تُعد السينما واحدة من أرقى وسائل التعبير الفني، تعبر عن المكان وما وراءه من قصص وأحداث وتقاليد ميزت سُكانه وخلدتهم في سطور التاريخ، وفي سلطنة عُمان، شمر صناع الأفلام عن سواعدهم، مُعبرين عن مقومات وطنهم، فحولوها إلى مادةٍ خصبةٍ لإبداعاتهم، ليُقدموا للعالم صورةً ناطقةً تحكي قصة عُمان، وتُبرزها كبيئةٍ زاخرةٍ بالقصص التي تستحق أن تُروى وتُشاهد.

وعلى الرغم من أن صناعة السينما في عُمان لا تزال في مراحلها الأولى، وتحتاج إلى المزيد من الدعم والرعاية، إلا أن الشباب العُماني لم يَقف عند حدود التحديات، بل سافرت أعمالُهم إلى المحافل الدولية، ونافست وحازت على الكثير من الجوائز.

في هذا الاستطلاع، نُسلط الضوء على دورِ السينما في التعريف بِالتراث العُماني الغني والتنوع الثقافي والطبيعي الذي تتمتع به سلطنة عمان، وسنتطرق إلى التحديات التي تُواجه صُناع الأفلام في عُمان، وَالسُبُل الكفيلة بِدعم هذا القطاع الحيوي وتطويره. كما سنُناقش كيفية استثمار السينما لتعزيز الهوية الوطنية والترويج للسياحة الثقافية.

القصة والترويج الثقافي

يرى الدكتور حميد العامري، المخرج السينمائي ورئيس الجمعية العمانية للسينما سابقًا، أن السينما أداة فعالة للترويج عن الدول حيث يقول: «تعد صناعة الأفلام واحدة من الوسائل الترويجية الأساسية التي تعتمد عليها الدول لتعزيز قطاعاتها السياحية والاقتصادية، بل وحتى الصحية. ويتم ذلك من خلال المحيط الذي تدور فيه الأحداث، والأدوات المستخدمة في الفيلم، بالإضافة إلى الرسائل المضمنة في النصوص الحوارية أو تلك التي تظهر بعد انتهاء العرض. ويُظهر هذا كله مدى تأثير الصورة في نفوس المتلقين». ويضيف: «في سياق سلطنة عمان، فإن الدعم الذي يُقدم للأفلام السينمائية وصناعة المحتوى يُعزز بشكل كبير من التسويق السياحي والثقافي للمدن العمانية، مثل صلالة وصور والحمراء ومسندم ومسقط، وغيرها من المناطق الغنية بمقومات الجذب السياحي، والتي تحتاج إلى الإضاءة الفنية والإعلامية».

وعن التحديات التي تواجه صناع الأفلام، يُلاحظ العامري: «ثمة تحديات مثل قلة المعلومات الخاصة، وقلة التوثيق، والجانب المادي، بالإضافة إلى عدم تفاعل الجهات التي لها علاقة، وحقوق الملكية الفكرية».

أما بالنسبة للقصص التي لم تُبرز بشكل كافٍ، فيريد العامري تسليط الضوء عليها: «بلادنا زاخرة بالكثير من القصص التي يمكن أن تُصنع منها أعمال درامية سينمائية. ما يحتاجه الواقع العماني هو كتاب سيناريو يستطيعون تقديم الحكايات والقصص والروايات والأماكن بصور سينمائية».

عند مناقشة أفلام معينة، يسرد الدكتور العامري أمثلة ناجحة قدمت الهوية الثقافية، قائلًا: «هناك أفلام للدكتور خالد عبدالرحيم مثل فيلم (البوم) وفيلم (أصيل)، اللذين قدما القرية الساحلية والبيئة الصحراوية. كذلك أفلام سالم بهوان مثل فيلم مرة في العمر الذي قدم محافظة ظفار وفيلم (قصة مهرة) الذي قدم محافظة مسندم. هذه الأفلام تُعد ملهمة؛ لأنها تُظهر الأماكن العمانية بشكل جميل ومعبر».

وفي ختام حديثه يوجه الدكتور العامري نصيحة لصناع الأفلام الشباب: «إن الاهتمام بإبراز الهوية العمانية في الأعمال السينمائية هو من أبرز الأولويات، ويجب عليهم العمل على الموروث الثقافي العماني، وتصوير المشاهد في المواقع العمانية وإبرازها بما يتناسب مع حضارة وتاريخ سلطنة عمان، والحرص على إظهار المجتمع بعاداته وتقاليده ومشاركته في أن يكون صانعًا للمستقبل».

