السفر تجربة متجددة، تفتح أمام الإنسان أبوابًا لعوالم جديدة، وهو أكثر من مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو رحلة لاكتشاف الذات والآخر، والتعرف على ثقافات مختلفة تساهم في توسيع الأفق وصقل الشخصية. فكل وجهة تحمل في طياتها مغامرة خاصة، وكل رحلة تترك أثرًا لا يُمحى في الذاكرة، ما يجعل السفر أحد أروع الوسائل لاكتساب تجارب حياتية غنية.
عند السفر، يجد الإنسان نفسه أمام فرصة نادرة للتعرف على عادات وتقاليد الشعوب الأخرى، ما يعزز لديه القدرة على فهم الاختلافات الثقافية وتقديرها. فهو يكسر الحواجز بين المجتمعات، ويمحو الصور النمطية التي قد تتشكل لدى البعض حول بلدان معينة. فزيارة أماكن جديدة والتفاعل مع السكان المحليين يمنحان نظرة أكثر عمقًا وواقعية عن العالم، ما يساعد على تنمية حس الانفتاح والتسامح.
كما يسهم السفر في تعزيز النمو الشخصي، حيث يعلم الإنسان الاعتماد على نفسه واتخاذ القرارات بسرعة، خاصة في المواقف التي تتطلب المرونة والتأقلم مع بيئات غير مألوفة. عندما يجد المسافر نفسه في بلد جديد بلغة غير مألوفة، يتعين عليه إيجاد حلول سريعة للتواصل والتكيف، وهو ما يعزز ثقته بنفسه ويجعله أكثر قدرة على التعامل مع التحديات.
إضافةً إلى ذلك، يُعد السفر وسيلة مثالية للهروب من الضغوط اليومية، إذ يمنح المسافر فرصة للاسترخاء، وتجديد طاقته النفسية والجسدية. فهناك شيء ساحر في الاستيقاظ صباحًا على إطلالة بحرية هادئة، أو المشي في شوارع مدينة تاريخية مليئة بالحكايات، أو حتى الاستمتاع بلحظات التأمل وسط طبيعة خلابة. كل هذه التفاصيل تساهم في تحسين الحالة المزاجية وتخفيف التوتر، ما يجعل السفر علاجًا فعالًا للروح والعقل على حد سواء.
ومن الناحية المعرفية، يعد السفر أحد أهم مصادر التعلم، حيث يضيف كل بلد يزوره الشخص إلى مخزونه الثقافي والعلمي. زيارة المتاحف، والوقوف أمام المعالم الأثرية، والتعرف على قصص الشعوب عبر فنونها ومأكولاتها، كلها تساهم في تكوين رؤية أشمل للعالم. فلا شيء يعادل رؤية برج إيفل عن قرب، أو السير في شوارع روما القديمة، أو استكشاف الأسواق التقليدية في طوكيو. هذه التجارب الحية تترسخ في الذهن بطريقة تفوق ما يمكن أن يقدمه أي كتاب أو وثائقي.
ولا يمكن إغفال دور السفر في بناء العلاقات الإنسانية، حيث يتيح لقاء أشخاص من مختلف الجنسيات والخلفيات. فالصداقات التي تتشكل أثناء السفر تمتاز بخصوصية فريدة؛ إذ إنها تنشأ في بيئات غير مألوفة، وتبنى على مشاركة تجارب استثنائية. وقد تؤدي هذه العلاقات إلى توسيع شبكة المعارف، مما يفتح أبوابًا لفرص جديدة سواء على الصعيد الشخصي أو المهني.
لكن السفر ليس مجرد حركة وتنقل، بل هو فن الاستمتاع بالحاضر وصنع الذكريات التي تبقى مدى الحياة. فمن يزور جزيرة استوائية، لا يقتصر استمتاعه على جمال الطبيعة، بل يعيش تجربة الغوص بين الشعاب المرجانية، أو تذوق المأكولات البحرية الطازجة، أو حتى مشاهدة غروب الشمس من فوق قمة جبلية. بينما في المدن الكبرى، قد تكون المتعة في التجول بين أزقتها القديمة، أو الاستمتاع بعروض الشوارع، أو حضور مهرجاناتها الثقافية التي تعكس روح المكان.
