مجزرة حماة.. شهادات ناجين عن فصل دموي لنظام الأسد
تاريخ النشر: 4th, February 2025 GMT
في قلب مدينة حماة وسط سوريا، حيث لا يزال صدى المجزرة المروعة التي ارتكبها نظام حزب البعث عام 1982 يتردد في آذان من عاشوها، تقف السيدة مُعزز كريشة شاهدة على واحدة من أكثر الفصول دموية في تاريخ سوريا الحديث.
وفي تلك الأيام العصيبة، كانت كريشة التي تجاوزت ثمانين عاما، أمام اختبار لا يمكن لأي أم أن تتخيله، في أن تختار حماية واحد من ابنيها مقابل اعتقال الآخر.
كما لم تتمكن من معرفة مصير شقيقها بعد اختفائه في تلك الأحداث التي أودت بحياة آلاف الأبرياء، وخلّفت جروحا لا تلتئم في قلوب من نجوا منها.
وبعد سقوط نظام البعث في ديسمبر/ كانون الأول 2024، بدأ شهود عيان على مجزرة حماة سرد معاناتهم بعد حظر للحديث عنها في سوريا استمر 43 عاما.
** "ماجد مقابل ماهر"
فريق الأناضول التقى كريشة وابنها ماجد، في منزلهم بحي الأميرية الشهير بحماة القديمة، بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين للمجزرة، حيث تحدثا عن ذكرياتهم أثناء تلك الأحداث الدامية والمؤلمة.
خلال مجزرة حماة التي ارتكبتها قوات نظام الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، بين 2 و28 فبراير/ شباط 1982، اختبأت كريشة مع زوجها وخمسة من أطفالها في قبو منزلهم لأيام.
وأثناء حملات الدهم لمنازل المواطنين في حماة لاعتقال الذكور الذين تجاوزوا الخامسة عشرة، وجدت السيدة كريشة نفسها مجبرة على التخلي عن ابنها الأكبر ماجد، الذي كان يبلغ وقتها 20 عاما، مقابل حماية ابنها الأصغر ماهر، الذي كان وقتها في السادسة عشرة.
وبعد 13 عاما من الاعتقال والتغييب القسري، تم الإفراج عن ماجد، لكن فرحة عودته إلى المنزل وحضن عائلته بقيت ناقصة ومؤلمة بعدما علم بوفاة والده خلال سنوات وجوده في المعتقل.
ووفقا لتقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 40 ألف مدني في مجزرة حماة على يد قوات النظام، من خلال هجمات وإعدامات جماعية، كما لم يتم حتى الآن معرفة أماكن دفن الضحايا.
أما بالنسبة لـ17 ألفا من المدنيين المعتقلين خلال مداهمات المنازل، فلا تزال هناك حالة من الغموض بشأن مصيرهم.
** "كنت خائفة من أن ينحروا أبنائي"
كريشة التي عادت مع عائلتها من حلب إلى حماة مساء 2 فبراير 1982، يوم بدء المجزرة، قالت: "كنت خائفة كثيرا على أبنائي. وخائفة من أن يقدموا على نحرهم، كما فعلوا مع غيرهم".
وأضافت: "بدأت الهجمات المدفعية مساء، وكانت شديدة تزلزل المنازل وترعد النوافذ والأبواب. نزلنا فورا إلى القبو، ووضعنا التراب والكتب خلف الباب".
وتابعت: "سمعنا أولا أصوات الطائرات، وفي اليوم الثاني بدأت الدبابات بقصف المناطق السكنية".
** اعتقال ماجد
وعن الخوف الذي اعتصر قلبها خلال الهجمات، قالت كريشة: "كنت أخشى أن يصيب ضرر ما أولادي. كان قلبي يذوب خوفا عليهم. الأم لا تخاف على نفسها، بل على أطفالها. كنت دائما أحذرهم من الاقتراب من النوافذ".
وبشأن لحظة دخول الجيش السوري (أيام الأسد الأب) إلى حيها، قالت: "عندما دخلت الفرقة 47 من الجيش إلى المدينة، بدأوا اعتقال الشبان. وعندما دخلوا حيّنا أخذوا شبابنا أيضا".
وأردفت: "توسلت إليهم ألا يأخذوا جميع أبنائي. كنت أشعر بأن من يتم أخذه سوف يُقتل لا محالة. وددت وقتها أن أقوم بإنقاذ أحد أبنائي على الأقل. أخذوا الأكبر، وتركوا الأصغر".
