محمد حسين الواسطي **

في لحظات الصفاء حين تنجلي غشاوة المادة عن القلب، وتصفو المرآة من كدر الحياة اليومية، يجد المرء نفسه أمام حقيقة جوهرية: أن السعادة الحقيقية لا تكمن في تكديس المال، ولا في تحصيل المناصب، بل في ذلك الرباط الوثيق الذي يصل القلب بخالقه، والروح ببارئها.

إنها حالة من الأنس الإلهي، تتجلى في سلوك المؤمن وتعاملاته، فتراه يفيض رحمة على الخلق، ويشع نورًا في دروب الحياة.

هذا السمو الروحاني يجعل القلب معلقًا بباريه، متجردًا من كل ما سواه، حتى يصير الحب الإلهي دينه وإيمانه.

وكما قال ابن الفارض (576 - 632هـ) في وصف العشق الإلهي الذي يسمو بالروح ويهذب القلب:

شَرِبْنا على ذِكْرِ الحَبيبِ مُدَامَةً

سَكِرْنا بِها مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ الكَرْمُ

ونحن اليوم، في رحاب شعبان، وعلى أعتاب شهر رمضان المبارك، أحوج ما نكون إلى هذا النوع من التربية الروحية التي تنعكس على سلوكنا اليومي، فالعبادة ليست مجرد طقوس وحركات، إنما هي روح تسري في جسد الحياة كلها، تهذب الأخلاق، وترقق الطباع، وتجعل الإنسان أكثر رحمة وتعاطفًا مع من حوله.

والعجيب أن هذا الارتباط الروحي بالخالق يجعل صاحبه في حالة دائمة من السكينة والطمأنينة، فكأنه يشرب من رحيق المحبة الإلهية كأسًا تسكر القلب قبل أن تسكر العقل، وتملأ الروح نشوة قبل خلق الوجود. كما قال الله تعالى في وصف الاطمئنان بذكره: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).

إن هذا الحب المقدس، وهذا الارتباط الروحي، ليس ترفًا فكريًا أو حالة صوفية معزولة عن الواقع، بل هو منهج حياة متكامل. فمن صفا قلبه لله، صفت معاملاته مع خلق الله، ومن أحب الله حقًا، انعكس هذا الحب على تعامله مع أسرته ومجتمعه.

وفي زمن طغت فيه المادية، وكثرت فيه الضغوط النفسية، وتعقدت فيه العلاقات الاجتماعية، نحن بحاجة إلى العودة إلى هذا المنبع الصافي، منبع الحب الإلهي الذي يطهر النفوس من أدرانها، ويصقل الأرواح من صدئها، ويعيد للحياة بهجتها ومعناها، هو شراب روحاني طاهر يسكر القلوب بنشوة القرب الإلهي.

كما ورد في مناجاة الإمام علي -كرم الله وجهه- في شهر شعبان عن حب الله والخشوع له: "إلهي، هَبْ لي كمالَ الانقِطاعِ إلَيكَ، وأنِرْ أبصارَ قلوبِنا بضِياءِ نَظَرِها إلَيكَ، حتّى تَخرِقَ أبصارُ القُلوبِ حُجُبَ النّورِ، فتَصِلَ إلى مَعدِنِ العَظَمَةِ، وتَصيرَ أرواحُنا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدسِكَ".

فدعونا نجعل من هذه الأيام المباركة فرصة للعودة إلى الذات، وتجديد العهد مع الخالق، وترميم علاقتنا بمن حولنا، فالقلب حين يمتلئ بمحبة الله، لا يبقى فيه متسع للحقد أو الكراهية أو الأنانية، وحين تشرق شمس المعرفة الإلهية في القلب، تنجلي ظلمات النفس، وتتفتح براعم الرحمة والمحبة والإحسان.

** كاتب عراقي

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

بمناسبة “عيد البشارة المجيدة”.. كنيسة الملاك غبريال ومارمينا تقيم القداس الإلهي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أقيم صباح اليوم القداس الإلهي بمناسبة “عيد البشارة المجيدة” في كنيسة الملاك غبريال ومارمينا في هور ملوي، بحضور  الأنبا ديمتريوس، مطران ملوي وأنصنا والأشمونين.

جاء القداس في إطار الأسبوع السابع من الصوم الكبير، حيث اجتمع أبناء الكنيسة للصلاة والاحتفال بهذه المناسبة الدينية الهامة التي تخلد بشارة الملاك جبرائيل للسيدة العذراء مريم بحمل يسوع المسيح.

وأعرب  الأنبا ديمتريوس عن أهمية هذه المناسبة في تعزيز الإيمان والتقوى، مشددًا على ضرورة التوبة والصلاة خلال فترة الصوم الكبير.

تخلل القداس العديد من الصلوات والترانيم الروحية التي أضفت أجواء من العبادة والتأمل بين الحاضرين، وسط جو من الإيمان والمحبة. 

يذكر أن هذه المناسبة تأتي في وقت هام بالنسبة للمجتمع المسيحي، حيث تواصل الكنائس في مختلف أنحاء العالم احتفالاتها خلال الصوم الكبير في انتظار عيد القيامة المجيد.

مقالات مشابهة

  • ماكرون: أغادر مصر بعد ثلاثة أيام مؤثرة رأيت فيها نبض القلوب.. شكرًا جزيلًا للرئيس السيسي وللمصريين
  • خالد الجندي يحدد علامات حسن الخلق وكيفية تحقيقها
  • الحبّ الفلسفي
  • آآآه من سجن الروح
  • أرشيف جورج يوسف الأشقر في مكتبة جامعة الروح القدس
  • مكة.. مدينة الملك عبد الله الطبية تنفذ 63 عملية قلب مفتوح خلال مارس
  • أسقف الشرقية يرأس القداس الإلهي بكنيسة القديس الأنبا مقار "المغارة" بفاقوس
  • بمناسبة “عيد البشارة المجيدة”.. كنيسة الملاك غبريال ومارمينا تقيم القداس الإلهي
  • عُمان.. حينما تمتد الروح من التاريخ إلى المستقبل
  • درة تشارك صورة رومانسية مع زوجها: توجد الحياة حيث يوجد الحب