سفارة السودان في جوبا: ما نشرته نافذة (جوبا ميديا) حول حدوث اشتباكات وتوتر أمام مقر السفارة “كذب وتلفيق”
تاريخ النشر: 4th, February 2025 GMT
كذبت سفارة السودان بجمهورية جنوب السودان، ما نشرته نافذة (جوبا ميديا) الإخبارية حول حدوث اشتباكات وتوتر أمام مقر السفارة السودانية بالعاصمة جوبا، ووصفت ما نقلته النافذة بـ”الكذب والتلفيق”، وقالت السفارة فى بيان لها، إنّ الهدف من الخبر هو تشويه المجهود الضخم الذي قامت به السفارة السودانية تجاه مواطنيها ولا ينكره إلّا مكابر أو صاحب غرض.
ولفتت إلى قلقها من انعدام الشفافية التي “كنا نمني النفس بأن نشاهدها في إعلام محترف يبتغي الحقيقة والمصداقية ولا غيرها حتى يكون إعلاماً صادقاً مع جمهور الرأي العام لا يمارس التضليل والخداع”.
وبحسب السفارة، فإنّ الخبر المتداول عن وجود ما أسماه الموقع باشتباكات أمام مقر السفارة ووقوع إصابات بين المواطنين السودانيين، بل وإقحام طاقم البعثة الدبلوماسية والأفراد العاملين بها في معمعة المصطلح إيهاماً بأنّ الأمر شابه فوضى وعدم رضاء وعن تمنع من قبل البعثة في استخراج الوثائق، ما هي إلّا وقائع كذوب وصياغة خبيثة لمضمون الخبر ومحتواه وعار عن الصحة.
وتابعت: “إنّ الواجب المهني يحتم على الموقع أن يتقصى الحقيقة ويتحرى الدقة في الخبر، ولكن فيما يبدو بأنّ المغزى لمنصة (جوبا ميديا)، هو احتراف التضليل وامتهان الكذب البواح وانتهاج التزييف والتضليل على جمهور الرأي العام في دولة جنوب السودان، وهو منهج يستوجب الحذر والتعامل معه بجدية ضماناً لاستقرار المجتمع ودرء مفسدة الشائعات”.
واوضحت السفارة السودانية، انها سيّرت “24” رحلة جوية منذ يوم الأربعاء الماضي 29 يناير المنصرم، نقل خلالها (5273) مواطنا سودانيا الى مدينة بورتسودان ومنها إلى وجهاتهم كلٌّ حسب رغبته، وذلك فى إطار تنفيذ برنامج العودة الطوعية، بالتنسيق مع مؤسسات الدولة بجنوب السودان عبر وزارة الخارجية والتعاون الدولي ووزارة الداخلية وسلطة الطيران المدني.
مشيرة الى انه تم استخراج أكثر من (3560) وثيقة سفر اضطرارية وهو ما ضمن انسيابية وسلاسة في تنفيذ البرنامج والنجاح في التفويج.
واكدت انها تؤدي عملها بكل مسؤولية في تسهيل إجراءات استخراج الوثائق الرسمية للمواطنين الراغبين في العودة وتوفيق أوضاعهم الهجرية مع السلطات المختصة في جمهورية جنوب السودان.
وامّنت السفارة على أهمية وسائل الإعلام في تسليط الضوء على أنشطة السفارة السودانية في جمهورية جنوب السودان مع تأكيدنا على ضرورة الالتزام بالضوابط المهنية الضابطة.
جوبا: السوداني
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: السفارة السودانیة جنوب السودان
إقرأ أيضاً:
أزمة ممتدة: جنوب السودان بين صراعات السلطة والعنف العرقي
د. أماني الطويل
مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والخبيرة فى الشئون الأفريقية
يشكل اعتقال رياك مشار نائب رئيس جنوب السودان ووزراء ومسئولين آخرين خلال الأسابيع الماضية اختراقاً لاتفاق سلام هش تم توقيعه عام 2018 بعد حرب أهلية في جنوب السودان بين الرئيس سلفا كير ونائبه، امتدت لخمس سنوات ونشطت خلالها الصراعات القبلية والعرقية التاريخية في جنوب السودان وكانت نتائجها المباشرة مقتل نحو نصف مليون ونزوح مليونى شخص من مجتمعاتهم المحلية.
تصاعد التوتر بين طرفى السلطة في جنوب السودان شهد تطوراً في 4 مارس 2025، حيث استولت مليشيا النوير (الجيش الأبيض) المرتبطة بنائب الرئيس رياك مشار، على قاعدة عسكرية في منطقة الناصر تابعة لجيش جنوب السودان، وهي بلدة رئيسية على الحدود بين جنوب السودان وإثيوبيا، بعد أن اتهم مشار الجيش، بقيادة الرئيس سلفا كير، بشن هجمات على قواته في مقاطعة أولانغ في 25 فبراير الماضي، إضافة لأكثر من هجوم على الموالين له في منطقتين أخريين في غرب البلاد.
