ذاقت الأمتان العربية والإسلامية الأمرين، ولا تزالان، جراء "وعد بلفور" المشئوم الذى قدمه المحتل البريطاني لليهود عام 1917 لإقامة كيانهم المسموم، إلى أن جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليعيد الكرة بتقديمه وعداً مشابهاً في 2025، حتى يخلص إسرائيل، التي استباحت وسفكت دماء الفلسطينيين لعقود، من صداع الأزمة الفلسطينية، بإعلانه ليس فقط تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة وتفريغه، بعد أكثر من عام من المجازر والمذابح الإسرائيلية، بل والاستيلاء عليه ليحوله إلى "ريفييرا" سيقيمها الأمريكيون بأرجائه، دون أن يحدد لنا بالضبط مَن الذي سيقطنها، وبكل تأكيد لن يكونوا أبناءها من الفلسطينيين.
فترامب، الذي لم يمض على عودته مظفراً إلى البيت الأبيض سوى أسبوعين، لم يخجل منِ طرح عرضه وخطته لاحتلال غزة، وكأنها بلا صاحب ومشاع للقاصي والداني، وإخراج أهلها منها مؤقتاً، حسب قوله، دون أن يعبأ بالنظر إلى ردود الفعل العربية والعالمية الغاضبة من مخططه، المرادف حرفياً للفوضى وإشاعة الاضطرابات في جنبات الإقليم والعالم، فهو لا يرى إلا ما يروق له، معتقداً أنه على الكل تنفيذ رغباته، دون نقاش أو اعتراض على ما ستجلبه من مخاطر ونكبات.
ودعك من النرجسية الطاغية والمتفجرة في تصرفات وأداء وتصريحات ترامب، واستخفافه واستهزائه الواضح بأبسط قواعد ومقتضيات العلاقات الدولية والدبلوماسية، ومعها نصوص القوانين والمواثيق الدولية، وركز فقط في تشجيع رئيس القوة العظمى الأولى في عالمنا على التعدي على سيادة الآخرين دون ضابط ولا رابط، وكأننا في غابة يستأسد فيها الأقوى على الأضعف، ومعاقبة المجني عليه بقسوة -الفلسطينيين- وحرمانه حتى من حقه الأصيل في التمسك بأرضه، والشكوى مما يتعرض له من ظلم بَيّن، ومكافأة الجاني -إسرائيل- وصنع مزيد من بؤر التوتر والاحتقان، ستقود حتماً لموجات من العنف، قد تطال الداخل الأمريكي نفسه.
وأشك أن ترامب درس خطته، الفوضوية تلك، مع دوائر صنع القرار بالولايات المتحدة، فهذه قاعدة راسخة وأساسية في النظم الديمقراطية، التي تبشر بها وتدعو إليها الولايات المتحدة دول العالم لكي تحذو حذوها وتطبقها، لكنه اكتفى بدائرته المقربة التي زينتها له، على أنها فكرة عبقرية لم يسبقه إليها أحد من العالمين، وكفيلة بإنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دفعة واحدة، وإغلاق ملفه، وما هو المانع في استقبال دول أخرى أكثر من مليون فلسطيني على أراضيها، لكي تنعم تل أبيب براحة البال وطيب الخاطر ولا تقلق مستقبلاً.
أهذه وصفة للسلام والاستقرار، أم سبيل مضمون لإشعال النيران المستعرة، التي ستلتهم ما يصادفها، مثلما أتت حرائق كاليفورنيا على منتجعات وقصور علية القوم من الفنانين والشخصيات العامة في غمضة عين، دون أن يستطيع أن يوقفها كائن من كان؟
ولماذا لا يتدبر ترامب الأمر وينظر للحقائق المجردة من حوله، ويدرك أن المعضلة ومفتاح الحل يكمن في إزالة الاحتلال الإسرائيلي، وتمكين الفلسطينيين من تأسيس دولتهم، وفقاً للقرارات والمعاهدات المبرمة بهذا الخصوص، وكانت أمريكا طرفاً رئيساً مشاركاً في الإعداد والتخطيط لها وصياغتها، فهو يتغافل عن عمد عن تلك الحقيقة الناصعة والواضحة وضوح الشمس، ولا يلزمها إثباتات ودلائل شارحة، ولم لا يفرمل إسرائيل قليلاً عن اندفاعها صوب الدمار والتخريب والقتل، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً ضد شعب أعزل، كل جريمته أنه يدافع عن وطنه وحقه المشروع في الحياة الآمنة واحترام آدميته؟
إن وعدي "بلفور" و"ترامب" ليسا سوى وجهين لعملة واحدة، ومقدماً على الرئيس الأمريكي أن يدرك استحالة تنفيذه بالكيفية والتصور الذي عرضه، خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو في واشنطن قبل يومين، الواجب محاسبته كمجرم حرب، وعليه أن يعي ويستوعب أن إستراتيجية مستشاره السابق ستيف بانون، وملخصها إطلاق النار بأسرع معدل، بحيث لا تعطي لأحد فرصة لالتقاط الأنفاس، لن تؤتي أُكلها، وستكون وبالاً عليه قبل غيره.
