لجريدة عمان:
2025-04-06@00:15:46 GMT

يخجلني أن بريطانيا شاركت في جحيم غزة

تاريخ النشر: 3rd, February 2025 GMT

ترجمة: أحمد شافعي -

ما كنت لأتخيل وأنا أعمل أستاذا لجراحة زرع الأعضاء في مستشفى تعليمي كبير في لندن أن يأتي يوم فأجد نفسي فيه أجري جراحة لطفلة في الثامنة من العمر توشك أن تموت بالنزيف فتقول لي ممرضة التنظيف إنه لم يبق من ضمادات متاحة. لكنني وجدت نفسي في ذلك الموقف في أغسطس الماضي وأنا أجري جراحة في مستشفى ناصر بغزة بوصفي متطوعا في منظمة المعونة الطبية للفلسطينيين (Map).

تقلصت مهمتي إلى حد اغتراف الدم بكلتا يدي، فاجتاحتني موجة غثيان ساحقة، وانتابني شعور بأن الطفلة لا يمكن أن تنجو. ومن حسن الحظ أنها نجت، برغم أن الكثيرين لم تكتب لهم النجاة.

بعد أن تقاعدت من هيئة الصحة الوطنية البريطانية، قررت الذهاب إلى غزة، لما بات واضحا أن الحاجة ماسة هناك إلى مساعدة جراحية، وكان لدي من المهارات ما أسهم به. ولقد كانت الحياة بوصفي جراح زراعة أعضاء في لندن شاقة، لكنها مجزية إلى أقصى حد، وبوصفي عضوا كبيرا في مجتمع زراعة الأعضاء كنت أنعم بمكانة معينة. فكان منتظرا أن تكون تجربة غزة مختلفة، لكن ما كان لشيء أن يؤهلني مسبقا لما وجدته حال وصولي.

منذ اللحظة التي عبرت فيها إلى الأراضي الفلسطينية، وحثنا سفين، وهو رجل سويدي ضخم يرتدي قميصا مشجرا متنافر الألوان يقود قافلة سيارات لاند كروزر التابعة للأمم المتحدة، بقوله «حاولوا ألا تتعرضوا للقتل»، باتت الحياة غريبة، والتجربة مربكة حتى أقصى درجة. والواقع أن السيارات التي نقلتنا تعرضت لقصف الجيش الإسرائيلي بعد أيام من وصولنا. فغزة هي أخطر مكان للعمل على وجه الأرض، إذ تعرض فيها للقتل ثلاثمائة عامل إغاثة وألف من العاملين الصحيين منذ بدء الحرب.

أثارت رحلتنا عبر جنوب غزة إلى قاعدتنا صور هيروشيما المقبضة. فجميع المباني، في نطاق أميال كثيرة من كل اتجاه، سوِّيت حرفيا بالأرض فلم تعد غير جزء من الأفق الترابي، وباستثناء عدد قليل من المسلحين الذين ينهبون الركام، لوحظ أنه لم يكن أحد من الناس في الأفق كله. وما كدنا نصل إلى مستشفى ناصر، حتى وجدنا في انتظارنا فوضى من القرون الوسطى تتجاوز قدرات الخيال.

كانت العنابر مكدسة، وقد رُصَّت الأسرَّة فيها وفي الممرات، بل وطغت حتى على الشرفات المفتوحة، وقد أحيط كثير منها بحشايا على الأرض كان الأقارب ينامون عليها لمساعدة الممرضات في رعاية المرضى. انعدمت النظافة. وفي أكثر الأحيان لم يكن يسمح بدخول الصابون والشامبو وسوائل التنظيف إلى غزة، وقلَّت الإمدادات الطبية التي كانت تخضع هي الأخرى لقيود الاستيراد. وفي حالات كثيرة، فحصت جروحا فوجدت فيها ديدان حية، بل لقد تعين في إحدى الحالات على زملائي من منظمة المعونة الطبية للفلسطينيين أن يزيلوا الديدان من حلق طفل حينما وجدوها تعوق جهاز التنفس الصناعي. وفي أوقات كثيرة نفد ما لدينا من القفازات والأردية والسواتر المعقمة.

كان المستشفى يرتج بانتظام بسبب قصف القنابل في الجوار. وشأن أغلب المستشفيات الأخرى، تعرض المستشفى للهجوم في فبراير من العام الماضي، فلقي كثير من العاملين والمرضى مصرعهم. وكنا نتلقى كل يوم حادثة أو اثنتين لجماعات من الضحايا فيتحول استقبال الطوارئ إلى دوامة كأنها من جحيم دانتي مليئة بالأجسام والدم والأنسجة والصغار الصارخين وقد فقد كثير منهم أطرافهم. وكان دأب ذلك أنه يعني موت ما بين عشرة وخمسة عشرا، وإصابة ما بين عشرين وأربعين بإصابات جسيمة.

كنا نستقبل الضحايا في أي وقت، من ليل أو نهار، وفي بعض الأحيان كنا نعمل بلا توقف لأكثر من أربع وعشرين ساعة. كان ثمة تخوف دائم من أن القصف المنتظم بالقرب من المستشفى سوف يستهدفنا يوما ما، فكان يصعب علينا النوم. كان العاملون المحليون المنهكون يخجلوننا بتفانيهم في عملهم الشاق، وبعيدا عن أوضاع المستشفى، كانوا يحتملون الحياة في «خيام» لا تعدو في كثير من الأحيان قطعا من أبسطة مثبتة على أعمدة خشبية، بلا مياه جارية أو صرف صحي. ولم أر أيضا دليلا قط على حضور حماس، سواء في المستشفى أو خارجه، مع أنه لم تكن من قيود مفروضة على حركتنا.

