بلا انحناء
فاطمة غزالي
لدي حلم
العنصرية القائمة على أساس العرق لا زالت قيد الحياة لأنها تتغذى على أوهام النقاء العرقي والتفوق لبعض أصحاب البشرة البيضاء الذين ظنوا وهماً أن لون البشرة ودرجة نعومة الشعر مصدرا السمو العرقي، وبالتالي يحق لهم أن ينصبوا أنفسهم سادة على الآخرين وأنهم المفضلين على غيرهم في هذا العالم.
بالرغم من أن عالم الاجتماع الأمريكي ويليام إدوارد بورغاردت تناول مفهوم العرق وأشار إلى أنه ما يعرفه عن العرق البيولوجي ما هو إلا مجموعة من الاختلافات الاجتماعية والثقافية بين المجموعات السكانية المختلفة ولكنها ليست ذات صلة بعلم الأحياء وكذلك العلم يقول إن العرق بناء اجتماعي لا معنى له من الناحية البيوليوجية. المؤسف أن العنصرية العرقية تُسقى شجرتها من بعض أصحاب الهوس الديني الساسة الذين يسعون إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية وهؤلاء تجدهم وسط مجتمعات عديدة شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً لا يريدون الاستماع إلى صوت العلم بل هم أسرى لهوى العنصرية النابع من الادعاءات الزائفة للنقاء العرقي الذي اتخذوه مرجعية لأوهامهم الرغائبية التي ساهمت في استغلال بعض الشعوب العرق لاذلال الآخرين بسيف العنصرية الذي كلما أدخل في غِمده خرج حاداً.
الشاهد أن العنصرية العرقية والقبيلة غذت منابع الصراعات التي أدت إلى ارتكاب أفظع الجرائم (جرائم ضد الإنسانية ، الإبادة الجماعية والتطهير العرقي و الاستعباد والاضطهاد) في مناطق عديدة من العالم، وشعوب القارة السمراء لها نصيب الأسد من المعاناة بسبب هذه العنصرية العرقية التي خرجت من الفكرة الخاطئة بأن البشرية تتكون من اجناس مختلفة وطبقات متعددة ذات كفاءات عقلية وقدرات بدنية وأخلاقية مختلفة بيد أن الحقيقة هي أن الجنس البشري واحد وتعيش أعراقه في كوكب واحد، وأن التعامل مع الآخر من منطلق مبدأ وحدة العالم الإنساني هي الفطرة السليمة للإنسان وتعزيز الإيمان بوحدة العالم الإنساني سيقضي على فكرة العنصرية في العقول التي تنسج أوهام التفوق على أساس اللون.
لا شك المجتمع السوداني اضرته العنصرية المستترة من قبل بعض النخب السياسية من واقعدت البلاد عن النمو والتطور والتقدم. منذ الاستقلال السودان يعيش في حالة تراجع مستمر بسبب الأموال التي أُنفقت ولا زالت تُنفق في الحروب التي أشعلتها العنصرية الصامتة لا تنطقها الأفواه السياسيين كثيراً بيد سياستهم تُدقن تتطبقها وخير دليل حالة الحرمان والفقر التنموي الذي يعيشه السودانيين خاصة الذين يمثلون المكون الزنجي والنوبي في أطراف السودان وهذا لا يعني أن مناطق الوسطي النيلي لا تعاني من التهميش التنموي إلا أن هناك تنفاوت نسبي كبير بشأن المقدرة على الوصول إلى الخدمات وهناك أرقام توضح التباين التنوي بين المناطق. جميع السودانيين حياتهم مهمة وكل إنسان من حقه العيش بأمن من الخوف والجوع لضمان حقه في الحياة بكرامة.