سودانايل:
2025-04-06@06:08:09 GMT

المثقف بين الفاعلية والتنظير: مأزق الفعل المؤجل

تاريخ النشر: 4th, February 2025 GMT

إبراهيم برسي

هناك لحظةٌ فارقة في مسيرة المثقف، لحظةٌ لا تأتي دفعةً واحدة، بل تتسلل عبر الزمن، عبر الهزائم الصغيرة والانتصارات المؤجلة، عبر الصمت الذي يتراكم حوله، حتى يجد نفسه أمام سؤالٍ لا فكاك منه: هل أنا جزءٌ من الفعل، أم مجرد شاهدٍ على أطلاله؟ هل أنا منتجٌ للمعرفة، أم مُجرّد مستهلكٍ لسردياتٍ لا تغيّر من مواضع السلطة شيئًا؟

إن المثقف ليس مجرد حامل أفكار، بل هو حاملٌ لقلقٍ دائم، لوعيٍ مفتوحٍ على الأسئلة التي لا تنتهي.

لكنه، في عالمٍ تحكمه الصورة وتعيد إنتاجه القوة، يجد نفسه في مأزقٍ لا يشبه أزماته القديمة. لم يعُد السؤال هو: كيف نُغيّر العالم؟ بل أصبح: هل لا يزال العالم يقبل بالتغيير أصلًا؟

لقد كتب إدغار موران، وهو أحد أكثر العقول النقدية حدّة في عصرنا، أن: “الفكر الذي لا يربط بين الأشياء لا يرى شيئًا.” هنا تنكشف أزمة المثقف المعاصر: إنه يملك القدرة على تفكيك الظواهر، لكنه يعجز عن إعادة تركيبها، يملك المهارة في تحليل الأنساق، لكنه لا يستطيع صياغة رؤية بديلة. إنه عالق في حالةٍ من “الوعي المتشظي”، حيث يُصبح النقد فعلًا مغلقًا، يُعيد إنتاج نفسه بلا أفقٍ للفعل.

وفي ظل هذه الأزمة، يبدو أن المثقف قد تحوّل من كيانٍ مؤثر إلى شاهدٍ مأزوم، يتنقل بين تأمل الواقع وتحليل انسداداته، لكنه نادرًا ما يتجاوز تلك المرحلة إلى إعادة تشكيله. إنه يعيش في مساحةٍ بينية، حيث المعرفة موجودة، لكن الفعل مؤجلٌ إلى أجلٍ غير معلوم.

لم يكن هذا حال المثقف دائمًا. فقد ظلّ، عبر التاريخ، في موضع المسافة الحرجة بين السلطة والجماهير، بين الأفكار وصُنّاع القرار، بين المعرفة وضرورات الفعل.

في العصور القديمة، كان الفيلسوف هو مرآة المدينة، كما في حالة أفلاطون وأرسطو. أما في العصور الحديثة، فقد أصبح المثقف شاهدًا على ولادة الدول القومية، ومهندسًا للأيديولوجيات التي صنعت العالم الحديث.

لكن أين يقف اليوم؟

غير أن المثقف، في هذا الزمن المُعلّق بين ما بعد الحداثة وما بعد الحقيقة، لم يعد حتى ذلك الفاعل المتردد بين الفكرة والممارسة، بل أصبح ذاته كيانًا مأزومًا، مُستهلكًا داخل دوائر التنظير، مهووسًا بتفكيك كل شيء حتى لم يَعُد يملك شيئًا يقف عليه.

إن ما بعد الحداثة، وهي مشروعٌ هائلٌ من الشك، لم تُنتج سوى تفكيكٍ لا بناء بعده، تفكيرٍ لا ينتهي إلى الفعل، ووعيٍ يتآكل تحت وطأة احتمالاتٍ لا تُحسم.

