هل يتوافق فرقاء السودان على أسئلة اليوم التالي للحرب؟
تاريخ النشر: 3rd, February 2025 GMT
الخرطوم- بعد شهور من الجمود السياسي والتصعيد العسكري، نشطت قوى سودانية في مشاورات لطرح مشروع وطني لمرحلة ما بعد الحرب، تحاول الإجابة على أسئلة اليوم التالي، في حين دعا الاتحاد الأفريقي الفرقاء السودانيين إلى لقاء في أديس أبابا للتوافق على حوار سوداني- سوداني.
لكن مراقبين يستبعدون توافق الفرقاء السودانيين على إجابات أسئلة اليوم التالي للحرب، ويرون أن الأزمة الحالية أفرزت اصطفافا جديدا مثلما حدث قبل الحرب، وهو ما سيعقّد المشهد السياسي في البلاد.
كشف مصدر دبلوماسي للجزيرة نت أن مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي سيعقد قمة استثنائية في منتصف فبراير/شباط الجاري بشأن السودان، موضحا أنها ستعقد على مستوى رؤساء الدول والحكومات، وتهدف إلى تقييم الوضع الراهن في السودان، وبحث التطورات المتسارعة، ووضع خارطة طريق لتحقيق وقف إطلاق النار.
كما يرتب رئيس الآلية الأفريقية لتسوية النزاع في السودان محمد بن شمباس، لدعوة الفرقاء السودانيين إلى مشاورات في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، خلال الفترة من 19 إلى 21 فبراير/شباط الجاري، لعقد المشاورات النهائية حول ترتيبات انطلاق الحوار السياسي السوداني.
وكان الاتحاد الأفريقي قد عقد مشاورات موسعة خلال يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيين، حيث شملت الجولة الأولى القوى السياسية المساندة للجيش، التي أقرت وثيقة شملت رؤيتها لأجندة وقضايا الحوار السوداني.
إعلانوتلتها جولة أخرى ضمت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية "تقدم" وفصيلي الحركة الشعبية – الشمال برئاسة عبد العزيز الحلو وحركة تحرير السودان بزعامة عبد الواحد نور، للتوافق على ترتيبات حوار سوداني، لكن لم تصدر وثيقة عن الجولة.
وسبق ذلك مؤتمر للقوى السودانية استضافته القاهرة في يوليو/تموز الماضي، ضم أطراف المشهد السياسي تحت سقف واحد لأول مرة، وصدر بيان في نهاية المؤتمر تحفظت عليه بعض القوى.
مشروع وطنيوقبل أيام انخرطت قوى سياسية ومجتمعية في مشاورات في بورتسودان -العاصمة الإدارية المؤقتة- بمبادرة من شخصيات سياسية، للتوافق على وثيقة مشروع وطني يحمل رؤية لإنهاء الحرب، وللإجابة على أسئلة اليوم التالي، والتمهيد لحوار سوداني شامل يعقد داخل السودان.
ويوضح رئيس التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية مبارك أردول أن المبادرة تهدف للتوافق على مشروع وطني لإدارة البلاد في مرحلة ما بعد الحرب، ويجاوب على الأسئلة التي تهم كل السودانيين بشأن مستقبل البلاد وتأسيس سودان جديد.
وحسب حديث أردول للجزيرة نت فإنهم التقوا كتلا وقوى سياسية وممثلي مجتمع مدني ورجال دين وزعماء قبائل، أبرزها تحالف الحراك الوطني، والكتلة الديمقراطية، وتحالف سودان العدالة "تسع"، وحزب المؤتمر الشعبي، والحزب الاتحادي الديمقراطي، ووجدوا تجاوبا منهم بعد تسليمهم نسخة من مقترحات المشروع.
وعن مشاركة أطراف تختلف في مواقفها معهم، يقول أردول إن المشاركة مفتوحة لجميع القوى السياسية المؤمنة بشرعية القوات المسلحة ومؤسسات الدولة، وجرائم قوات الدعم السريع بحق الشعب ومؤسساته، ولن تستثنى أي جهة إلا لأسباب قانونية أو صدرت بحقهم أحكام قضائية.
وفي المقابل، يقول عضو في الهيئة القيادية لتنسيقية القوى المدنية الديمقراطية "تقدم" للجزيرة نت إن "ما يجري في بورتسودان لا يعنيهم، لأن القوى التي تحاور بعضها متقاربة في مواقفها، وتسعى لتشكيل حاضنة سياسية لرئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، واقتسام السلطة مع المكون العسكري".
إعلانويرى القيادي -الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته- أن "موقفهم الحياد"، ولذا رفضوا توجه فصائل في تنسيقية "تقدم" لتشكيل حكومة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع أو التحالف السياسي معها، ولذا لن يكونوا جزءا من القوى المساندة للجيش.