وقد اعتقل الرئيس كير العديد من كبار حلفاء مشار رداً على التطورات التي شهدتها الناصر، وتم اتهام نائب الرئيس مؤخراً على لسان المتحدث الرسمي لحكومة جنوب السودان بالتواصل مع "الجيش الأبيض" وتحريضه على التمرد على السلطة الشرعية، وذلك بالتوازي مع ما تشهده البلاد من أعمال عنف مروعة على المستوى المحلي، لا علاقة لها بالتنافس على السلطة بين كير ومشار، ولكنها مرتبطة بالصراعات القبلية التقليدية، وذلك بسبب التعددية في التجمعات العرقية الرئيسية ومنها النيلوتك والدينكا والنوير والتوبوسا واللاتوكا والزاندي والشلك. وكل واحدة من هذه التجمعات الثقافية المكتفية ذاتياً والمنعزلة لها لغتها الخاصة ومعتقداتها الدينية المختلفة. وليس معنى هذا أن العناصر الأفروعربية أو الإسلامية واللغة العربية غائبة تماماً في جنوب السودان، خصوصاً على المستوى اللغوي للعامة وغير المتعلمين فيما يسمى عربي جوبا.
جذور الأزمة
تذهب غالبية الأدبيات السياسية إلى وجود جذور تاريخية للصراع الراهن مرتبطة بشعور القبائل غير الرئيسية في جنوب السودان بالتهميش في التمثيل السياسي لصالح قبيلة الدينكا كبرى قبائل جنوب السودان، الأمر الذي دفع الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري إلى تقسيم جنوب السودان إلى ثلاث ولايات. هذا التقسيم ساهم في تجذير الشعور بالتهميش الداخلي في جنوب السودان بعد انهيار اتفاقية أديس أبابا التي أبرمت عام 1972 بين شمال وجنوب السودان وعودة قبيلة الدينكا- أكبر القبائل جنوب السودان- إلى ممارسة هيمنتها، على أن التحالف القبلي والعرقي الذي أنجزه جون جارانج في إطار الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي تبلورت عام 1983ضد الحكومة المركزية في الخرطوم قد ساهم على نحو ما في صياغة تقارب قبلي على خلفية وحدة الهدف، ولكن هذا التحالف لم يستمر طويلاً، إذ انقسمت الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991 بين جون جارانج المنتمي إلى قبيلة الدينكا ورياك مشار المنتمي إلى قبيلة النوير، وهو ما أبرز الصراع القبلي من جديد في جنوب السودان، حيث اتخذ العنف الاجتماعي منذ هذا التاريخ أبعاداً قبلية وعرقية.
عوامل تطور الصراع
ساهمت حرب السودان التي اندلعت في أبريل 2023 في تصاعد حدة التوتر في جنوب السودان، حيث فرضت ضغوطاً متزايدة على حكومة الرئيس سلفا كير لسببين: الأول، خسارة ثلثى الإيرادات الحكومية بعد انفجار خط أنابيب تصدير النفط الرئيسي قرب العاصمة السودانية الخرطوم وسط القتال عام 2024. وقد أعاق الصراع العسكري إصلاح الأنبوب، الأمر الذي ساهم في اندلاع أزمة مالية مستحكمة.
والثاني، حالة التوازن الحرج المطلوبة من الرئيس سلفا كير إزاء كل من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان (حميدتي) للحفاظ على علاقاته مع كليهما، إذ أن أنبوب النفط ينتهي في بورتسودان حيث الإقامة المؤقتة لحكومة السودان، بينما كانت تسيطر قوات الدعم السريع على بعض مناطق مرور الأنبوب، وهو ما فرض على كير التفاعل مع حميدتي لفترة مؤقتة، حيث أن قوات الدعم السريع سمحت عمداً بتدمير خط الأنابيب، نظراً لأن رسوم العبور كانت تذهب إلى منافسيها في بورتسودان، مما أجبر كير على إجراء مفاوضات عالية المخاطر مع قوات الدعم السريع لاستئناف تدفق النفط.
على صعيد موازٍ، تبرز تحديات قادمة من جنوب السودان للجيش السوداني في شمال السودان. إذ أن التحالف بين حميدتي وعبد العزيز الحلو - الذي يسيطر على مناطق جبال النوبة في جنوب كردفان - يسمح بامتداد الفاعلية العسكرية من دافور في غرب السودان إلى جنوب السودان وصولاً إلى مناطق أعالي النيل في جنوب السودان، حيث تعد الأعمال العدائية في أعالي النيل أول امتداد كبير للعنف من حرب السودان إلى جنوب السودان. وإذا كان التحالف يشكل ضغطاً سياسياً وعسكرياً على كل من كير والبرهان، فإنه يوفر فرصة لرياك مشار المتمرد على الرئيس كير لدعم قدراته العسكرية وأوراق ضغطه السياسي.
