محمد المكي أحمد:

في أول حدث من نوعه، بعد تنصيبه رئيسا، بعد نجاح الثورة السورية، وإطاحة نظام بشار الأسد ، سجل رئيس سوريا السيد أحمد الشرع زيارة إلى السعودية في ( 2 فبراير 2025).
هذه الخطوة شكلت حدثا تاريخيا، لأسباب عدة، في صدارتها أنها أول زيارة إلى دولة في المنطقة و العالم، بعد تنصيبه رئيسا لسوريا في 29 يناير 2025.


اختيار القيادة السورية الجديدة، الرياض، وجهة أولى، تعكس وعيا سياسيا، وقراءة واعية لأهمية الدور السعودي، وحيويته، وقدرة القيادة السعودية على المساهمة الفاعلة في دعم سوريا الجديدة، كي تستقر، وتعالج جراحها، وتخرج من عزلتها.
والأهم أن تُبني قاعدة مصالح مشتركة مع بلد يتمتع باقتصاد متين، وخارطة علاقات ، دولية واقليمية، ومكانة قيادية، فاعلة، في مجلس التعاون الخليجي ( قطر، الكويت، ، سلطنة عمان، الإمار ات، البحرين، السعودية) .
اختيار الشرع الرياض محطة خارجية أولى، تعكس واقعية تفكيره، وفهمه لخارطة العلاقات الأقليمية والدولية ، التي تقف الرياض في قلبها، استنادا إلى مبادراتها، وسياستها الحالية ، زكنت وصفتها في مقالات غير مرة بأنها باتت في هذه المرحلة تصنع الأحداث ولا تجلس على رصيفها.
السعودية بادرت باعلان دعمها لسوريا بعد اطاحة بشار، وأكدت دعمها لاستقرارها ووحدة أراضيها ، وزار وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان دمشق في 24 يناير 2025 والتقى الشرع، وقبل الزيارة وبعدها أطلقت جسور دعم واغاثة جوية، وبرية عبر الأرد،ن لتلبية احتياجات حياتية للشعب السوري.
ولم يقف الأمر في حدود ذلك بل استضافت 3 مؤتمرات عربية ودولية في الرياض في 12 يناير 2025 لدعم سوريا، بمشاركة 18 دولة، وهاهي تتحرك حاليا وتقود جهودا لرفع عقوبات دولية كانت مفروضة على سوريا في عهد بشار.
القيادة السعودية حريصة على التعاون مع القيادة السورية الجديدة لأسباب عدة ، من أهمها ما يتعلق بأمن المنطقة ، إذ أن استقرار سوريا يدعم استقرار دول المنطقة، ويساهم في جهود اقليمية ودولية تُركز على مكافحة ممارسات تنظيمات متطرفة وإرهابية ، هذا فضلا عن أن دمشق تزخر بفرص استثمارية كبيرة وواعدة.
القيادة السعودية قرأت تفكير الشرع من خلال خطابه السياسي فور دخوله إلى دمشق، وقبل وبعد تنصيبه رئيسا.
تابعت الخطاب السياسي للشرع ( الثائر) ، بعد انتصار الثورة السورية في 8 ديسمبر 2024 وقبل تنصيبه ،وبعدما تولى الرئاسة.
أرى أنه منذ اليوم الأول لدخوله دمشق منتصرا، اختار لغة خطاب سياسي معتدلة، تخلو من مفردات التهريج السياسي التي درج على استخدامها بعض (الثوار) و( الانقلابيين) في المنطقة العربية، الذين يجلسون على كراسي الحكم بعد ثورة شعبية أو إنقلابات .
خطاب الشرع يخلو من عنتريات ( الأنا) و يتسم بمكاشفة وتوضيح لحقائق انتمائه التنظيمي بالأمس واليوم، وكيف تطور فكره السياسي من مرحلة جبهة النصرة ، الى ( هيئة تحرير الشام) وبعدما صار رئيسا.
الشرع منذ اليوم الأول لدخوله دمشق أطل بشخصية رجل دولة يسعى لتحقيق الحرية والعدالة والحياة الكريمة لشعبه، وهذا ما يشكل تحديا أمامه اليوم وغدا، ومن دون أدنى شك فان اقتران الأقوال بالأفعال هو ما يعزز ويرسخ قناعة شعبه ودول المنطقة والعالم باعتداله وسمات شخصيته القيادية ، الواعية، المعتدلة.
ارى أن الشعب السوري محظوظ لانه قيادة ثورته جاءت من رحم الثورة، ومن الصف الأول في معارك الخلاص من الديكتاتورية، لا من خارج صفوف الثوار، وهذا ما حدث في السودان.