ويؤكد أن القوى السياسية والمدنية في "تقدم" ما زالت مستعدة للحوار مع أي قوى سياسية راغبة في السلام ووقف الحرب، كما جلست مع قوى تخالفها الموقف خلال مؤتمر القاهرة في يوليو/تموز الماضي، وهي ماضية في تشكيل جبهة وطنية عريضة لوقف الحرب خلال المرحلة المقبلة، وفقا للمتحدث.
إستقبال تاريخي غير مسبوق في تندلتي و أم روابة للرئيس البرهان ..
غير مسبوق لأن الزيارة مفاجئة لأهل المنطقتين ولم يكن لديهم علم ، لا حافلات ولا بصات ولا ميكرفونات ولا تنظيم .
الشعب قالها في كل مكان وبكثافة جماهيرية لم أشهدها قريباً .. نعم للجيش .. شعبٌ واحد جيشٌ واحد.
إذا كان لديك… pic.twitter.com/0CNnpBgTCT
— الهندي عز الدين (@elhindiizz) February 2, 2025
مطالب التوافقيعتقد الباحث والمحلل السياسي خالد سعد أن التوافق الوطني بين الفرقاء السودانيين غير مستبعد، في حال تخلت القوى السياسية عن خلافاتها البينية والذاتية، ونظرت إلى مصلحة البلاد، وكانت حريصة على عدم عسكرة كامل الفضاء السياسي.
وفي حديثه للجزيرة نت، يرى المحلل أن الحرب أسهمت باستمرار الاستقطاب، كما أسهم الخطاب السياسي في عزل القوى السياسية التي هيمنت على الفترة الانتقالية، بينما صعدت بقوى النظام السابق، فضلا أن الحرب أفرزت استقطابا اجتماعيا غير مسبوق، تأثرت به القوى السياسية التي لديها حواضن متفاعلة أو متأثرة بالحرب.
ولا يستبعد وجود قوى دولية وإقليمية ليست راغبة في توافق وطني، وتنظر إليه كمعرقل لمصالحها وتفاهماتها مع جزء من القوى السياسية أو القوى العسكرية حسب المتحدث.
إعلانبدوره، عدّ الكاتب ورئيس تحرير صحيفة "المجهر السياسي" الهندي عز الدين أن الاستقبالات الضخمة التي وجدها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان في أم روابة بشمال كردفان بعد تحريرها، وتندلتي في النيل الأبيض، تعد بمنزلة تفويض شعبي.
وطالب الكاتب -عبر منشور له في منصة "إكس"- البرهان بعدم الالتفات الى أي مقترحات بترتيبات سياسية، وعدم انتظار شرعية أو تقنين وضع سياسي، سواء من مؤتمر حوار أو من قوى وطنية أو تحالف "تقدم" أو حركات مسلحة.
ويرى الكاتب أن البلاد في حاجة -بعد حسم الحرب وتحريرها من الدعم السريع- إلى فترة استقرار أمني بقيادة الجيش ورئيس وزراء "تكنوقراط" 3 سنوات على الأقل، تجرى بعدها انتخابات رئاسية.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الفرقاء السودانیین القوى السیاسیة للتوافق على مشروع وطنی للجزیرة نت
إقرأ أيضاً:
الجنجويد والطائرات المسيرة: سيمفونية الدمار التي يقودها الطمع والظلال الإماراتية
كتب الدكتور عزيز سليمان استاذ السياسة و السياسات العامة
في زمن يتداخل فيه الدخان الأسود برائحة البارود، وتصدح فيه أنين الأطفال وسط خرائب المستشفيات والمدارس و محطات الكهرباء و المياه ، يبدو السودان كلوحة مأساوية رسمها الجشع البشري. لكن، يا ترى، من يمسك بالفرشاة؟ ومن يرسم خطوط التدمير الممنهج الذي يستهدف بنية تحتية سودانية كانت يومًا ما عصب الحياة: محطات الكهرباء التي كانت تضيء الدروب، والطرق التي ربطت المدن، ومحطات مياه كانت تنبض بالأمل؟ الإجابة، كما يبدو، تكمن في أجنحة الطائرات المسيرة التي تحمل في طياتها أكثر من مجرد قنابل؛ إنها تحمل مشروعًا سياسيًا وجيوسياسيًا ينفذه الجنجويد، تلك المليشيا التي فقدت زمام المبادرة في الميدان، وانكسرت أمام مقاومة الشعب السوداني و جيشه اليازخ و مقاومته الشعبية الصادقة، فاختارت أن تُدمر بدلاً من أن تبني، وتُرهب بدلاً من أن تقاتل.