وتصف لحظة اصطحاب ابنها الأكبر، ماجد، قائلة: "كانت أصعب لحظة في حياتي، لم أكن أعرف إذا كان سيعيش أم لا. وفي كل مرة كانوا يداهمون فيها منزلنا، كنت أعمل على إخفاء ابني ماهر".
وزادت: "أخفيت ماهر تحت البطانيات حتى لا يكتشفه أحد. كنا نعلم أنهم لو عثروا عليه لقتلوه".
وأضافت كريشة: "في إحدى عمليات المداهمة قاموا بأخذ زوجي أيضا، لكننا توسّلنا إلى الضباط من أجل تركه، فسمحوا له وقتها بالبقاء إلى جنبنا".
** جثث بكل مكان
وتحكي الأم كريشة أنها في اليوم الثالث من الهجمات خرجت من منزلها بحثا عن ابنة أخيها، قائلة: "عندما سمحوا لنا بالخروج، رأينا مشاهد لا تُوصف. رأيناهم وهم يقتلون الناس. كان شرق مسجد عمر بن الخطاب (في حي الحاضر) مليئا بالجثث".
وأضافت: "رأيت كثيرا من الفظائع. دمروا العديد من المساجد، ولم يكن بالإمكان السير في شوارع الحي. كانت أوراق المصاحف ملقاة على الأرض".
ودمرت قوات الأسد الأب خلال المجزرة 88 مسجدا، و3 كنائس، وكثيرا من الآثار التاريخية.
وتابعت كريشة أنها رأت قوات النظام يقتلون رجلا وأطفاله الثلاثة، "كانوا جيراننا. أطلقوا عليهم الرصاص وقتلوهم جميعا".
وزادت: "تقدموا من ذلك الزقاق باتجاه حي الشيخ زين، وهناك قتلوا ثلاثة آخرين (..) نعرف هؤلاء جميعا، كانوا أقاربنا وجيراننا، عشنا سويا لسنوات".
وعند عودتها إلى منزل عائلتها قالت: "لم أجد أحدا من عائلتي. لكنني رأيت جثث العديد من أفراد عائلة ملح، لم أتمكن من التعرف إلا على اثنين منهم، ربما كانوا من عائلتي غزال أو ناصر".
وأردفت: "عندما نزلت قليلاً في الحي، وجدت جثث 6 أشخاص من عائلة عثمان الأمين، جميعهم قُتلوا".
وتحدثت عن الاعتداءات التي ارتكبتها "سرايا الدفاع" التابعة لرفعت الأسد (شقيق حافظ) بحق النساء في الحي، مضيفة: "كانوا يحاولون الاعتداء على فتاة من جيراننا، فأسرعنا وأخفيناها لدينا ليلا حتى لا يمسها الأذى".
وتطرقت إلى الظروف القاسية التي عايشها أهالي حماة خلال المجزرة، قائلة: "لم يكن لدينا سوى خبز متعفن نأكله. لم يكن هناك طعام على الإطلاق".
** "ضحيتُ بنفسي لأجل أخي"
ويسترجع الابن ماجد رمال، البالغ حاليا 65 عاما، اللحظات العصيبة التي عاشها خلال المجزرة قائلا: "قبل أن يصل الجيش إلى منزلنا، كنا نراقب ما يحدث في الخارج من نافذة القبو الذي كنا نحتمي فيه. رأيناهم وهم يقتلون المدنيين العزل بدم بارد. قتلوا ابن جارنا حاتم بقذيفة دبابة أمام أعيننا".
وأضاف: "لا أحد يستطيع أن يدرك حجم هذا الرعب إلا من عاشه. لم نكن قادرين على الحديث أو إصدار أي صوت، كنا فقط نتمتم بالدعاء ونقرأ القرآن. لم يكن بوسعنا مغادرة القبو، ووالدتي كانت تصعد إلى الطابق العلوي لإحضار ما تبقى من طعام. ومن هذا الزقاق وحده، اعتقلوا 20 شخصا".
وروى ماجد لحظة اقتحام قوات النظام للحي قائلا: "بعد أن دخل الجنود إلى الحي، فصلوا الرجال عن النساء وأوقفونا في صفوف. أخذوا جميع الرجال ولم يتركوا سوى كبار السن".