نعم العنصرية التي استخدمتها بعض النخب السياسية لخدمة أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية أطلقت شرارة النزاعات المسلحة والحروب الأهلية التي اشتعلت منذ أحداث توريت في العام 1955م وهذه الأحداث كانت ردة فعل لممارسات لها أبعاد عنصرية وتمظهرت في تهميش رؤىة القيادات الجنوبية وأعقبتها حالة اللا استقرار منذ الاستقلال في مناطق الهامش والمتمسك بأفرقانيته ولغاته الأم في وطن عبثت النخب السياسية بهويته بفرض الهوية العربية الإسلامية دون مراعاة للأغلبية الزنجية والنوبية في السودان فخلقت مجتمع تتنازع في دواخله الهويتين الأفريقية والعربية وترتبت على تحديد الهوية التي اختارتها تلك النخب ممارسات غير عادلة فتوارى الانصاف، وظهر التباين التنموي والتهميش السياسي المتعمد في أطراف السودان. تجاهل مخاطبة قضايا التهميش وغياب الإرادة لايجاد معالجة شاملة وعميقة لقضايا مواطنيه في مناطق(الجنوب \ دارفور\جبال النوبة \ النيل الأزرق\ الشرق \ الشمال النوبي) عزز الشعور لدى سكان تلك المناطق بأنهم مواطنين درجة ثانية مما أدى إلى نشأة الحركات المطلبية المسلحة في العديد من أطراف السودان وبدلاً عن أن تبحث الدولة السودانية عن الحلول الجذرية لهذه المطالب استخدمت عنف الدولة ليس تجاه حملة السلاح فحسب بل ضد المدنيين الأبرياء الذين دفعوا ولازال يدفعون الفاتورة الأكبر للحروب. مما لا شك فيه أن الحروب كشفت عنصرية الدولة تجاه مواطنيها وبنسب متفاوتة وفقاً للون والجهة، وبالرغم من الأدبيات والمقالات والكتب التي تناولت أزمة الهوية وأبعادها ظلت العنصرية في السودان حاضرة في المشهد السياسي السوداني وتطفو على السطح حينما يبدأ طوفان الحرب بين المركز والهامش الذي ارتفع صوته منادياً بمبدأ المواطنة أساس للحقوق والواجبات، إلا أن الممارسة العملية للحكومات المختلفة في التعامل مع هذه المناطق لم يثبت حسن النوايا في العدالة والمساواة وعلى مر الأزمان والشاهد على ذلك دفاتر المفاوضات والاتفاقيات والتسويات السياسية الصفرية في معالجة أزمات مناطق الهامش فصار السودان بيئة خصبة للحروبات مع استمرار المظالم.انفصال جنوب السودان لم يكن عبرة أو رادعاً للسياسات القديمة من أجل الحفاظ على ما تبقى من السودان. وظل سكان مناطق الهامش منذ الاستقلال يحلمون بوطن يحمل شهادة البراءة من العنصرية والتمييز المناطقي لكي يعيشوا حياة خالية من الخوف من أن اللون الأسود واللسان غير العربي مصدرا الشقاء في مجتمع الأقلية فيه هم من يحملون البشرة الحنطية أو السمرة الفاتحة بالسوداني (شاي بلن أو قهوة بلبن). أهل الهامش يحلمون كما كان يحلم مارتن لوثر كنج مؤسس حركة الحقوق المدنية في أميركا بأن يعيش في مجتمع لا تكون فيه المعاملة على أساس اللون. مارتن لوثر كنج سلك طريق التغيير السلمي لانتزاع حقوق الأمريكيين من أصل أفريقي، وقال مقولته الملهمة “لدي حلم بأن يوم من الأيام أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم ولكن بما تنطوي عليه شخصياتهم” هذا الحلم الذي عبر عنه مارتن لوثر كنج يحلم به السودانيين من الذين يفخرون بأفرقانيتهم وزنجيتهم وظلوا يدفعون ثمن أزمة النزاع حول الهوية التي خلقت تشوهات نفسية على أساسها اصبح التعامل مع إنسان مناطق الهامش ذو الهوية الزنجية والنوبية بنوع من الاسترخاص لقيمته الإنسانية والشاهد على ذلك الإبادة الجماعية في الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق بناء السدود ودفن النفيات في الشمال التي دفع أهلنا النوبيين ثمنها، تجاهل أهلنا في شرق السودان حيث المعلناة من الفقر والمرض والتعليم .