الثقافة قوة دافعة

قالت براءة المعمرية -صانعة أفلام: «إن دور السينما والأفلام السينمائية في إبراز ثقافة الوطن وتراثه مهم جدا لما للأفلام من قدرة على ترسيخ ثقافة المجتمعات في عقول المشاهدين ويعزو ذلك للسردية المشوقة والجاذبة التي تتمتع بها الأفلام السينمائية، واهتمام صناع الأفلام في إنتاج أفلام ذات محتوى ثقافي من شأنه أن يدعم هذا الدور المهم للأفلام». مشيرة إلى التحديات التي تواجهها بشكل عام منها صعوبة الوصول للمعلومات الموثوقة التي يُستمد منها موروثنا الثقافي والتراثي، وتطبيقها بالشكل الصحيح والسردية المناسبة.

وتحدثت عن الفرص المتاحة للتغلب على هذه التحديات، حيث ترى أن سلطنة عُمان غنية بالقصص التي يمكن أن تُحاكي مشاعر الناس وتغني الفنون السينمائية وقالت: «إن سلطنة عمان زاخرة بالقصص بكل أنواعها التاريخية والثقافية والتراثية. أرى شخصيًا تقصيرًا في إشراك هذه القصص ودمجها في صناعة الأفلام العمانية، وربما يعود ذلك لقلة الدعم المادي والمهارات الفنية لإنتاج مثل هذه الأفلام. لكن إذا تمكنا من تمكين الشباب - صناع الأفلام - وتدريبهم وصقل مهاراتهم وتوفير الدعم المادي، فلا شك أن الأفلام الثقافية ستحظى باهتمام وشعبية دولية، لما تزخر به البلاد من قصص فريدة».

وفي سياق تعزيز السياحة الثقافية، تقول براءة: «إن معرفتنا الثقافية لوطننا عُمان قليلة، خاصةً بين أفراد الجيل الجديد. لذا، فإن استثمار الأفلام في تغذية عقول أبنائنا وتعريفهم بثقافتنا سيسهم بشكل كبير في زيادة الوعي بها، وهذا من شأنه أن يرفع مستوى السياحة الثقافية في جميع محافظات سلطنة عمان، ويجب على المؤسسات الثقافية والحكومية أن تلعب دورًا في ذلك حيث إن للمؤسسات الثقافية دور محوري في تسهيل الحصول على المعلومات والوثائق الثقافية والتراثية، مما يُسهم في رفع جودة الأفلام. ويتعين على المؤسسات الحكومية أن تسهل الحصول على التصاريح اللازمة لتوثيق هذه القصص وإبرازها بالشكل المطلوب.

وتؤكد المعمرية على أهمية القصة في الأفلام قائلة «نصيحتي للشباب هي ألا يتوانوا عن البحث والتقصي وصناعة فيلم ذو قصة فريدة ومُلهمة. اليوم، مع توفر التكنولوجيا الحديثة، يستطيع صانع الأفلام أن ينتج فيلما ذا جودة عالية بأقل التكاليف. أن تكون القصة ذات قيمة كبيرة في الفيلم بحد ذاته. القصص العمانية لها القدرة أن تجعل الأفلام السينمائية أكثر جاذبية للمشاهدين المحليين والدوليين أيضًا».

السينما كمرآة

من جانبه، يتحدث سلمان المسكري صانع أفلام عن أهمية تمثيل الثقافة العمانية بدقة ووضوح من خلال السينما، واعتبر أن الأفلام تلعب دورًا كبيرًا في تسليط الضوء على التنوع الثقافي في عمان. يقول: «يجب على الفيلم تمثيل الواقع حسب ثقافة البلد ليقتنع المشاهد؛ لأنه من غير المقنع تمثيل تجربة دول أخرى وقولبتها في قالب المجتمع العماني، وتأصيل الفكرة من الأساس يجب أن يكون وفق التنوع الثقافي في عمان ليلامس الفيلم الجمهور المحلي ويشعر بارتباطه بالعمل، وكذلك ليلامس الجمهور الآخر ليعلموا بالتاريخ والثقافة». ويُشير المسكري إلى الصعوبات التي يمكن أن يواجهها صناع الأفلام في إيجاد مصادر للقصص والمعرفة التاريخية. كما يعتبر أن الدعم المادي يُشكل عنصرًا أساسيًا في نجاح الأعمال السينمائية. وينبه، قائلًا: «توجد صعوبة في إيجاد مصادر لبعض القصص والحكايات، ورفض بعض أصحاب القصص الفريدة والتاريخية لتمثيل القصة لعدة أسباب. كذلك ينقص الدعم المادي للسيناريوهات غير المنفذة. نعم هناك صندوق لدعم الأفلام ولكن يجب أن تكون هناك عدة صناديق».