عندما أرجع النظر، أرى أن صور الأطفال المصابين هي التي لن تغادر مخيلتي أبدا. في إحدى الأمسيات، أجريت عملية جراحية لطفل اسمه عامر يبلغ من العمر سبع سنوات، أصيب برصاصة من إحدى الطائرات المسيرة التي تهبط فور انتهاء القصف لتصطاد من يفرون، وجميعهم من المدنيين. كان قد أصيب بجروح في الكبد والطحال والأمعاء، وكان جزء من معدته بارزا من صدره. وكنت في غاية السعادة حين رأيته ينجو. لكننا كنا نرى مرضى مثله كل يوم، ومعظمهم لم يكونوا سعداء الحظ.

كانت معظم الحالات التي عالجناها من النساء والأطفال، ولكن المزعج بصفة خاصة كان الأطفال المصابين بإصابة واحدة، هي رصاصة في الرأس، فقد كان واضحا تمام الوضوح أن تلك نتيجة لنيران قناصة متعمدة. ويشعر الفلسطينيين بأنهم يتعرضون لإبادة جماعية، وقد خلص خبراء حقوق إنسان تابعون للأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية ومنظمات أخرى عديدة إلى أن تصرفات إسرائيل قد ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، ومن الصعب منازعتها في هذا.

لقد عملت في مناطق صراع عديدة ولكنني لم أر قط مثل هذا القدر من الموت والدمار بين المدنيين. لا شك أن هذا كان مختلفا نوعيا عن أي حرب أخرى، سواء الآن أو في العقدين الماضيين.

وحتى في حال صمود وقف إطلاق النار، وهو ما يبدو مشكوكا فيه بشكل متزايد نظرا لأفعال دونالد ترامب الأخيرة، فسوف يستغرق الأمر سنوات لإعادة بناء غزة، سواء ماديا أو اجتماعيا. ولكن أملي العميق هو أن يحصل الفتى عامر، وغيره من أمثاله، على فرصة في مستقبل لائق وإنساني.

عندما رجعت قافلة السيارات بنا في سبتمبر الماضي، كان في نفسي إحساس طاغ بالذنب لأنني أستطيع العودة إلى حياة يسيرة بينما يمضي ملايين إلى الفراش جائعين، لا يعرفون هل سيتمزقون إربا بين العشية وضحاها. ثم حل شعور عميق بالخزي والحرج بسبب أن حكومة المملكة المتحدة، حكومة حزب العمال التي كنت أدعمها، رفضت إدانة إسرائيل بسبب جرائم الحرب التي ارتكبتها ولا تزال تواصل إمدادها بالأسلحة. قد تتطلب السلطة السياسية تنازلات ومقايضات من وراء الكواليس، ولكن هناك خطوطا أخلاقية حمراء لا ينبغي تجاوزها أبدا، مهما كانت التكلفة السياسية. وفي رأيي أن الإبادة الجماعية في غزة هي الاختبار الجوهري للشجاعة الأخلاقية للقادة في القرن الحادي والعشرين، وقادتنا حتى الآن فشلوا في هذا الاختبار. ربما توقف القصف الآن، لكن محاسبة الذين ارتكبوا تلك الجرائم ضرورة ليست أقل إلحاحا.

نظام محمود طبيب جراح يعمل متطوعا في المنظمات الإنسانية بعد تقاعده.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: کثیر من

إقرأ أيضاً:

الأسود كانت جعانة .. أسرار جديدة في واقعة سيرك طنطا

تطورات مثيرة وأسرار جديدة تم الكشف عنها في واقعة سيرك طنطا، حيث هاجمت الأسود والنمور عاملا أثناء عروض السيرك  بمنطقة البوريفاج.

https://youtube.com/shorts/rNbV5uZ2F4M

كشف أحد العاملين في السيرك عن تفاصيل جديدة تثير القلق بشأن التعامل مع الحيوانات داخل السيرك، حيث أشار إلى أن الأسود التي كانت تشارك في العروض كانت تعاني من الجوع الشديد، وهو ما يعتقد أنه السبب الرئيسي في الحادث المأساوي الذي أدى إلى بتر ذراع أحد العاملين.

وتفتح هذه التصريحات الباب أمام العديد من التساؤلات حول الظروف التي كانت تعيش فيها الحيوانات داخل السيرك وكيفية تأثير ذلك على سلوكها وأداء العروض.

https://youtube.com/shorts/rNbV5uZ2F4M

مقالات مشابهة

  • جمال القليوبي: مصر كانت تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري قبل عام 2017
  • عمسيب: إذا كانت الحركات المسلحة لا ترغب في التوجه إلى الفاشر يجب عليها (..)
  • واشنطن: سنعرف قريبا ما إذا كانت روسيا جادة بشأن السلام
  • عاجل | السيد القائد: المنظمات الدولية تشهد على المجاعة في قطاع غزة ونفاد القمح والطحين من المخابز التي كانت توزع الخبر لأبناء الشعب الفلسطيني
  • «كانت ست جميلة».. هند صبري تنعى زوجة نضال الشافعي
  • العجمة: في ديربي الهلال والنصر واحد من المدربين سيواجه جحيم الجماهير.. فيديو
  • حمزة العيلي عن زوجة نضال الشافعي: كانت قمة في الاحترام والرقي
  • بريطانيا تحدد آلاف السلع الأميركية التي قد تفرض عليها رسوماً
  • الأسود كانت جعانة .. أسرار جديدة في واقعة سيرك طنطا
  • الـ Newsweek تكشف: هكذا شاركت روسيا في الحرب بين حزب الله وإسرائيل