ظل الإنسان الأسود أو الزرقة يواجهون عنف الدولة في ظل كل الحكومات والعنف المستمر اليوم القائم على أساس العرق بالنسبة لسكان الكنابي وبعض القرى في ولاية الجزيرة وما يحدث في الخرطوم من قتل على أساس عنصري ليس بالأمر الجديدة سبق هذا العنف أحداث عنف عنصرية منها حرق قطار الضعين وحرق عنبر جودة والعنف ضد المواطنين من غرب السودان في أحداث 1976م والعنف العنصري حدث حينما دخلت حركة العدل والمساواة مدينة أمدرمان في العام 2008م كل العنف الذي تعرض له مواطني الهامش في هذه الأحداث تم بأمر أو رضا وصمت الحكومات السودانية.
من أخطر مظاهر العنصرية التي عاشها ولا زال يعيشها المجتمع السوداني تجسدت في فترات الحروب (جنوب السودان\ دارفور\ جبال النوبة\ النيل الأزرق) وفي حرب 15 أبريل 2023م أخرجت العنصرية العرقية أثقالها واستدعت بعض من أخواتها العنصرية الأيديولوجية والسياسية والجهوية والعنصرية على أساس العمر ورمت المدنيين في حفرة من النار. الحركة الإسلامية تتحمل الوزر الكبير لأنها أشعلت الفتنة استجابة لشهوة السلطة التي تسيطرعلى قياداتها فاختارت العودة إلى كرسي الحكم على جماجم الأبرياء فانزلقت البلاد في وحل الفتنة والحملات الانتقامية التي مارستهاأطراف الحرب ومليشيات الحركة الإسلامية السودانية التي وجدت في الحرب ضالتها فعادت إلى ممارسة هوايتها القتل والذبح والتعذيب. العنف في حرب 15 أبريل كشف النقاب عن أن العنصرية تشكل قاسماً مشتركاً في دالة الصراعات والشاهد على ذلك يواجه المدنيين الأبرياء الاتهامات بالإنتماء إلى أحد طرفي الحرب بلا حجة ولا بينة سوى الإنتماء العرقي أو الجهوي وأحياناً السياسي .هذا العنف الذي يمارس بلا حياء ضرب بقوة المجتمع السوداني الذي يتميز بالتنوع الإثني والديني والثقافي وتالمؤسف تحول التنوع من نعمة إلى نقمة باستهداف الأبرياء أساس اللون والجهة أو الانتماء السياسي وهذه كارثة كبيرة وتهديد وجودي لمجموعات اجتماعية وسياسية. والعنف الذي تعرضت له المعلم الطيب عبدالله مدير التعليم بمحلية أم روابة الذي ذبح والمتهم الجيش السوداني ، والعنف الجسدي واللفظي والعنصري الذي تعرضت له المواطنة (مريومة) الذي قال شقيقها تم قتلها ، وقصف المدنيين بالبراميل الحارقة في كردفان ودارفور و وأمدرمان وسوق صابرين والعزبة وغيرها العنف الموجه ضد المدنيين وقتل انتقائي على أساس الهوية العرقية والسياسية بعد دخول الجيش إلى مدينة ود مدني وبعض أجزاء ولاية الخرطوم يشير إلى أن حالة الفوضى التي تمارسها مليشيات الحركة الإسلامية السودانية سلوك ممنهج ومدروس ومقصود لتعميق الشروخ الاجتماعية في ظل الحرب العبثية.
