها فطالبت بأن نعظم الرب فهو المستحق كل مجد وكرامة، ثم الاعتراف بأنها أمة ضعيفة بلا كرامة ومع ذلك نظر الرب إليها، وأن الأجيال جيلًا بعد جيل سيرددون أنها محظوظة لأنها نالت هذه الكرامة. ومن ثم:
1- علينا ألا نترك أحدًا يمتدحنا ونحن صامتين، بل نوقف ذلك أو نحول مساره أو نلفت الانتباه إلى مجد الله، فإذا سمعت مديحًا لك فاهتف على الفور في داخلك "المجد لك يا رب" وكما قال السمائيون لله "أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ" (رؤ 4: 11) وإن كان الآباء يحذرون من أن بعض الردود من شأنها أن تجعل الآخر يتمادى في المدح ومن ثم يوصون بمقابلة المديح بالصمت في بعض الحالات.
وقل لنفسك أنهم يحكمون حسب الظاهر وهم لا يعرفون خطاياي وضعفاتي، وأن الله إنما يستر عليّ حتى لا أفتضح، أشكر الله ولا تقبل المدح. بل تجاوز الأمر حده عند البعض فاتوا أعمالًا تجلب لهم التحقير والإهانة، كمن تظاهر بالجنون، وإن كان الآباء لا ينصحون بمثل هذه.
2- ليس من يمدح نفسه ولا من يمدحه الناس بل الْمُزَكَّى من الله، هذا لاحظناه في وصف الكتاب للقديسين زكريا وأَلِيصَابَاتُ إذ قال عنهما القديس لوقا: "وَكَانَا كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ" (لوقا 1: 6) إذًا ليس من يمتدحه الناس ولا من يمتدح نفسه بل الْمُزَكَّى من الله: "لأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ مَدَحَ نَفْسَهُ هُوَ الْمُزَكَّى، بَلْ مَنْ يَمْدَحُهُ الرَّبُّ" (2كو 10: 18) كما يقول يشوع بن سيراخ: "لِيَمْدَحْكَ الْغَرِيبُ لاَ فَمُكَ، الأَجْنَبِيُّ لاَ شَفَتَاكَ" (أم 27: 2).
3- محبة المديح كبرياء: من يحب المديح تتضخم ذاته، ويعمل أعمالًا الغرض منها جلب المديح وهذا يسبب له الكبرياء وإحساسه بالتميز على الآخرين، ويحرم نفسه من تعاطف الله معه، فقد كتب: "يقاوم الله المستكبرين ويعطي نعمة للمتواضعين" أي أن هذه المحبة تمنع عنا نعمة الله، ناهيك عن أن الناس يحيون المتضعين فالاتضاع من الصور التي تقدم المسيح، كما قال القديس باخوميوس إن أفضل المناظر هي: "منظر الإنسان الوديع والمتواضع القلب" كما قال إن الاتضاع هو الحُلة التي لبسها كلمة الله عندما تجسد.
4- قبول المديح يسحب من رصيدنا: لقد رفض الملاك السجود له، ورفض القديسان بولس وبرنابا أن يسجد الشعب لهما أو يقدموا ذبائح لهما: "فَكَانُوا يَدْعُونَ بَرْنَابَا «زَفْسَ» وَبُولُسَ «هَرْمَسَ» إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ" (أع 14: 12) وذلك ببساطة لأننا سنكون قد استوفينا أجرنا: "فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!"(مت  6: 2).
أما احتمال الإهانة والصبر عليها بفرح فإنه يضيف إلى رصيدنا، قال السيد المسيح: "طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ" (مت 5: 11) بينما قال ويل لكم إن قال كل الناس فيكم حسنًا. بل قال الآباء إن اليوم الذي يمر دون محقِّرة لا تحسبه ضمن أيام حياتك، وقالوا أيضًا ليكن شاتمك مثل طبيبك. وقال أنبا بيمن: "كن صديقًا لمنْ يحكي عنك بالشر لتجوز أيامك بنياح".
5- التشجيع والمديح والنفاق: الكل يحتاج إلى التشجيع، مهما كانت قامته أو سنه، والتشجيع له تأثير إيجابي كبير، أقصد بالطبع التشجيع على الأعمال الحسنة، أما المديح فقد يتجاوز التشجيع بقليل إلى الاستطراد أو المبالغة الخفيفة، وقد يكون مقبولًا في حدود ما، أما النفاق فقد يكون بدافع غير شريف وفيه شيء من الكذب، وقد يكون بسبب الخوف، وقد يتحول إلى عادة عند البعض. والرياء والنفاق هما وجهان لعملة واحدة فالنفاق لكسب ود الآخرين بينما الرياء هو ظهور الشخص بمظهر غير حقيقي، فيبطن خلاف ما يظهر. أما أنت فكن مشجعًا ولا تكنْ مرائيًا، بل أخفي فضائلك لأن الفضيلة إذا اشتهرت نهبت وفسدت كما قال الآباء.
6- والناس تجاه المديح أنواع: نوع يرفض المديح، وآخر يسمعه على مضض، ونوع يحقّر نفسه، ونوع يقبله بفرح، ونوع يسعى إليه بالإيحاء، ونوع يدفع الآخرين لمدحه، ونوع يتسول المديح، ونوع يدفع المال لمدحه، ونوع إن لم يمدحه أحد مدح نفسه.. وفي المقابل هناك نوع يفرح بالمذمة، ونوع أرقى هو الذي لا يختلف عنده المدح عن الذم، كما حدث مع الأنبا بيمن واخوته، وآخرين، بل قيل أن احتمال الهوان أسهل من احتمال الكرامة!. وجاء في الأدب الرهباني: "مدح الآباء شخصًا بين يدي الأنبا أنطونيوس فأراد أن يختبره إن كان يحتمل الإهانة فلم يحتمل فقال هذا الشخص يشبه مدينة مزينة من الخارج ومن داخلها عظام أموات"..
أخيرا... يقول الرب إن فعلتم كل البر فقولوا إننا عبيد بطالون، انما فعلنا ما قد اُمرنا به، ويعلق المتنيح البابا شنودة على ذلك قائلا: إننا لم نصل بعد إلى رتبة "العبد البطال" لأننا لم نفعل كل البر...
مكاريوس – أسقف المنيا
صوم السيدة العذراء 