لقد صار المثقف، في عصر الاستعراض الدائم، كيانًا مفتوحًا للفرجة أكثر منه فاعلًا في التغيير. تحوّل إلى مُحلّلٍ للأحداث لا صانع لها، إلى ناقدٍ مستهلكٍ في محافل الأكاديميا، إلى شاهدٍ يُفكّك السرديات لكنه لا يجرؤ على صناعة سردية بديلة.

لقد تم تدجينه داخل آليات صناعة الرأي، داخل مؤسساتٍ تُعيد إنتاج النقد كسلعة، داخل شبكاتٍ يُصبح فيها الخطاب ذاته جزءًا من السوق، من آليات الامتصاص التي تُفرغ الفكرة من قدرتها على الصدمة.

وهكذا، يبدو المثقف محاصرًا بين خيارين متناقضين: إما أن يصبح جزءًا من المؤسسة، فيفقد استقلاله، أو أن يبقى على الهامش، فيفقد تأثيره.

فالسلطة لم تَعُد تكتفي بإسكات المثقف، بل امتصت دوره، جعلته جزءًا من بنيتها الرمزية، قدّمت له منابر يظن أنها مساحاتٌ حرة، لكنها في الحقيقة ليست سوى غرفٍ مُغلقة، تُعيد تدوير الخطاب في دوائر لا تنتهي.

ولكن، في عصرٍ يختزل كل شيء إلى صورة، إلى جملةٍ قصيرة، إلى رأيٍ عابر على منصةٍ افتراضية، هل لا يزال هناك متسعٌ للعمق؟ هل لا يزال المثقف قادرًا على ممارسة دوره خارج الاستعراض، خارج الشبكات التي تُعيد إنتاج كل شيءٍ في قالبٍ يمكن استهلاكه سريعًا؟

أم أن الفكر النقدي قد أصبح بدوره أسيرًا لهذا التدفق السريع، عاجزًا عن التوقف طويلًا أمام أي شيء؟

إن الفاعلية لا تعني فقط الانخراط المباشر في الصراع، بل تعني أيضًا إعادة تشكيل الخيال السياسي، إعادة إنتاج الأفق الذي يجعل من التغيير ممكنًا.

ولكن، إذا كان المثقف قد تخلى عن هذه المهمة، إذا كان قد انزلق إلى موقع “المُفسّر” لا “المُحرّك”، فمن الذي سيتولى إعادة تشكيل العالم؟

هل ستكون الجماهير وحدها قادرةً على ذلك؟

أم أن الجماهير، التي تستهلك الشعارات بدورها، ليست إلا انعكاسًا لعجز المثقف عن إنتاج رؤيةٍ واضحة؟

إن العالم لا ينتظر المثقف، ولا يتوقف عند تنظيراته. إن لم يُنتج أدواته الخاصة للتفاعل مع الواقع، فإن قوى أخرى ستملأ الفراغ، وستُعيد صياغة المشهد دون أن تأخذ رأيه بالحسبان.

إن المثقف، إن لم يكن فاعلًا، فهو ليس سوى ظلٍّ يتلاشى عند أول اختبارٍ للقوة.

في النهاية، ليس السؤال: هل يجب على المثقف أن يكون فاعلًا؟

بل السؤال الأهم: هل بقي للمثقف شيءٌ ليقوله لم يُستهلك بعد؟

وهل بقي للفكر النقدي قدرةٌ على تجاوز الصدى ليُصبح صرخة؟

أم أن الزمن قد تجاوز المُفكرين ليُصبح لعبةً تُحسم في الشارع، في السوق، في الإعلام، حيث لا مكان لمن يتردّد أو يفكّر طويلًا؟

إن الفارق بين الفاعلية والتنظير لم يَعُد مجرد خيار، بل أصبح معضلةً تخصّ وجود الفكر ذاته:

هل لا يزال الفكر قادرًا على التأثير، أم أن دوره قد انتهى ليُصبح فقط تعقيبًا هامشيًا على الأحداث؟