إنه في جوهره رحلة إلى أعماق الذات بقدر ما هو رحلة إلى أماكن جديدة، فهو يعزز المشاعر الإيجابية، ويمنح الإنسان نظرة أوسع للحياة، ويذكره بأن العالم أكبر بكثير مما يراه يوميًا. فالسفر يكسر الروتين، ويمنح شعورًا دائمًا بالتجدد والانطلاق. لذلك، ليس المهم إلى أين تسافر، بل كيف ترى العالم من خلال رحلتك، وكيف تترك في كل مكان أثرًا جميلاً، وتأخذ منه ذكرى لا تُنسى.
وقفة..” ليس المهم إلى أين تسافر، بل كيف ترى العالم من خلال سفرك”.
المصدر: صحيفة البلاد
إقرأ أيضاً:
الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
اليوم أعلن ترمب الحرب الأقتصادية علي جميع دول العالم وفرض جمارك باهظة علي صادراتها للولايات المتحدة، وهي أكبر سوق في العالم. هذه الجمارك تهز الأقتصاد العالمي، وتربك سلاسل الإمداد وتضرب أسواق أمال العالمية. واهم من ذلك إنها تهدد بتدمير معمار النظام الإقتصادي العالمي الذى ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وكل هذا ستترتب عليه تحولات جيوسياسية جديدة وتسريع لديناميات أخري ولدت قبل إعلان ترمب الحرب الأقتصادية علي الجميع.
ولكن سياسات ترمب أيضا سيكون لها أثار سلبية باهظة علي الإقتصاد الأمريكي مثل إرتفاع معدلات التضخم، وازدياد العزلة الدولية لأمريكا وتراجع أهمية الدولار حول العالم.
فيما يختص بالسودان، قرارات ترمب لا تاثير لها لانه فرض جمارك علي صادرات السودان جمارك بنسبة ١٠% ولن تؤثر هذه النسبة لا في حجم الصادرات ولا علي أسعارها لان تلك الصادرات أصلا قليلة القيمة في حدود ١٣،٤ مليون دولار في العام السابق، أكثر من ٩٠% منها صمغ لا بديل له والباقي حرابيش حبوب زيتية . كما أن السلع المصدرة لا توجد بدائل لها بسعر أرخص إذ أنها أصلا رخيصة ولا تتمتع بمرونة في السعر ولا الطلب.
كما أن إهتزاز أسواق المال والبورصات وقنوات التمويل الدولي لا تاثير لهم علي السودان لانه أصلا خارج هذه الأسواق وخارج سوق المعونات.
ولكن هذه ليست نهاية القصة لان توجهات ترمب الأقتصادية والسياسية تدفن النظام العالمي القديم وتسرع من وتائر تحولات جديدة في غاية الأهمية. وبلا شك فان موت النظام القديم وميلاد نظام جديد وفوضى الإنتقال سيكون لها تاثير سياسي وإقتصادي علي السودان بسبب تبدل البيئة الدولية التي يعمل فيها السودان السياسي والاقتصادي. ولكن هذه التحولات المضرة لن يتأذى منها السودان مباشرة بل ربما يستفيد منها لو أحسن قادته.
علي سبيل المثال النظام الجديد سيكون متعدد الأقطاب وستنتهي فيه الهيمنة الغربية الأحادية وستزداد مجموعة البريكس أهمية وستزداد أهمية تكتلات أقتصادية أخري أخري في الجنوب العالمي مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وفي أمريكا اللاتينية السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور)، وفي المستقبل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية . وجود كل هذه البدائل كشركاء أقتصاديين/تجاريين/سياسيين محتملين يتيح للسودان هامش للمناورة وإمكانية الحصول علي شروط أفضل في تعاطيه الأقتصادي والسياسي مع العالم الخارجي.
ولكن الإستفادة من هذه التحولات يحتاج لرجال ونساء يجيدون صنعة الدولة ولا يقعون في فخاخ ألحس كوعك علي سنة البشير ولا الانبطاح غير المشروط كما حدث في الفترة الإنتقالية التي أعقبت سقوط نظام البشير.
معتصم اقرع
إنضم لقناة النيلين على واتساب