المصدر: البوابة نيوز

كلمات دلالية: مريم العذراء سجود زكريا کما قال

إقرأ أيضاً:

صلاح الدين عووضه.. شكرًا للحرب..!!!

ميني خاطرة.. بالمنطق.. صلاح الدين عووضه
شكرا للحرب !!
نعم ؛ شكرا لها كثيرا..
فهي ليست كلها شرا..
وإنما فيها خير يمثل الجزء الملآن من الكوب..
وهو ما سميته المحك الذي لولاه لما عرفت معادن الناس..
فكم من شخص ظهر لك على حقيقته في خضم هذه الحرب..
كم من شخص انطبقت عليه مقولة رب أخ لك لم تلده أمك.
وكم من شخص سقط في امتحان الصديق عند الضيق ؛ وقد كنت تظنه – قبل الحرب – صديقا حميما..
وكم من صهر سوف تضطر الآن إلى أن تصهره في بوتقة النسيان..
وسوف يأتي قريبا جدا – بإذن الله – أوان شكر من يستحق الشكر..
وأوان رمي آخرين في سلة المهملات..
ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله..
ولكنا نذكر أحد المستحقين للشكر هؤلاء الآن – مسبقا – بمناسبة إشارتي لكتابين وفقني الله في الفراغ من مسودتيهما خلال الحرب..
فإذا بالشخص هذا يلتقط الإشارة ويعرض علي تكفله بطباعتهما في مصر..
بل وتكفله بتوزيعهما كذلك..
وذلك رغم ما أصاب جامعته ، ومشافيه ، ومصادر دخله الأخرى من ضرر ودمار وخسائر..
إنه البروف مأمون حميدة
..
فشكرا لله ، وشكرا للحرب ، وشكرا للمحك..
وشكرا للجميل ، النبيل ، الأصيل…. مأمون حميدة.

صلاح الدين عووضهمامون حميدة

مقالات مشابهة

  • أحمد عمر هاشم: قضاء حوائج الناس من أعظم القربات إلى الله
  • عالم بالأوقاف: صلاح الآباء ليس رفاهية بل هو سبب في نجاة الأبناء واستقرار الأسرة
  • «صلاح الآباء نجاة للأبناء».. كيف تضمن مقعدك في جنة النعيم؟
  • وثيقة وَقف الخَلّ ببلدة الحمراء
  • رمضـان.. دروس وعبر في حياة المسلم
  • رحم الله نفوسًا تائهة وأبدانًا أعياها المرض
  • صلاح الدين عووضه.. شكرًا للحرب..!!!
  • رئيسة قومي المرأة: العمل التنموي الحقيقي يقاس بتأثيره العميق والمستدام في حياة الناس
  • من أجمل ما قرأت
  • مرجيحة تنهي حياة طفل خنقًا في الواحات