العنصرية نتنة أينما حلت تتنافرمع القيم الإنسانية والدينية والأخلاق الحسنة. لذا على كل المستنرين العمل من أجل إنهاء العنصرية على أساس الإثنية والعرق والدين وكافة أشكالها حتى يتناسب سلوك الإنسان مع التطور في المفاهيم الإنسانية وتعاليم الأديان والشرعة والأعراف الإنسانية والنظم الدولية والقوانيين التي صاغتها المؤسسات الأممية والدولية من أجل حماية كرامة الإنسان. التطور الحضاري قاد الإنسان إلى المدى البعيد في التحضر ونجح في تحقيق ثورته العلمية والصناعية بالتطور التكنولوجي، ووصلت بعض المجتمعات إلى الوعي بأهمية قيمة الإنسان وارتفعت درجة الشعور بضرورة الحفاظ على كرامته وحمايته من قهر العنصرية إلا أن بعض المجتمعات لا زالت تعاني من الجهل وتعيش بجسدها في عصر التطور الحضاري إلا أن عقولها مع بربرية العصور الظلامية لذا نشهد العديد من النزاعات العنصرية التي تجتاح بعض من المجتمعات حتى في دول العالم الأول المتحضر، والعديد من النزاعات والحروب المشتعلة في العالم ولم ينج بعضها من أبعاد العنصرية العرقية التي تمارسها المكونات العرقية ضد بعضها البعض خاصة في دول القارة السمراء التي تختلف درجات السواد في قبائلها بنسب قليلة نتيجة لهجرات الشعوب أوسلوك المستعمر الذي ساهم في التغيير الديموغرافي لبعض المكونات المحلية.
العنف والعنصرية ضد قبائل دارفور وجبال النوبة والجنوبيين بعد دخول الجيش إلى مدينة ود مدني وأجزاء من ولاية الخرطوم وتوجيه تهمة التعاون مع الدعم السريع على أساس الهوية الإثنية والجهوية أمر يتطلب مواقف قوية من قبل المدافعين عن حقوق الإنسان، ومن قبل كل السودانيين الذين يتمتعون بصحة نفسية جيدة لأن الذين يمارسون العنصرية بالقتل والضرب والذين يهتفون ويصفقون ويزغردن لها هم مرضى نفسانيين بإمتياز ولا العلم ولا الدين استطاع أن يشفي أمراضهم النفسية. بسبب هذه العنصرية يتجه السودان إلى مرحلة الانحطاط وحمايته من هذا الانحطاط يتطلب الضغط على أطراف الحرب من أجل الوصول إلى اتفاق سلام عاجل يوقف تدحرج السودان إلى هاوية الحرب الأهلية على أساس اللون أو القبيلة وينبغي على الشرفاء تبنى مشروع قومي من أجل المساواة العرقية التي تركز على محاربة الظلم والعنصرية وليس كراهية بعضنا . “السوداني حياته” مهمة بغض النظر عن القبيلة واللون والدين والجهة.. حينما نتقبل بعضنا ونحترم إنسانية بعضنا تتنزل علينا القوة الداخلية الايجابية التي تحمي مجتمعاتنا من مطرقة القبيلة وسندان الحركة الإسلامية السودانية التي اقسمت على نفسها أما كرسي السلطة أو الطوفان ..جاءوا بالطوفان وسيأخذنا سيل العنصرية جميعاً عندئذ كلمة السيد المسيح ” حب أعداءك واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله لأولئك الذين يسيئون معاملتك لن تكون حاضرة في أذهان الذين استضعفوا في الأرض إذا تحول الصراع المسلح إلى الحرب وجودية كما خططت لها الحركة الإسلامية وفي هذه الحالة سيضطر الجميع إلى خلق أدوات للحماية للحفاظ على جوده في ظل انتشار السلاح المتاح للجميع و ستتفجر أنهار من الدماء. الأفضل للجميع تطهير النفوس من العنصرية ومواجهة العنصريين الذين يتلاعبون بمصير الوطن بتعبئة الشعور الاجتماعي بالعنصرية.
في الأخير لدي حلم بأن يعيش أهل السودان جمعياً في مجتمع سوداني لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم ولكن بما تنطوي عليه شخصياتهم.