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الدعم المادی صناع الأفلام سلطنة عمان الأفلام فی سلطنة ع التی ت التی ی

إقرأ أيضاً:

برلماني: القضاء على العشوائيات كلف الدولة 40 مليار جنيه وأعاد المظهر الحضاري

 أكد الدكتور جمال أبوالفتوح، عضو مجلس الشيوخ، أن ملف القضاء على العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة كان من أهم التحديات التي واجهت الدولة المصرية خلال العقود الماضية، فقد اخترقت هذه الظاهرة المجتمع المصري وبدأت في الانتشار لتصبح جزء لايتجزأ منه، منوهاً إلى أن هذه العشوائيات تعد بمثابة إرث ثقيل كان من الصعب القضاء عليه في وقت قياسي مثلما فعلنا خلال الفترة الماضية، فقد أنفقت الدولة على تطوير هذه المناطق الخطرة مليارات الجنيهات من أجل توفير سكن آمن وأدمي لقاطنين هذه المناطق. 

وأضاف "أبوالفتوح"، أن خطورة ملف العشوائيات والمناطق غير الآمنة لن تقتصر فقط على تشوه المنظر الحضاري للقاهرة التاريخية وللمدن المصرية فقط، بل إنه قنبلة موقوتة فعلى الصعيد الصحي والبيئي فهي عامل محفز لانتشار الأمراض بسبب نقص خدمات الصرف الصحي والنفايات المتراكمة مع نقص الرعاية الصحية، فغالبًا ما تكون المستشفيات بعيدة أو غير مجهزة، بخلاف المخاطر الأمنية وماتسببه هذه المناطق التي ترتفع بها معدلات الجريمة مثل السرقة والعنف، فضلًا عن المخاطر العمرانية لهذه المباني التي تكون غير مؤمنة إنشائيًا وقد تنهار في أي لحظة، بخلاف المخاطر الاجتماعية والتعليمية التي جعلتها قضية شائكة لعقود كان يجب حسمها وتطويرها في ضوء خطة دقيقة. 

وأشار عضو مجلس الشيوخ، إلى أن إطلاق الرؤية القومية للقضاء على العشوائيات بحلول 2030، لعب دوراً بارزاً في تطوير المناطق غير المخططة وتحسين البنية التحتية والخدمات، ودمج السكان في البيئة الجديدة مع توفير فرص عمل ودعم اجتماعي، مشيراً إلى أن الدولة أنفقت أكثر من 40 مليار جنيه على تطوير المناطق العشوائية حتى الآن، بدعم من الموازنة العامة، بالإضافة إلى دعم من صندوق "تحيا مصر" وبعض الجهات المانحة، التي نجحت غي القضاء على العشوائيات في عام 2021 وأطلقت عدة مشروعات سكنية هامة لنقل سكان المناطق العشوائية، من أبرزها مشروع الأسمرات (بأجزائه الثلاثة)، بشائر الخير في الإسكندرية، الروضة ومعًا وأهالينا، تحيا مصر في حي الأسمرات ومشروع الخيالة ومدينة السلام. 

وأوضح الدكتور جمال أبوالفتوح، أن القضاء على العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة حق أصيل للمواطن لتحقيق العدالة الاجتماعية على نحو حقيقي من خلال تحسين جودة الحياة، وتوفير حياة كريمة لكل مواطن لاسيما للفئات المهمشة، مؤكدًا أن المهمة الأولى للحكومة الراهنة هو دعم المواطن و وضعه في المقام الأول دون أي أولويات أخرى، من خلال الاستمرار في إطلاق المبادرات التي تهدف تحسين حياة الأفراد كمبادرة حياة كريمة التي حققت طفرة في الريف المصري والمناطق النائية.

مقالات مشابهة

  • السيد ذي يزن يفتتح جناح سلطنة عمان في إكسبو 2025 أوساكا ويؤكد على تعزيز الروابط
  • الاقتصاد الاجتماعي.. رافعة لتمكين التنمية المحلية في سلطنة عمان
  • مقدمة لدراسة صورة الشيخ العربي في السينما الأمريكية «16»
  • فقرات فنية تبرز الهـوية الثقافية العُمانية فـــــي افتتـاح دورة الألعـاب الشـاطئية الخليجية
  • "الأحمر" للطيران الشراعي يحقق ميداليتين بـ"دورة الألعاب الشاطئية الخليجية"
  • برلماني: القضاء على العشوائيات كلف الدولة 40 مليار جنيه وأعاد المظهر الحضاري
  • 2.5 مليون مسافر و16.7 ألف رحلة عبر مطارات سلطنة عمان خلال شهرين
  • غداً.. انطلاق فعاليات أسبوع عُمان للمياه 2025
  • واردات سلطنة عمان من الذهب تسجل 372 مليون ريال
  • سلطنة عمان تشارك في ملتقى القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في أفريقيا