وهل انتهى زمن الأسئلة العميقة، ليبدأ عصرُ الإجابات السريعة؟

أم أن المثقف، حتى في عجزه، لا يزال يملك قوةً لم تُستنفد بعد، قوة السؤال الذي لم يجد جوابه بعد؟

Sent from Yahoo Mail for iPhone

zoolsaay@yahoo.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: هل لا یزال عید إنتاج

إقرأ أيضاً:

رسوم ترامب الجمركية تمنح تركيا أفضلية في زيت الزيتون وتترك إسبانيا في مأزق!

أنقرة (زمان التركية) – اكتسب زيت الزيتون التركي ميزة تنافسية بنسبة 10% على زيت الزيتون الأندلسي بعد أن غيرت الولايات المتحدة تعريفاتها الجمركية.

على مدى السنوات الست الماضية، كانت الدول الرئيسية التي تورد زيت الزيتون إلى الولايات المتحدة تشمل إسبانيا وإيطاليا وتونس وتركيا. وبعد إعلان دونالد ترامب أنه سيفرض تعريفات جمركية بمعدلات مختلفة، غيرت الولايات المتحدة التوازن الدولي في هذا القطاع. وبينما منح فرض التعريفات الجمركية بعض الدول ميزة تنافسية، إلا أنه وضع دولًا أخرى في وضع صعب.

على سبيل المثال، سيخضع زيت الزيتون القادم من الاتحاد الأوروبي لضريبة بنسبة 20 في المائة، بينما سيخضع زيت الزيتون القادم من تونس لضريبة بنسبة 28 في المائة. من ناحية أخرى، اكتسبت تركيا ميزة تنافسية من خلال دفع أقل ضريبة بنسبة ضريبة 10 في المائة.

وانتقد كريستوبال جاليجو، رئيس قطاع زيت الزيتون في شركتي Cooperativas Agro-alimentarias de Andalucía وJaencoop، هذا الوضع قائلاً: ”نحن جميعًا نلعب بالقواعد نفسها، باستثناء تركيا“. وعلاوة على ذلك، أشار جاليجو إلى أن واحدة من كل ثلاث زجاجات من زيت الزيتون التي تباع في الولايات المتحدة هي من أصل إسباني.

وسجلت منطقة الأندلس رقمًا قياسيًا جديدًا لصادرات زيت الزيتون في عام 2024، حيث تمكنت من تجاوز 4.5 مليار يورو. ومن هذا المبلغ، جاء 18.8 في المائة من الصادرات إلى الولايات المتحدة، حيث تبرز الولايات المتحدة وإيطاليا من بين الأسواق الرئيسية لزيت الزيتون الأندلسي.

Tags: أسبانياترامبتركيادونالد ترامبزيت الزيتون

مقالات مشابهة

  • تحقيق ما للهند .. كتاب أبو الريحان البيروني عن دار أم الدنيا
  • أكسيوس: قادة العالم يحاولون إعادة هيكلة اقتصاداتهم بسبب ترامب
  • هل سيصبح سعر آيفون أغلى؟.. تعريفات ترامب الجمركية تضع آبل في مأزق
  • رسوم ترامب الجمركية تمنح تركيا أفضلية في زيت الزيتون وتترك إسبانيا في مأزق!
  • مازق المثقف في المنفى: بين التماهي والهويات المنقسمة
  • المكسيك تتنفس الصعداء بعد نجاتها من الرسوم الأمريكية الأخيرة... ولكن القلق الاقتصادي لا يزال حاضرًا
  • بوابة العالم.. هذا الميناء في المملكة المتحدة لا يزال مسكونًا بذكريات سفينة تيتانيك المشؤومة
  • تعرف على أبرز ردود الفعل الدولية على رسوم ترامب الجمركية
  • ألا يزال العراق محتلا
  • الحنين للدكتاتورية – مأزق الوعي