الأزهر للفتوى: نستخدم الذكاء الاصطناعي في الرصد والتحليل مع الحفاظ على ضوابط الشريعة
تاريخ النشر: 2nd, February 2025 GMT
نظم جناح الأزهر الشريف بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 56، اليوم الأحد، ندوة بعنوان "توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في القضايا الدينية"، شارك فيها الدكتور أسامة الحديدي، المدير التنفيذي لمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، وخالد البرماوي، الكاتب الصحفي المتخصص في الإعلام الرقمي، وأدار الندوة علي حامد عضو المركز الإعلامي بالأزهر.
قال الدكتور أسامة الحديدي، المدير التنفيذي لمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، إن استخدام الذكاء الاصطناعي في رصد وتوفير البيانات والنصوص يعد خطوة إيجابية تساعد في مواكبة تطورات العصر، حيث يوفر الجهد والوقت والمال، محذرًا من خطورة الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي في إصدار الفتاوى الشرعية، واستنباط النصوص الدينية والأحكام المترتبة عليها، لأن الفتوى تحتاج إلى تحديد دقيق للظروف المحيطة بالمستفتي، وقد يتم تغذية الذكاء الاصطناعي بمدخلات غير دقيقة أو خاطئة ما يترتب عليه مخرجات غير مضمونة، مما قد يؤدي إلى أحكام مخالفة للإجماع أو تضر الفكر والعقيدة، مؤكدًا أن المفتي يجب أن يأخذ في اعتباره حالة المستفتي وطبيعة الفتوى، وهو ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليله بشكل دقيق.
وأضاف الحديدي، أن الأزهر باعتباره مرجعية علمية للعالم الإسلامي، يواكب تطورات العصر باستخدام الذكاء الاصطناعي في رصد وتحليل الفتاوى مع الحفاظ على ضوابط الشريعة، وقد دشن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية وحدة للذكاء الاصطناعي في ٢٠١٩، ويستعين بعدد من المتخصصين والخبراء في هذا الجانب، لتوثيق الفتاوى وحفظها واستخدامها كبنك للفتاوى، مبينًا أن مركز الفتوى العالمي يقوم برصد ومعالجة وتحليل الفتاوي حول العالم، وإصدار خلاصات ومعالجات يتم النظر فيها من قسم البحوث والترجمة.
كما أكد الحديدي أن الأزهر لا يمكن أن يعتمد على الذكاء الاصطناعي بصورته الحالية بشكل كامل لتقديم الفتوى، ولكنه في الوقت ذاته منفتح على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتسخيرها لخدمة الناس وسهولة الوصول للفتاوى مع ضمان استقامة الأمور وتجنب الفوضى أو الاجتهادات غير المدروسة.
وبيَّن الحديدي في ختام الندوة، أن الأزهر بصدد جمع وتنظيم وتوفير عدد ضخم من الفتاوى يتم نشرها على بوابة الأزهر الشريف الإلكترونية، لتكون بمثابة مدخلات تغذي الذكاء الاصطناعي عند إجاباته على الأسئلة الفكرية والدينية والعقدية بمختلف اللغات والصياغات التي تناسب التطبيقات الحديثة، وسيكون لها ثقل كبير ومرجعية معتمدة.
من جانبه أوضح خالد البرماوي، الكاتب الصحفي المتخصص في الإعلام الرقمي، إن الذكاء الاصطناعي أحدث ثورة كبيرة في مختلف المجالات، حيث تقوم فكرته على محاكاة الآلات لذكاء البشر، مع قدرة مستمرة على التعلم والتطور بشكل يومي.