الشعب السوداني فجر ثورة شعبية باهرة، لكن نتائج التجربة أكدت فشل ( شراكة) قوى حزبية و قيادات عسكرية كانت موجودة في قلب نظام عمر البشير، وهي التي سيطرت على القرار، وهمشت ، كرها أو طواعية، مدنيين شاركوا في السلطة .
وهاهم العسكر الذين خدعوا معظم الناس ، باعلان انحيازهم لثورة الشعب السوداني السلمية التي اندلعت في ديسمبر 2018 يدمرون السودان، أولا بانقلاب عسكري ، ثم بالحرب ، التي يصب الزيت على نارها ويستميت في سبيل استمراريتها ( فلول ) نظام كان يرفع شعارات إسلامية زورا وبهتانا، لكن الحرب الحالية أكدت ىأنهم يسعىون للسيطرة مجددا على السلطة والمال .
( أبطال) الحرب في السودان يرفضون وقف آلة التدمير والقتل ، ولا تهزهم مشاهد قتل الأبرياء بالرصاص والطائرات والمدافع والمرض والجوع والخوف، و تشريد الملايين داخل السودان وخارجه، بعدما جرى اقتحام البيوت ونهبها في مشاهد لم تشهدها أسوأ الحروب في العالم.
الشعب السوري يستحق التهنئة لأن قيادة الشرع تضع هموم الناس وتطلعاتهم في صدارة اهتماماتها، وتنأى بنفسها عن الانتقام ، وليست مهموسة بأيولوجيا متطرفة، تستبيح الدماء، وتحرق الأخضر واليابس، كما جرى ويجري في السودان.
أعتقد بان تصريحات الشرع عن حرصه على العدالة هي من أهم مفاتيح الاستقرار في بلد ساده ليل طويل وظلم شديد، فالعدالة ضرورية، وهذا ما فشل في تحقيقه الذين جلسوا على كراسي الحكم في السودان بعد ثورة شعبية سلمية.
أسباب الفشل كثيرة ، منها أن قيادات عسكرية وبعض المدنيين مارسوا سياسات العرقلة حينا، والمراوغة في أوقات أخرى بشأن العدالة الانتقالية، فساد مناخ الافلات من العقاب، واختفى نهج العدالة والمساءلة، كما خضعت العلاقات الخارجية لأمزجة شخصية وليس لرؤية استراتيجية، تعكسها لغة خطاب سياسي معتدل، تشد أنظار قادة المنطقة الى السودان بعد الثورة الشعبية الباهرة، وتشجع قيادات مهمة في المنطقة لزيارة السودان، وفي مقدمة هؤلاء القيادات السعودية .
في ضوء نهج الشرع ، المُعلن حاليا ،أرى أن اختيار القيادة السورية الرياض محطة أولى ، هي خطوة ذكية تصب في مجرى الدعم لتطلعات الشعب السوري، وهي نتاج نضج سياسي، يُركز على مصالح البلد والناس، لا على الشعارات السياسية والمصالح الشخصية لبعض القيادات العسكرية والحزبية، كما كشفت تجربة الحكم في سودان ما بعد الثورة الشعبية.
أحدث دليل على فشل سياسة القابضين على كراسي الحكم في السودان حاليا بشأن العلاقة مع السعودية أنهم يواصلون اضاعة فرصة نادرة أتاحتها الرياض من خلال (منبر جدة) للتفاوض، كي تقف الحرب ، ويعم السلام، وتبدأ مرحلة إعمار، والمؤكد أن السعودية ودول الخليج هي التي تقود مسيرة الاعمار.
لكن الأزمة تكمن في أن هناك في السودان من يعتقد أنه قادر على حسم المعارك بالبندقية والمدافع والطائرات، ولا يوجد ما يدعو لوقف الحرب بالتفاوض، هؤلاء لا يضعون في حساباتهم وتقديراتهم أن الفرصة التاريخية النادرة إذا ضاعت لا تتكرر.
الأحداث في عالم اليوم تتوالد يوميا، ولا نهاية لها، اليوم الأنظار تتجه صوب سوريا ، و هناك تركيز مهم ومستحق وضروري لاغاثة الشعب الفلسطيني في غزة بعدما تم توقيع صفقة وقف إطلاق النار وتبادل أسرى بين اسرائيل و( حماس) في الدوحة في 15 يناير 2025 من خلال دور قطري حيوي ،وبتعاون وثيق مع مصر وأميركا، حيث لعب الرئيس الأميركي دونالد ترامب دورا حاسما في هذا الشأن.
هناك أيضا اهتمام سعودي وخليجي وعالمي في هذه الفترة بدعم لبنان بعدما جرى انتخاب الرئيس جوزيف عون في 9 يناير 2025 ، وغدا لا أحد يعلم أين تنفجر أزمة جديدة في المنطقة والعالم، أو أين تصب أولوية التركيز السعودي ، الخليجي والدولي.