ولعل أبلغ رد على "وعد ترامب" ورد على لسان طفلة غزاوية اسمها "ماريا حنون"، لا يتجاوز عمرها السنوات الست، حينما تساءلت ببلاغة وفصاحة تفوق عمرها الصغير بكثير، موجهة كلامها للرئيس الأمريكي قائلة بعفوية وذكاء: "إذا قلت لك اخرج من بيتك، هل ستخرج؟! إذا كنت ترفض مغادرة منزلك، فلماذا تطلب مني أن أترك بيتي ووطني؟!".
ياسيد ترامب إن "لا" تعني "لا" وليس "نعم".
المصدر: موقع 24
كلمات دلالية: عام المجتمع اتفاق غزة سقوط الأسد إيران وإسرائيل غزة وإسرائيل الإمارات الحرب الأوكرانية غزة وإسرائيل
إقرأ أيضاً:
من هي الموظفة المغربية الشجاعة التي كشفت تواطؤ الشركة التي تعمل بها ''مايكروسوفت'' مع الإحتلال الإسرائيلي؟ وماذا عملت؟
ابتهال أبو سعد مهندسة ومبرمجة مغربية وُلدت عام 1999، تخرجت في جامعة هارفارد الأميركية. تخصصت في الذكاء الاصطناعي، وعملت لدى شركة مايكروسوفت العالمية.
وفي الذكرى الـ50 لتأسيس الشركة، وفي حفل بهذه المناسبة، احتجت ابتهال ونددت بما سمته "تواطؤ" مايكروسوفت مع الاحتلال الإسرائيلي بتسخير أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها لخدمة جيش الاحتلال.
المولد والدراسة
وُلدت ابتهال أبو سعد عام 1999 في العاصمة المغربية الرباط، وفيها درست وحصلت على الثانوية العامة في تخصص العلوم الرياضية من ثانوية مولاي يوسف عام 2017، وبعدها حصلت على منحة للدراسة في جامعة هارفارد.
وقبل ذلك، في صيف 2016، شاركت في برنامج "تيك غيرلز" (TechGirls)، وهو برنامج تبادل صيفي أكاديمي يرعاه ويموله مكتب الشؤون التعليمية والثقافية التابع لوزارة الخارجية الأميركية.
ويهدف هذا البرنامج إلى تعزيز المواهب في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ويستهدف الشابات بين سن 15 و17 سنة، وينتقي بعضهن للحصول على منح وإتمام دراساتهن الجامعية بالولايات المتحدة في المجالات المذكورة.
ويستهدف هذا البرنامج -الذي استفاد منه أكثر من 44 ألف شخص بين عامي 2012 و2024- الفتيات في أنحاء العالم. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعمل البرنامج في دول المغرب والجزائر وتونس ومصر والأردن ولبنان وفلسطين.
وقد حكت ابتهال عن هذه التجربة في فيديو على موقع يوتيوب حينما كانت طالبة في المرحلة الثانوية، وقالت إنها "تجربة غيرت حياتها ومكنتها من خبرات عبر زيارة شركات للتكنولوجيا ومختبرات للهندسة في الولايات المتحدة ولقاء بعض رواد التكنولوجيا في العالم".
وأضافت أنها استفادت "مهارات تعمل على توظيفها في تغيير واقع المعرفة التكنولوجية في بيئتها"، وأنها "استفادت من التبادل الثقافي مع فتيات من جنسيات أخرى".
ومما صرحت به أيضا بعد استفادتها من هذا البرنامج، أنها "ترغب في العمل بجد لسد الفجوة في التحصيل الدراسي بالمغرب وجعل التعليم الجيد في متناول الجميع، وتحسين المناهج الدراسية لتزويد الطلاب بمعارف ومهارات شخصية أوسع ليصبحوا فاعلين في التغيير".
تجارب عملية
شاركت ابتهال أبو سعد -وهي طالبة في المرحلة الثانوية- في تأسيس منتدى أسبوعي على الإنترنت سمي "آي تي ويكند"، ويهتم بتعليم علوم الكمبيوتر للفتيات ذوات الدخل المحدود في المدارس الابتدائية، كما عملت في منتدى آخر عبر الإنترنت سمي "تكنوفيشن تشالنج"، ويهتم بتدريب الفتيات على التكنولوجيا وإشراكهن في حل مشاكل مجتمعاتهن عبر تطبيقات الهاتف الذكي.