وتابع: "في تلك اللحظة، تقدمت أمي إلى الضابط المسؤول وسألته: إلى أين تأخذونهم؟ هل ستقتلونهم؟ ثم صرخت: لا تكذبوا، أعلم أنكم ستقتلونهم! فليكن، لكن خذوا واحدا فقط واتركوا الآخر، عندها قالوا لها: اختاري أحدهما".
وزاد: "كنت خائفا على أخي الأصغر، فأشرت إليها أن تختارني، وهذا ما فعلته".
ويصف رمّال اللحظة التي انتُزع فيها من عائلته قائلا: "عند هذا المكان تماما، سلمتني أمي لجنود الأسد. لا يمكن للكلمات أن تصف مشاعر الفراق تلك".
وأضاف: "كنت أعلم أنني ذاهب إلى الإعدام. لم أكن منتميا لأي جماعة أو حزب، لكنهم لم يكونوا يميزون، وكانوا يقتلون بمجرد النظر إلى الهوية".
وتابع: "لم أشعر بأي غضب تجاه قرار أمي، فقد ضحيتُ بنفسي لأنقذ أخي. وعندما اقتادونا، كان تفكيري الوحيد هو: أين سيكون الإعدام؟".
** فقأوا عيني طبيب عيون
وذكر رمّال أن قوات الأسد قامت بنقله مع آخرين بواسطة مركبة عسكرية إلى مصنع الخزف على طريق حمص.
وقال: "كان الوضع في المصنع مرعبا للغاية، والمكان يشبه فيلم رعب. كان عالما مظلما، والخوف الذي عشناه هنا كان أسوأ من الموت".
وأضاف: "كانوا يعذبون الناس حتى الموت. استخدموا قطعة حديدية لفقء عيني طبيب العيون الشهير حينها، حكمت هاني، وبعد ساعة، أعدموه".
وأوضح رمّال أنه بقي محتجزًا في المصنع لمدة شهر، قائلا: "كان يدخل عشرة أشخاص للاستجواب. اتهمونا بأننا جزء من مجموعات مسلحة. كانت التهم جاهزة، ووجهوها للجميع".
وتابع: "لم أقبل بتلك التهم. وبعد الاعتقال جرى نقلي إلى سجن تدمر (الصحراوي وسط البلاد) حيث تعرضت للسجن والتعذيب لمدة 13 عاما".
حكاية الأم كريشة تلخص قصة فقدان لا يعوض، وسنوات ألم لم ينتهِ بعد.
المصدر: الموقع بوست
كلمات دلالية: مجزرة حماة لم یکن
إقرأ أيضاً:
سوريا ترحب بقرار مجلس حقوق الإنسان الأول منذ سقوط نظام الأسد
دمشق-سانا
رحبت سوريا بقرار مجلس حقوق الإنسان الأول منذ سقوط نظام الأسد والذي رحب بسقوطه وبتشكيل الحكومة الجديدة، وتناول ضرورة رفع العقوبات الاقتصادية والانتهاكات الإسرائيلية، مؤكدة التزامها الثابت بتعزيز وحماية حقوق الإنسان واستعدادها مواصلة التعاون الإيجابي بما يخدم مصالح الشعب السوري ويحفظ سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
وقالت وزارة الخارجية والمغتربين في بيان اليوم نشرته عبر قناتها على تلغرام: نرحب بقرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المعنون بـ “حالة حقوق الإنسان في الجمهورية العربية السورية”، والذي يُعدّ أول قرار أممي بعد سقوط النظام السابق.
وأضافت الوزارة: يعكس هذا القرار نهجاً جديداً وفصلاً جديداً في تاريخ سوريا، حيث رحب بسقوط نظام الأسد وتشكيل الحكومة الجديدة المتنوعة في سوريا. كما يتناول قضايا تتعلق بضرورة رفع العقوبات الاقتصادية والانتهاكات الإسرائيلية على الأراضي السورية، فكلاهما يشكلان خطراً على استقرار الوضع في سوريا ويقوضان الجهود المبذولة نحو خفض التصعيد وتحقيق انتقال سياسي مستدام، وهما ما تطالب الجمهورية العربية السورية بوقفهما الفوري. ويرحب القرار كذلك بجهودنا الوطنية والدولية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان على الرغم من التحديات والصعوبات المستمرة.
وتابعت الوزارة إن سوريا تنظر إلى هذا القرار بإيجابية وتعتبره خطوة متوازنة تعكس الجهود الإيجابية التي قامت بها الحكومة السورية لأول مرة، رغم التركة الثقيلة للنظام البائد، كما يأخذ القرار بعين الاعتبار التعقيدات التي تواجه البلاد في ظل الوضع المتطور.