وأشار البرماوي إلى أن تسارع التطورات التكنولوجية، بالإضافة إلى الأبعاد التوظيفية والأخلاقية، يؤثر بشكل كبير على تصميم التطبيقات الإلكترونية المرتبطة بتكنولوجيا الواقع الافتراضي، التي تعد جزءًا من الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا ضرورة التواجد بشكل متوازن مع المعارف المتقدمة لمواكبة التحول العالمي الذي أحدثته ثورة الذكاء الاصطناعي في حياتنا، ولكنه يحتاج إلى فهم عميق لضمان استخدامه بشكل دقيق وأخلاقي
وأوضح البرماوي، أن الذكاء الاصطناعي لكي يتم استثماره جيدًا يجب معرفته بشكل دقيق وفهم طريقة العمل الخاصة به والسيطرة على أدواته بفهم وعمق، نظرًا لأن البيانات الموجودة بالذكاء الاصطناعي وطريقة فهم السياق الخاص بها قد تكون مضللة وتحتاج إلى اختبار الصدق والثبات للتأكد من صلاحيتها للاستخدام.
وأكد على عدم جاهزية الذكاء الاصطناعي للتعامل مع الفتاوى الدقيقة، وتوفير أدلة فقهية وشرعية منضبطة، وهو ما يتطلب وجود نماذج دينية مشابهة للذكاء الاصطناعي تعالج الأمور الفقهية والدينية بقواعد بيانات مرقمنة، تراعي التحقيق والتدقيق والتوثيق باعتبارها الأدوات النقدية والأخلاقية.
ويشارك الأزهر الشريف - للعام التاسع على التوالي- بجناحٍ خاص في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 56 وذلك انطلاقًا من مسؤولية الأزهر التعليمية والدعوية في نشر الفكر الإسلامي الوسطي المستنير الذي تبنَّاه طيلة أكثر من ألف عام، ويقع جناح الأزهر بالمعرض في قاعة التراث رقم "4"، ويمتد على مساحة نحو ألف متر، تشمل عدة أركان، مثل قاعة الندوات، وركن للفتوى، وركن الخط العربي، فضلًا عن ركن للأطفال والمخطوطات.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الأزهر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي جناح الأزهر الأزهر الشريف المزيد الذکاء الاصطناعی فی
إقرأ أيضاً:
بتشويه «فوضى الذكاء الاصطناعي» للواقع يمضي العالم إلى كارثة
تهيمن قناتان متوازيتان للصور على استهلاكنا البصري اليومي. في إحداهما، صور ولقطات حقيقية للعالم كما نعرفه، ففيها سياسة ورياضة وأخبار وترفيه. وفي الثانية، فوضى الذكاء الاصطناعي [أو ما يعرف بـ AI slop]، بمحتوى متواضع الجودة ليس فيه من الإسهام البشري إلا الحد الأدنى. بعض ما فيه تافه الشأن عديم المعنى، لا يعدو صورا كرتونية لمشاهير، ومناظر طبيعية خيالية، وحيوانات ذات سمات بشرية. وبعضه الآخر عرض خادش للحياء...ففيه تجد حبيبات افتراضيات لا يمكن أن تتفاعل معهن تفاعلا حقيقيا. ونطاق هذا المحتوى وحجمه مذهلان، فهو يتسرب إلى كل شيء، من صفحات التواصل الاجتماعي إلى الرسائل المتداولة على واتساب. فلا تكون النتيجة محض تشويش على الواقع، وإنما هي تشويه له.
وفي فوضى الذكاء الاصطناعي شيء جديد هو الخيال السياسي اليميني. فعلى موقع يوتيوب مقاطع فيديو كاملة ذات سيناريوهات مختلقة ينتصر فيها مسؤولو ترامب على القوى الليبرالية. وقد استغل حساب البيت الأبيض على منصة إكس صيحة إنشاء صور بأسلوب استوديو جيبلي، ونشر صورة لامرأة من الدومينيكان تبكي أثناء تعرضها للاعتقال على يد إدارة الهجرة والجمارك (ICE). والواقع أن السخرية السياسية باستعمال الذكاء الاصطناعي قد انتشرت على مستوى العالم.