في هذا السياق لوحظ أن زيارة الشرع إلى السعودية، ومحادثاته مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التي تناولت آفاق التعاون في مجالات سياسية واقتصادية واستثمارية وأمنية جرت في أجواء ترحيب سعودي ، وهذا مناخ يستحق تأملا سودانيا، لاستخلاص الدروس والعبر.
قال الرئيس السوري، في بيان، أصدره في الرياض “أجرينا اليوم ( 2 فبراير 2025) اجتماعاً مطولاً لمسنا وسمعنا من خلاله، رغبة حقيقية لدعم سوريا في بناء مستقبلها، وحرصا على دعمِ إرادة الشعبِ السوريَّ ووحدة وسلامة أراضيه
وتابع: “تناولنا خلال الاجتماع نقاشاتٍ ومحادثات موسَّعة في كلِّ المجالات، وعمِلْنا على رفعِ مستوى التواصلِ والتعاونِ في كافةِ الصُّعد، لا سيما الإنسانيةِ والاقتصادية، حيث ناقشْنا خططًا مستقبليةً موسَّعة، في مجالاتِ الطاقةِ والتقانة، والتعليمِ والصحة، لنصل معاً إلى شراكةٍ حقيقية، تهدفُ إلى حفظِ السلامِ والاستقرارِ في المنطقةِ كلِّها، وتحسينِ الواقعِ الاقتصادي للشعبِ السوري، هذا بجانب استمرارِ التعاونِ السياسيِّ والدبلوماسيِّ تعزيزاً لدورِ سوريا إزاء المواقفِ والقضايا العربيةِ والعالمية، خصوصاً بعدَ النقاشاتِ التي أُجريَت في العاصمةِ السعوديةِ الرياض، خلالَ الشهرِ الفائت”.
القيادة السورية الجديدة تسعى لتدشين مرحلة شراكة مع السعودية ، وهي شراكة تسعى لتحقيق مصالح مشتركة، و تُركز على طي مرحلة استنزاف عاشها الشعب السوري في فترة نظام بشار ، وقد أضرت سياساته بعلاقات سوريا، البلد المهم والكبير، مع دول المنطقة والعالم ، وضربت مصالحه الاقتصادية، وسلبت المواطن حريته و مقومات العيش الكريم.
الأوطان لا تبنى بالحروب، وسفك الدماء، وأشاعة أجواء الخوف والقمع والقتل على الهوية، وتعميق النزعات العنصرية، وهذا للأسف ما يجري حاليا في السودان.
بناء الأوطان يتم في أجواء الاستقرار السياسي والأمني، وفي مناخ يحترم حقوق المواطنة ، وفي ظلال علاقات طيبة واستراتيجية وتعاون وتفاهم مع دول العالم ، وخصوصا مراكز الثقل.
السعودية مركز ثقل سياسي واقتصادي كبير في المنطقة والعالم، وهي لدى المسلمين ومن يحترمون الرسالة السماوية هي “أرض الحرمين الشريفين” و قادرة على دعم تطلعات الشعب السوري في سبيل أن ينعم بحياة حرة، كريمة، ومستقرة، وهذا مرهون بكيفيات إدارة الرئيس الشرع وأركان حكمه للفترة الانتقالية، وكيف يطبق الرئيس مواقفه المعتدلة الحالية على أرض الواقع.
نتائج زيارة الرئيس الشرع ومحادثاته في السعودية رسالة جديدة، وساخنة ، مطلوب بالحاح أن يتأمل دلالاتها الجالسون على كراسي الحرب في السودان ، ورافعو شعار “لا للتفاوض، ونعم للحرب” .
هولاء يرفضون حتى الآن التجاوب العملي والجاد مع ” منبر جدة” أي يُهدرون فرصة مهمة يوفرها الدور السعودي، الهادف لمساعدة السودانيين على اتخاذ قرار حاسم، يوقف تدفق شلال الدم السوداني، ويفتح فرص التعافي، ومناخ الطمأنينة، والعيش الكريم لكل السودانيين.
بادروا بطلب العودة إلى ” منبر جدة” قبل أن تفرض أحداث العالم سلم أولويات جديدة، ووقتها لن تجدوا أذنا صاغية، والآن فان المقدمات واضحة، إذ لا نرى هذه الأيام قياديا أو وزيرا سعوديا أو قطريا أو خليجيا أو عربيا أو تركيا يتحدث في مؤتمرات صحافية عن أهمية وقف حرب السودان ومساعدة شعبه.
من يتجاهل مصالح شعبه، ينساه العالم، أو تفرض عليه دول كبرى في يوم ما ضغوطا وعقوبات ، إضافة إلى ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