الوسومالعرق العنصرية جرائم ضد الإنسانية فاطمة غزالي
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: العرق العنصرية جرائم ضد الإنسانية
إقرأ أيضاً:
٦ أبريل مازالت جذوة الثورة متقدة
بقلم: تاج السر عثمان
1
تمر الذكرى الأربعون لانتفاضة ٦ أبريل ١٩٨٥ والذكرى السادسة لملحمة اعتصام القيادة العامة ٦ أبريل ٢٠١٩ اللتين اطاحتا بالمخلوعين النميري والبشير ، تهل علينا والبلاد تمر بظروف الحرب اللعينة الجارية حاليا التي دمرت البلاد والعباد، وتهدد بتقسيم البلاد، ويستمر تدمير البنية التحتية كما في القصف الاخير لمحطة مروي الحرارية الذي عطل الكهرباء في معظم ولايات السودان، مما اكد انها حرب ضد المواطن ، وتصاعد الاستعداد للحرب بعد تهديد الدعم باجتياح الشمالية، والجيش باجتياح دارفور، مع ارتفاع حالات القتل خارج إطار القانون مع قطع الرؤوس وبقر للبطون التي تمارسها عصابات الإسلامويين ، والتعذيب الوحشي للمعارضين في سجون طرفي الحرب، وتزايد الخطاب العنصري والاثني، كما في استهداف سكان مايو جنوب الحزام في الخرطوم، مما يؤدي للمزيد من تمزيق وحدة البلاد، تلك الحرب التي اندلعت بعد انقلاب 25 أكتوبر، الذي أعاد التمكين للإسلامويين، يحلمون حاليا بحكم البلاد، اضافة لمواصلة المخطط لتصفية الثورة، ونهب ثروات البلاد كما استمرار تصدير الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية عن طريق التهريب رغم استمرار الحرب، والتفريط في السيادة الوطنية لمصلحة. المحاور الاقليمية والدولية التي تسلح طرفي الحرب والهادفة لنهب ثروات البلاد والوجود على ساحل البحر الأحمر. .
2
كان من أهم دروس انتفاضة ٦ أبريل ١٩٨٥: ضرورة حماية ومواصلة الانتفاضة حتى تحقيق أهدافها، وتصفية آثار النظام القديم والغاء كل القوانين المقيدة للحريات، واسترداد أموال الشعب المنهوبة ومحاسبة المفسدين الذين اجرموا في حق الشعب السوداني، وتحقيق الديمقراطية والحل الشامل والعادل لمشاكل البلاد.
كما جاءت ثورة ديسمبر 2018 تتويجا لنضال طويل خاضه الشعب السوداني ، ضد ديكتاتورية الإسلامويين الدموية التي قمعت المعارضة السياسية والنقابية بالتعذيب الوحشي والاعتقالات ، وتشريد أكثر من 350 الف من أعمالهم ،ونهبت ثروات البلاد لمصلحة الطفيلية الإسلاموية، و طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، حتى بلغت ديون السودان الخارجية 60 مليار دولار، وكانت مصادر النهب وتركيز الثروة من أصول القطاع العام ، ونهب مدخرات المواطنين بعد اصدارقانون النظام المصرفي لعام 1991م، والذي مكن لتجار الجبهة ومؤسساتها من الهيمنة على قمم الاقتصاد الوطني وامتصاص الفائض، وإجراءات تبديل العملة وانتهاك قانون وأعراف سرية النظام المصرفي وكشف القدرات المالية لكبار رجال الاعمال امام تجار الجبهة الاسلامية ، اضافة لتسهيلات والرخص التجارية من وزارة التجارة والبنوك التجارية والإعفاء من الضرائب، والاستيلاء علي شركات التوزيع الأساسية وتمليكها لتجار وشركات الجبهة الاسلامية، والمضاربة في العقارات والاراضي والاستثمار في مشاريع الزراعة الآلية والثروة الحيوانية واستيلاء شركات ومؤسسات الجبهة الاسلامية علي مؤسسات تسويق الماشية، وعائدات الذهب والبترول التي تقدر بأكثر من 100 مليار دولار ، والتعليم والصحة ( استثمارات د. مامون حميدة) الذين اصبحا سلعة ومصدرا من مصادر التراكم الرأسمالي. بالتالي من المهم بعد الثورة استعادة تلك الأموال المنهوبة وتفكيك التمكين. هذا إضافة للخضوع لإملاءات صندوق النقد الدولي بالسير في سياسة التحرير الاقتصادي وتخفيض العملة ، مما أدي لازمة اقتصادية عميقة وتدهور في الأوضاع المعيشية.