فهناك مقاطع فيديو صينية من إنتاج الذكاء الاصطناعي تسخر من العمال الأمريكيين البدناء وهم يقفون في خطوط التجميع بعد إعلان التعريفات الجمركية، وقد أثارت هذه المقاطع سؤالا موجها للمتحدثة باسم البيت الأبيض الأسبوع الماضي وردا منها. فقد قالت المتحدثة: إن هذه مقاطع أنتجها من «لا يرون إمكانات العامل الأمريكي». ولإثبات مدى انتشار فوضى الذكاء الاصطناعي، كان علي أن أتأكد ثلاث مرات من أنه حتى هذا الرد نفسه لم يكن في حد ذاته محتوى ذكاء اصطناعي منفذا على عجل مختلقا خدعة أخرى لأعداء ترامب.
وليس الدافع إلى تسييس الذكاء الاصطناعي بالأمر الجديد، فهو ببساطة امتداد للبروباجندا المعهودة. ولكن الجديد هو مدى ديمقراطيته وانتشاره، وأنه لا يحتوي أشخاصا حقيقيين ويخلو من قيود الحياة الواقعية المادية، فيوفر بذلك ما لا حصر له من السيناريوهات الخيالية.
وانتشار محتوى الذكاء الاصطناعي عبر قنوات الدردشة الضخمة عظيمة الحضور، من قبيل واتساب، يعني غياب أي ردود أو تعليقات تشكك في صحته. فكل ما تتلقاه ينعم بسلطة من ثقتك في الشخص الذي أرسله إليك. لذلك أخوض صراعا دائما مع قريبة لي كبيرة السن، مطلعة على عالم الإنترنت، تتلقى سيلا من محتوى الذكاء الاصطناعي على واتساب بشأن حرب السودان وتصدقه. تبدو الصور ومقاطع الفيديو حقيقية بالنسبة لها، وترد إليها موجهة من أشخاص تثق فيهم. ويصعب على المرء حتى أن يستوعب قدرة التكنولوجيا على إنتاج محتوى يبدو حقيقيا إلى هذه الدرجة.
وبإضافة هذه القدرة إلى توافق المحتوى مع رغبات قريبتي السياسية، ستجد نفسك متعلقا به إلى حد بعيد، حتى لو اعتراك بعض من الشك فيه. فوسط الكم الهائل من القطط [في بعض الفيديوهات المختلقة]، يجري استعمال الذكاء الاصطناعي في خلق سيناريوهات سياسية، وتحسينها والوصول بها إلى درجة الكمال عبر تقديمها بلغة بصرية تؤجج الرغبة في الانتصار أو تعتمد على الشعور بالحنين.
يشير البروفيسور رولاند ماير، الباحث في الإعلام والثقافة البصرية، إلى «موجة حديثة من الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي لعائلات بيضاء شقراء، تطرحها حسابات إلكترونية فاشية جديدة بوصفها نماذج لمستقبل مشرق». وهو لا يعزو ذلك إلى اللحظة السياسية الراهنة فحسب، وإنما إلى أن «الذكاء الاصطناعي التوليدي محافظ بطبيعته، بل ويقوم على حنين إلى الماضي». فالذكاء الاصطناعي التوليدي يقوم على بيانات مسبقة أثبتت الأبحاث أنها بيانات متحيزة بطبيعتها ضد التنوع العرقي، والأدوار الجندرية والميول الجنسية التقدمية، فتأتي منتجات الذكاء الصناعي بتركيز كبير على هذه المعايير.
يمكن أن نرى الأمر نفسه في محتوى «الزوجة التقليدية» [“trad wife”]، الذي لا يقدم ربات البيوت الجميلات الخاضعات فحسب، وإنما يقدم عالما رجعيا كاملا لينغمس فيه الرجال. وتغص جداول موقع إكس بنوع من المواد الإباحية غير الجنسية، حيث تلمع على الشاشة صور الذكاء الاصطناعي لنساء يوصفن بالحسن والخصوبة والخضوع. ويجري طرح سيادة البيض والاستبداد وتقديس التراتبيات الهرمية في العرق والجندر بوصفها سلة متكاملة من الحنين إلى ماض موهوم. فبات الذكاء الاصطناعي يوصف بالفعل بأنه جمالية الفاشية الجديدة.