mohamedelmaki.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: القیادة السوریة المنطقة والعالم الشعب السوری فی المنطقة فی السودان على کراسی ینایر 2025 من خلال

إقرأ أيضاً:

وزير الجيش الإسرائيلي يوجّه تحذيرا للرئيس السوري "الجولاني"

وجّه وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم الخميس، 03 إبريل 2025، تحذيرا شديد اللهجة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع الملقب بـ "الجولاني".

وقال كاتس: "أحذّر حاكم سوريا الجولاني: إذا سمحت بدخول قوات معادية لإسرائيل إلى الأراضي السورية بما يهدد المصالح الأمنية الإسرائيلية، فسوف تدفع ثمنًا باهظًا للغاية".

وأضاف، " غارات سلاح الجو الإسرائيلي تمثّل تحذيرًا واضحًا لما هو قادم، لن نسمح بالمساس بأمن دولة إسرائيل، إسرائيل لن تسمح بتحويل سوريا إلى مكان يهدد سكانها أو مصالحها الأمنية".

وأشار كاتس إلى أن قوات الجيش ستواصل التمركز والعمل في قمة جبل الشيخ والمناطق الأمنية والعازلة، لحماية مستوطنات الجولان والجليل من أي تهديد.

اقرأ أيضا/ كاتس: حرق منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية ليس إرهابا

وكانت هيئة البث الإسرائيلية، قد أفادت بأنّ تل أبيب لاحظت اتجاه "مثير للقلق" يقوده الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، الذي يعمل على "تقويض أمن إسرائيل"، من خلال الإفراج عن عناصر حركتي " حماس " و"الجهاد الإسلامي" الفلسطينيتين.

وأشارت المصادر إلى أنّ هؤلاء العناصر اعتقلوا خلال فترة النظام السوري السابق، ومنهم من انخرط في العمل ضد إسرائيل.

وذكر مصدر أمني ل "هيئة البث الإسرائيلية"، "نحن نفهم أن الشرع عدو يحاول بيع صورة جديدة للغرب، بينما يعمل في الوقت نفسه على تقويض أمن إسرائيل" حسب تعبيره.

المصدر : وكالة سوا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من الأخبار الإسرائيلية كاتس: حرق منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية ليس إرهابا إسرائيل تعرض على واشنطن مشروع أنبوب نفط من السعودية إلى أوروبا الجيش الإسرائيلي يٌصدر أوامر إخلاء جديدة لعدة مناطق شرق غزة الأكثر قراءة فصائل فلسطينية تنعى المتحدث الرسمي لحركة حماس أحدث حصيلة لعدد شهداء غزة الهلال الأحمر: مصير 9 مسعفين مجهول لليوم الخامس في رفح الأورومتوسطي: إسرائيل تقتل 103 فلسطينيين بغزة كل 24 ساعة عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2025

مقالات مشابهة

  • ‏عائلته قالت إنه تحت رعاية الرئيس الشرع.. نفي لبراءة مفتي النظام السوري السابق أحمد حسون
  • وزير الاقتصاد السوري: نحن أمام فرصة تاريخية لاختراع سوريا جديدة
  • الدبيبة: تضحيات الشعب لن تُنسى وليبيا تستحق السلام
  • إعلام عبري: ترمب يلتقي احمد الشرع في السعودية
  • الإعلان الدستوري السوري.. قراءة تحليلية لفلسفة السلطة في سوريا الجديدة (2)
  • لقاء مرتقب بين ترامب والشرع في الرياض بوساطة سعودية
  • حزب الله يدين العدوان الأمريكي الإسرائيلي على سوريا واليمن ‏وغزة ولبنان
  • حزب الله يدين القصف الأميركي - الإسرائيلي على سوريا واليمن ‏وغزة ولبنان
  • خمسون عامًا من الانقلابات والتدخلات.. قراءة في تاريخ سوريا السياسي
  • وزير الجيش الإسرائيلي يوجّه تحذيرا للرئيس السوري "الجولاني"