هذا النهج، يا اهلي الكرام، ليس عبثًا ولا عشوائية. إنه خطة مدروسة، يقف خلفها من يدير خيوط اللعبة من الخارج. الجنجويد، التي تحولت من مجموعة مسلحة محلية إلى أداة في يد قوى إقليمية، لم تعد تعمل بمفردها. الطائرات المسيرة، التي تقصف المدارس والمستشفيات، ليست مجرد أدوات تكنولوجية؛ إنها رسول يحمل تهديدًا صامتًا: “إما أن تجلسوا معنا على طاولة المفاوضات لننال حظنا من الثروات، وإما أن نجعل من السودان صحراء لا تحتمل الحياة”. ومن وراء هذا التهديد؟ الإجابة تلوح في الأفق، وهي دولة الإمارات العربية المتحدة، التي باتت، بحسب الشواهد، الراعي الأول لهذه المليشيا، مستخدمةً مرتزقة من كل أنحاء العالم، وسلاحًا أمريكيًا يمر عبر شبكات معقدة تشمل دولًا مثل تشاد و جنوب السودان وكينيا وأوغندا.
لكن لماذا السودان؟ الجواب يكمن في ثرواته المنهوبة، في أرضه الخصبة، ونفطه، وذهبه، ومياهه. الإمارات، التي ترى في السودان ساحة جديدة لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي، لم تتردد في استغلال الخلافات الداخلية. استخدمت بعض المجموعات السودانية، التي أُغريت بوعود السلطة أو خدعت بذريعة “الخلاص من الإخوان المسلمين”، كأدوات لتفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. لكن، هل هذه الذريعة الدينية أو السياسية كافية لتبرير تدمير أمة بأكملها؟ بالطبع لا. إنها مجرد ستار يخفي وراءه طمعًا لا حدود له.
الجنجويد، التي انهزمت في المعارك التقليدية، لجأت إلى استراتيجية الإرهاب المنظم. الطائرات المسيرة ليست مجرد أسلحة؛ إنها رمز لعجزها، ولكن أيضًا لدعمها الخارجي. فكل قصف يستهدف محطة كهرباء أو طريقًا أو مصدر مياه، هو رسالة موجهة إلى الحكومة السودانية: “لن نوقف حتى تجلسوا معنا”. لكن من يجلسون حقًا؟ هل هي الجنجويد وحدها، أم القوات المتعددة الجنسيات التي تجمع بين المرتزقة والمصالح الإماراتية؟ أم أن الجلسة ستكون مع الإمارات نفسها، التي باتت تتحكم في خيوط اللعبة؟ أم مع “التقدم”، ذلك الوهم الذي يبيعونه على أنه مخرج، بينما هو في الحقيقة استسلام للعدوان؟
هنا، يجب على الحكومة السودانية أن تتذكر أنها ليست مجرد ممثلة لنفسها، بل هي وكيلة عن شعب دفع ثمن أخطاء الحرية والتغيير، وأخطاء الإخوان المسلمين، وأخطاء السياسات الداخلية والخارجية. الشعب السوداني، الذي قاوم وصبر، يطالب اليوم بموقف واضح: موقف ينبع من روحه، لا من حسابات السلطة أو المصالح الضيقة. يجب على الحكومة أن تتحرى هذا الموقف، وأن تعيد بناء الثقة مع شعبها، بدلاً من الاستسلام لضغوط خارجية أو داخلية.
ورأيي الشخصي، أن الحل لا يبدأ بالجلوس مع الجنجويد أو راعيها، بل بفك حصار الفاشر، وتأمين الحدود مع تشاد، ورفع شكاوى إلى محكمة العدل الدولية. يجب أن تكون الشكوى شاملة، تضم الإمارات كراعٍ رئيسي، وتشاد كجار متورط، وأمريكا بسبب السلاح الذي وصل عبر شبكات دول مثل جنوب السودان وكينيا وأوغندا. كل هذه الدول، سواء من قريب أو بعيد، ساهمت في هذا العدوان الذي يهدد استقرار إفريقيا بأكملها.
في النهاية، السؤال المرير يبقى: مع من تجلس الحكومة إذا قررت الجلوس؟ هل مع الجنجويد التي أصبحت وجهًا للعنف، أم مع القوات المتعددة الجنسيات التي لا وجه لها، أم مع الإمارات التي تختبئ خلف ستار الدعم الاقتصادي، أم مع “صمود” التي يبدو وكأنها مجرد وهم؟ الإجابة، كما يبدو، ليست سهلة، لكنها ضرورية. فالسودان ليس مجرد ساحة للصراعات الإقليمية، بل هو تراب يستحقه اهله ليس طمع الطامعين و من عاونهم من بني جلدتنا .
quincysjones@hotmail.com