لكن الأمر لا يكون دائما على هذا القدر من التماسك. ففي معظم الأحيان، لا تعدو فوضى الذكاء الاصطناعي محتوى فيه بعض المبالغة أو الإثارة بما يغري على التفاعل، ويوفر لمبدعيه فرصة ربح المال من المشاركات والتعليقات وما إلى ذلك. وقد تبين للصحفي ماكس ريد أن فوضى الذكاء الاصطناعي على فيسبوك ـ وهي الفوضى الكبرى على الإطلاق ـ ليست «محض محتوى غير مرغوب فيه» من وجهة نظر فيسبوك، وإنما هي «ما تريده الشركة بالضبط: فهي محتوى شديد الجاذبية». والمحتوى بالنسبة لعمالقة التواصل الاجتماعي هو المحتوى، فكلما كان أرخص، وقلت فيه الحاجة إلى جهد بشري، فذلك أفضل. وتكون النتيجة أن يتحول الإنترنت إلى إنترنت الروبوتات التي تدغدغ مشاعر المستخدمين البشريين وتؤجج فيهم أي أحاسيس أو عواطف تبقيهم منشغلين.
ولكن بغض النظر عن نوايا مبتكريه، يؤدي هذا السيل من محتوى الذكاء الاصطناعي إلى فقدان الإحساس بالواقعية وإرهاق الحواس البصرية. والتأثير العام لدوام التعرض لصور الذكاء الاصطناعي، ما كان منها تافها أو مهدئا أو أيديولوجيا، هو أن كل شيء يبدأ في اتخاذ مسار مختلف. ففي العالم الواقعي، يقف الساسة الأمريكيون خارج أقفاص سجن الترحيل. وتنصب الأكمنة لطلاب الجامعات الأمريكية في الشوارع ليجري إبعادهم. ويحترق أهل غزة أحياء. وتمضي هذه الصور والفيديوهات مع سيل لانهائي من الصور والفيديوهات الأخرى التي تنتهك القوانين المادية والأخلاقية. فتكون النتيجة ارتباكا عميقا. ولا يعود بوسعك أن تصدق عينيك، ولكن ما الذي يمكن أن تصدقه إن لم تصدق عينيك؟ فكل شيء يبدو حقيقيا للغاية وغير واقعي بالمرة، في آن واحد.
أضف إلى هذا ما نعرفه من التبسيط الضروري والإيجاز المستفز في (اقتصاد الانتباه)، وإذا بك في سيرك ضخم من التجاوزات. فحتى عندما يكون المحتوى شديد الجدية، يجري تقديمه بوصفه ترفيها، أو فاصلا، أشبه بنسخة مرئية من موسيقى المصاعد. فهل أفزعك هجوم دونالد ترامب وجيه دي فانس على زيلينسكي؟ حسنا، إليك رسم مصمم بالذكاء الاصطناعي لفانس في هيئة رضيع عملاق. تشعر بالتوتر والإرهاق؟ فها هو بلسم للعين في كوخ فيه نار موقدة والثلج يتساقط في الخارج. ولسبب ما، قرر فيسبوك أنني بحاجة إلى رؤية تيار مستمر من الشقق الصغيرة اللطيفة مع تنويعات من التعليقات التوضيحية مفادها أن «هذا هو كل ما أحتاج إليه».
وتؤدي التحورات السريعة للخوارزميات إلى إمداد المستخدمين بمزيد مما حصدته لهم معتبرة أنه مثير لاهتمامهم. والنتيجة هي أنه يستحيل ترشيد ذلك الاستهلاك حتى لأكثر المستخدمين اتزانا. لأنك تزداد انغماسا في عوالم ذاتية بدلا من الواقع الموضوعي. فتكون النتيجة انفصالا شديد الغرابة. ويضعف الشعور بالقلق والحاجة إلى العمل الذي ينبغي أن يوحي به عالمنا الممزق، وذلك بسبب طريقة عرض المعلومات. وإذن فها هي طريقة جديدة لكي نسير نياما نحو الكارثة وهي طريقة لا تقوم على نقص المعرفة، وإنما تنشأ بسبب الشلل الناجم عن تمرير كل شيء من خلال هذا النظام المشوه، فهو محض جزء آخر من العرض البصري المبالغ فيه.