أما على المستوى السياسي، فإن الرئيس سلفا كير قد أقصى شركاءه في الحكومة الانتقالية التي تم تأسيسها عبر اتفاقية السلام المنشط عام 2018، وهى الحكومة التي تأخرت في إعلانها لعدة شهور عن الجدول الزمني المتضمن في اتفاق السلام، كما أقال الرئيس كير منذ عام 2020 وزيرة الدفاع من منصبها (زوجة رياك مشار)، وأقال أيضاً حاكم البنك المركزي، ومؤخراً أقال وزير النفط كانج شول، ونائب قائد الجيش جابرييل دوب لام، بينما وضع مسئولين عسكريين كبار متحالفين مع نائبه مشار رهن الإقامة الجبرية، وتم اعتقال الوزير المسئول عن جهود إحلال السلام في جنوب السودان ستيفن بار كول، لفترة محدودة، وهو من السياسيين المشاركين في مفاوضات اتفاق السلام عام 2018.
صحيح أن الحكومة التزمت بإجراء المسح السكاني عام 2022 المؤسس للإجراءات السياسية المتضمنة في اتفاقية السلام المنشط، فضلاً عن شروط التنمية المتوازنة، ولكنها تجاهلت التشاور مع الأحزاب بشأن تشكيل الحكومة الانتقالية، ولم يتم وضع دستور دائم للبلاد، كما لم يتم وضع التشريعات اللازمة لتشكيل المحاكم المختلطة، حيث تقع مسئولية إنشاء المحكمة المختلطة على عاتق مفوضية الاتحاد الإفريقي، ونظراً لمعارضة الحكومة المستمرة، فقد ترددت المفوضية في إنشاء المحكمة المختلطة من جانب واحد. وفي الوقت نفسه، تم عرقلة إنشاء هيئة تسوية النزاعات.
وفي عام 2024، ونظراً لتصاعد مؤشرات التوتر السياسي والقبلي وأيضاً الأمني، تم نشر قوات حفظ سلام إضافية وقوات عاجلة في النقاط الساخنة في جنوب السودان التي عانت من خطف للمدنيين، ونزوح نتيجة التغير المناخي والمجاعات.
وهكذا تبلورت عوامل التوتر السياسي، الأمر الذي أسفر عن تأجيل الانتخابات الرئاسية أكثر من مرة لتكون سنوات حكم سلفا كير ١٤ عاماً متصلة، حيث من المقرر أن يتم إجرائها نهاية عام 2026.
تطويق الصراع
التفاعلات المرتبطة بحرب السودان من المنتظر أن تدفع الجيش السوداني إلى تأمين منطقة أعالي النيل في جنوب السودان، عبر قطع الطريق على ممر يوفره التحالف بين قطاع الشمال في حركة تحرير السودان في جبال النوبة وبين قوات الدعم السريع، وهو الممر الذي يتيح لها منطقة عمليات آمنة تمتد من دارفور غرباً عبر جنوب كردفان جنوباً عبر أعالي النيل في جنوب السودان إلى ولاية النيل الأزرق السودانية وإثيوبيا شرقاً.
هذه الأوضاع الميدانية قد تفرض تفاعلاً بين الجيش السوداني وقبائل النوير المتواجدة في هذه المناطق بينما هم أعداء لحليف الفريق البرهان، سلفا كير الذي يدعمه حالياً الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني بقوات موجودة بجنوب السودان شنت قصفاً ضد "الجيش الأبيض" أكثر من مرة.
وتكمن المخاطر الحقيقية في اندلاع قتال في مدنية ملكال عاصمة ولاية أعالي النيل، نظراً لكونها مدينة متعددة الأعراق، وقد تؤدي أعمال العنف فيها إلى نتائج مرعبة على الصعيد الإنساني، خصوصاً وأن مقتل الجنرال ماجور داك قائد منطقة الناصر العسكرية على يد النوير رغم جهود الأمم المتحدة لإنقاذه عبر محاولة إخلاء جوي، ساهم في تصعيد التوتر السياسي والعسكري بين كير ومشار وبالتالي اتخاذ قرار اعتقاله، فضلاً عن احتجاز الرئيس كير حالياً قادة عسكريين مرموقين تابعين لمشار.
وطبقاً لتوقعات الخبراء، فإن تطويق سيناريو اندلاع صراع مسلح في جنوب السودان مطلوب من الاتحاد الإفريقي، فضلاً أنه مطلوب من القاهرة الانتباه لاندلاع هذا الصراع، ومحاولة تطويقه عبر الجهود الدبلوماسية المباشرة بالتعاون مع كل من الاتحاد الإفريقي والسودان وإرتيريا والصومال، إذ أن تفعيل التحالفات المصرية في شرق إفريقيا يتطلب الانخراط الفعال في جهود إحلال السلام في هذه المنطقة المهمة استراتيجياً لمصر.
موقع #مركز الاهرام للدراسات