اضافة لتمزيق وحدة البلاد بانفصال الجنوب نتيجة للاستعلاء العنصري والديني، والتطهير العرقي بتحويل حرب الجنوب الي دينية ، وتكوين قوات الجنجويد التي تحولت للدعم السريع ، وممارسة ابشع عمليات التطهير العرقي في جبال النوبا ، وجنوب النيل الازرق، وفي دارفور التي بلغ ضحاياها 500 الف مواطن ، وتشريد 3 مليون من قراهم ، حتى أصبح البشير مطلوبا ومتهما بارتكاب تطهير عرقي في دارفور، وحرق القري وجريمة الاغتصاب بعد قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.
كما فقد السودان سيادته الوطنية بالدوران في فلك الأحلاف العسكرية الخارجية، والمشاركة في حلف اليمن، وارسال الشباب لمحرقة الحرب في اليمن، واسلوب المراوغة ونقض العهود والمواثيق، بتوقيع الاتفاقات ، وعدم تنفيذها (نيفاشا، القاهرة، ابوجا، الشرق، ..الخ) التي تحولت الي محاصصات وفاقمت الأزمة والحروب.
٣
كانت ملحمة الاعتصام في ٦ أبريل تتويجا لنضال الجماهير ضد تسلط الإسلامويين ،وارتفعت شعارات " حرية – سلام وعدالة – الثورة خيار الشعب " ، كما أكدت علي وحدة السودانيين، ورفض الخطاب العنصري كما في شعار " يا العنصري المغرور كل البلد دارفور "، " من كاودا لأم درمان ، كل البلد سودان" ، وارتفعت رايات الوطنية السودانية ، ورفض سياسة "فرق تسد " التي حاول بها النظام الإسلاموي العنصري الدموي ل 30 عاما تدمير النسيج القبلي والحزبي والاجتماعي في السودان، وأكدت على وحدة وتنوع السودان غض النظر عن الدين أو العرق أو اللغة أو الثقافة ، وضرورة التعبير عن ذلك في دولة مدنية ديمقراطية تسع الجميع.
كانت ملحمة الاعتصام أمام القيادة العامة تعبيرا عن وحدة وتلاحم وتضامن السودانيين غض النظر عن الدين أو العرق أو اللون، أو اللغة أو الثقافة أو المعتقد السياسي والفكري، وصورة مصغرة لوحدة السودان من خلال تنوعه ، ولكن قوي الشر في اللجنة الأمنية للنظام البائد فضته في أكبر مجزرة ضد الانسانية لن تسقط بالتقادم ، ولابد من المحاسبة والقصاص للشهداء ومتابعة المفقودين، وكانت مجزرة فض الاعتصام انقلابا دمويا علي الثورة، و تعبيرا عن استمرار مجازر الإبادة الجماعية وضد الإنسانية في دارفور والمنطقتين ، وما جرى فيها من حرق وقتل ونهب الممتلكات، وتعذيب وحشي للشباب ، واغتصاب للشابات ، ورمي الشباب وهم أحياء مثقلين بحجارة اسمنتية في نهر النيل ، راح ضحيتها حسب تقرير صادر من البنتاغون 1800 قتيل ، و470 أُعدموا، وتم تنفيذ ذلك بقوة تقدر ب 15 الف، ولابد من المحاسبة وان طال السفر.
٤
وأخيرا في ذكرى 6 أبريل فلينتظم أوسع نهوض جماهيري من أجل وقف الحرب واستعادة مسار الثورة، وخروج العسكر والدعم السريع من السياسة والاقتصاد، وحل كل المليشيات وقيام الجيش القومي المهني الموحد الذي يعمل تحت إشراف الحكومة المدنية، وعدم الإفلات من العقاب بمحاسبة كل الذين ارتكبوا جرائم الحرب وضد الانسانية، والتحضير الجيد للمؤتمر الدستوري الذي يقرر شكل الحكم ويتم فيه التوافق على دستور ديمقراطي وقانون انتخابات يفضي لانتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية، وترسيخ الحكم المدني الديمقراطي.
alsirbabo@yahoo.co.uk