والتحقت أيضا ببرنامج لمحو الأمية الرقمية، وكانت تُدَرِّس أساسيات لغة البرمجة الحاسوبية لطلاب المراحل الابتدائية في ولاية بوسطن الأميركية، كما ساهمت في تأسيس منصة "ريسنتيبوس"، وهي منصة رقمية تعنى بحفظ وتوثيق السجلات الطبية الرقمية للاجئين حول العالم، وتقول عن نفسها إنها "منظمة غير ربحية".
العمل في مايكروسوفت
بعد تخرجها في جامعة هارفارد التي درست فيها علوم الحاسب الآلي والبرمجة، وتخصصت في الذكاء الاصطناعي، انضمت ابتهال عام 2022 إلى شركة مايكروسوفت.
وعملت في قسم الذكاء الاصطناعي، كما عُينت ضمن فريق طور تقنيات متقدمة ومنتجات للشركة، منها برنامج الخدمات السحابية "مايكروسوفت أزور" (Microsoft Azure).
عملت ابتهال أيضا ضمن الفريق الذي كلفته مايكروسوفت بتطوير تقنيات تُستخدم في مجالات مثل المراقبة والتحليل البياني.
استنكار للتواطؤ مع إسرائيل
وفي احتفال بالذكرى الـ50 لتأسيس شركة مايكروسوفت، وبعد العمل فيها 3 سنوات ونصف السنة، قاطعت ابتهال أبو سعد كلمة المدير التنفيذي لقطاع الذكاء الاصطناعي في الشركة مصطفى سليمان (بريطاني من أصل سوري) واحتجت على علاقات الشركة مع إسرائيل.
وقاطعت ابتهال كلمة مديرها في الاحتفال متهمة إياه بأنه يُسَخّر الذكاء الاصطناعي لمايكروسوفت لصالح الاحتلال الإسرائيلي، وقالت "أنت تزعم أنك تهتم باستخدام الذكاء الاصطناعي للخير، لكن مايكروسوفت تبيع أسلحة الذكاء الاصطناعي إلى الجيش الإسرائيلي. 50 ألف شخص ماتوا، ومايكروسوفت تدعم هذه الإبادة الجماعية في منطقتنا".
ولاحقا نشر موقع "ذا فيرج" ما قال إنها رسالة من ابتهال تقول فيها إنها "لم تعد قادرة على الصمت بعدما اكتشفت أن تقنيات شركة مايكروسوفت تُستخدم في دعم جيش الاحتلال الإسرائيلي".
وذكرت أبو سعد أنها قررت الخروج عن صمتها والحديث بعدما اكتشفت أن شركة مايكروسوفت كانت تشارك في تطوير تقنيات تُستخدم في دعم جيش الاحتلال، مشيرة إلى أن الشركة أبرمت عقدا مع وزارة الدفاع الإسرائيلية بقيمة 133 مليون دولار لتخزين بيانات ضخمة عبر خدمة "مايكروسوفت أزور"، الأمر الذي يُعتبر مساهمة في مراقبة الفلسطينيين.
واتهمت الرسالة شركة مايكروسوفت بـ"قمع أي معارضة" من زملاء ابتهال "الذين حاولوا إثارة هذه القضية"، وقالت إن الشركة "فصلت موظفَين لمجرد تنظيمهما وقفة احتجاجية".
وتابعت "لقد حطمتني صور الأطفال الأبرياء المغطاة بالرماد والدماء، وبكاء الآباء المفجوعين، وتدمير عائلات وتجمعات بأكملها (…) وفي الوقت نفسه، يُمكّن عملنا في مجال الذكاء الاصطناعي من هذه المراقبة والقتل".
وأضافت "عندما انتقلتُ إلى منصة الذكاء الاصطناعي، كنتُ متحمسة للمساهمة في تطوير تقنياته وتطبيقاته لما فيه خير البشرية، ولم أُبَلّغ بأن مايكروسوفت ستبيع أعمالي للجيش والحكومة الإسرائيليين للتجسس على الصحفيين والأطباء وعمال الإغاثة وقتل عائلات مدنية بأكملها".
وكشفت الرسالة أن استخدام الجيش الإسرائيلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي من مايكروسوفت و"أوبن إيه آي" في مارس/آذار 2025 تضاعف نحو 200 مرة مقارنة بما قبل هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 (عملية طوفان الأقصى).
وأكدت أن الذكاء الاصطناعي من مايكروسوفت "يُشغل أكثر المشاريع حساسية وسرية للجيش الإسرائيلي، بما في ذلك بنك الأهداف وسجل السكان الفلسطيني".