وأوضحت وزارة الخارجية أن القرار جاء بعد عملية مشاورات مكثفة خلال دورة مجلس حقوق الإنسان الحالية في جنيف، وأنه في إطار النهج الجديد لسوريا على المستوى الدولي، انخرطت الوزارة بشكل بناء وفاعل، سواء خلال الاجتماعات متعددة الأطراف بمشاركة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أو على المستوى الثنائي مع الدول الأساسية الراعية لمشروع القرار والمتمثلة في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا وقطر وتركيا.
وبينت الوزارة أن سوريا تثمن النهج البناء والتعاون الإيجابي الذي أبدته الدول الأعضاء والمجموعة الأساسية خلال عملية صياغة واعتماد القرار، وتُشيد بدور بريطانيا كدولة القلم.
وأعربت الوزارة عن تقديرها العميق لجهود الدول ومنظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا والناجين، الذين عملوا بلا كلل على مدى السنوات للحفاظ على حقوق السوريين والسوريات على أجندة المجتمع الدولي في مجلس حقوق الإنسان.
وقالت الوزارة :إن سوريا تؤكد التزامها الثابت بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية للشعب السوري، وفقاً لالتزاماتها الدولية ذات الصلة، وهي على استعداد المواصلة الحوار والتعاون الإيجابي والبناء بما يخدم مصالح الشعب السوري ويحفظ سيادة سوريا ووحدة أراضيها، ويعزز أمنها واستقرارها وازدهارها.
مجلس حقوق الإنسان وزارة الخارجية والمغتربين 2025-04-04SAMERسابق الوزير الشيباني يرحب بأول قرار لمجلس حقوق الإنسان بعد سقوط النظام البائد انظر ايضاً سوريا تعرب عن تقديرها للدعم الدولي للحكومة الجديدةدمشق-سانا أعربت سوريا عن تقديرها للدعم الدولي للحكومة الجديدة، مؤكدة أنه يشكل حافزاً قوياً لمواصلة …
آخر الأخبار 2025-04-04سوريا ترحب بقرار مجلس حقوق الإنسان الأول منذ سقوط نظام الأسد 2025-04-04الوزير الشيباني يرحب بأول قرار لمجلس حقوق الإنسان بعد سقوط النظام البائد 2025-04-04الجامعة الافتراضية تؤجل امتحانات طلاب مركز اللاذقية 2025-04-04وزير الأوقاف لـ سانا: تعزيز السلم الأهلي جزء من العمل الدعوي خلال الفترة المقبلة 2025-04-04جامعة طرطوس تنقل امتحانات يومي الأحد والإثنين من كليتي طب الأسنان والصيدلة إلى كلية الآداب 2025-04-04وقفات احتجاجية في درعا تنديداً بالاعتداءات الإسرائيلية 2025-04-04الوزيرة قبوات خلال زيارة دار لرعاية المسنين: تقديم أفضل الخدمات للأيتام والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة أولوية 2025-04-04مراسل سانا في حلب: قوات الجيش العربي السوري تصل إلى محيط مناطق قوات سوريا الديمقراطية في مدينة حلب وتؤمّن الطريق الذي سيسلكه الرتل العسكري المغادر من حيي الشيخ مقصود والأشرفية باتجاه شرق الفرات 2025-04-04الخدمات الصحية تتصدر نقاشات المؤتمر السنوي الأول للرعاية الصحية الأولية في سوريا 2025-04-04مراسل سانا في حلب: بدء انسحاب أول رتل لقوات سوريا الديموقراطية من مدينة حلب باتجاه شرق الفرات تحت إشراف وزارة الدفاع
صور من سورية منوعات أول دراسة سريرية بالعالم… زراعة الخلايا الجذعية تحسن الوظائف الحركية لمرضى الشلل 2025-03-26 جامعة ناغازاكي تطور “مرضى افتراضيين” لتدريب طلاب كلية الطب 2025-03-24فرص عمل وزارة التجارة الداخلية تنظم مسابقة لاختيار مشرفي مخابز في اللاذقية 2025-02-12 جامعة حلب تعلن عن حاجتها لمحاضرين من حملة الإجازات الجامعية بأنواعها كافة 2025-01-23
مواقع صديقة | أسعار العملات | رسائل سانا | هيئة التحرير | اتصل بنا | للإعلان على موقعنا |