مصطفى بيومي.. رحل راهب الأدب الذي طالما أهتم بـ"ملح الأرض"
تاريخ النشر: 2nd, February 2025 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
قبل قليل، رحل عن عالمنا الكاتب والناقد والمثقف والصحفي مصطفى بيومي، لكنه ترك سيرته كواحد من أهم مؤرخي الأدب المصري في نصف القرن الأخير، عبر تفرده بنظرة شاملة، كان يتلمس بها تاريخ النقد، ويتتبع تاريخ الأدب، ويفحص أيام الأدباء وسيرهم، بداية من الكبار، نجيب محفوظ، ويحي حقي، وبهاء طاهر، وعلاء الديب، وصنع الله إبراهيم، وفتحي غانم؛ وحتى غيرهم من مختلف الأجيال، بما فيها أبناء أيامنا هذه، ومنهم كاتب هذه السطور.
في رحلته، شرّح بيومي، ابن محافظة المنيا، الذي جاء إلى القاهرة ليدرس الإعلام ويتخرج من الجامعة في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، كل ما وقعت عليه عيناه من قصص وروايات، وضع معاجم للشخصيات التي حفلت أعمال الكبار، وكتب عن كثيرين غيرهم، مقالات ودراسات وكتبًا، وشارك في نقاشات عدة، ليس هؤلاء فقط، بل طالما اهتم بالموهوبين الذين لم يكونوا في أي يوم من نجوم الشباك، في الأدب أو الفن، فهناك الكثير من الشخصيات السينمائية البديعة الذين كتب عنهم بمحبة وإخلاص، بجوار كل هذا، أبدع العديد من الأعمال الروائية والقصصية.
يزيدك في هذا أن الرجل "لم يقتصر على نقد وتسجيل وحصر وتفكيك وبعثرة وترتيب وتنظيم وهندسة كثير من إنتاج أعلام الأدب وقضاياهم، إنما نفذ من هذا كله إلى نقد نصوصهم، وهو فى هذا متميز، من زاوية ربط النص بسياقه، وأخذه إلى آفاق أرحب في التفسير والتأويل" كما قال عنه الكاتب عمار علي حسن في مقاله "رجل أضناه التعبد في محراب الأدب".
يرد بيومى على المقولة الشائعة بأن «المُحِب لا يصلح ناقداً» فى مقدمة دراسته عن علاء الديب بأن «المحب الجيد لابد وأن يكون ناقدا جيدا»، وأن الناقد يجب أن يكون محبا حتى لو كان مختلفا، علاقة الحب هى بين القارئ والنص نفسه وليس الكاتب، «فأنا يُمكن أن أحب كاتبا من خلال نصوصه دون أن نلتقى، كما أحببت نصوص المتنبى وبابلو نيرودا وتشيخوف وغيرهم دون أن تكون لى علاقة بالكاتب نفسه، وصبرى موسى أنا لا أعرفه، ولكن أتمنى أن يكون مشروعي القادم عنه، فهو كاتب عظيم»، مُعرباً عن رغبته فى إعادة تقديم كُتّاب عِظام إلى القارئ مثل عبد الحكيم قاسم ومحمود دياب «فهؤلاء كُتّاب عظام أثروا الأدب المصرى، ولكنهم لم يبرعوا في العلاقات العامة، كما قال قبل بضع سنوات في حوار لـ "البوابة نيوز".
عشق بيومي نجيب محفوظ ونصّبه شيخا وأستاذا، وتناول ما كتبه بدقة، ليصير صاحب أكبر عدد من المؤلفات عن أديب نوبل وعالمه الحافل بالشخصيات والأحداث واللقاءات، ضمت أكثر من - 18 كتابًا صدرت منذ عام 1989 إلى اليوم.
وقال عنه: «فى رأيى أن الكتابة عن رجل أحبه مثل نجيب محفوظ كأننى أكتب رواية بقلمى، فأنا من أهوى ومن أهوى أنا»، مؤكداً أن للكتابة الإبداعية وقتا والنقدية وقت، ولغيرهما من صنوف الإبداع وقت، وأن النقد فى حد ذاته إبداع «وأن تنزل إلى النص فى حد ذاته متعة، بدون قواعد مسبقة، فأنت تتعمق فى النص وتبارزه وتستمتع به، لأن النص هو صانع قوانينه النقدية»؛ وأشار إلى أنه يرى أن نجيب محفوظ بعالمه الروائى قام بوصف مصر كما فعل علماء الحملة الفرنسية «وأتحدى أى أحد عن أى حادثة فى القرن العشرين لم يتطرق إليها نجيب محفوظ بعمق»، وأن أديب نوبل قد تحدث فى كل المجالات، وكانت كتاباته ضد أى محاولة لمحو تاريخ هذه الأمة دون أن يتخذ قراراً بهذا، كما فعل سيد درويش بألحانه وأغانيه ومحمود سعيد بلوحاته فهى «جينات» بداخل المرء تجعله يتمسك بالهوية، ولو تعمد أحد أن يفعل هذا فلن يكون بالشكل الحقيقى وسيبدو مفتعلاً.
وعن يحيى حقي، قال إن القصة القصيرة كانت حبه الأول، وأنه توهج في تجربته الروائية الوحيدة الفريدة: "صح النوم"، وقال: "يكتب عن السينما مثل ناقد محترف، ومعالجاته التاريخية عميقة طازجة مبتكرة تفوق الأكاديمي المتمرس.
ولعه بالشعر ينم عن ذائقة خبير، واستيعابه للموسيقى يناطح الأفذاذ من المتخصصين، وكذلك الأمر في المسرح والأوبرا والعمارة والفن التشكيلي، أما رؤاه الاجتماعية في عشرات القضايا فتبرهن على أنه الصديق الصدوق للفقراء، وتكشف عن شخصية عالم قادر على التبسيط العميق لما يتصدى له: من أطفال الشوارع وشيوع الأمية وإدمان اليانصيب، إلى جرائم الشرف والثأر، مرورا بلعنة الروتين الحكومي والسمات المصاحبة للتحول الاجتماعي في الحقبة الناصرية".
وأضاف بيومي عن يحيى حقي: "كتاباته الإبداعية الخالصة لا تمثل إلا ما دون الربع من جملة إنتاجه، ولو أنه تفرغ للإبداع وحده دون المقالات الصحفية لأنجز مشروعا هائلا غير مسبوق، لكنه يأبى إلا الاشتباك بشكل مباشر مع تحديات الواقع ومعطياته".
في "معجم شخصيات بهاء طاهر" قد بيومي دراسة تحليلية للعالم الروائي للكاتب الكبير، عبر ثلاثمائة شخصية، تضمنتها ستة روايات وخمس مجموعات قصصية، هي ما أنتجته قريحته في الفترة بين عامي 1972 و2009.
يصف بيومي في معجمه -الذي تخطت صفحاته الستمائة- أدب طاهر بأنه "تجربة إبداعية بالغة العمق والنضج والصدق، ولغته أقرب إلى عصير الشعر. رؤيته الإنسانية هادئة تخلو من الضجيج والافتعال"، مُشيرًا إلى أنه انتصر للناس العاديين البسطاء "الذين يتعذبون ويكابدون في صمت ينجون به من داء الابتذال"؛ وقدّم في دراسته قراءة تحليلية موضوعية للشخصيات الثلاثمائة، ليقوم بإعادة إنتاج لعالم الكاتب الكبير؛ واستعاض عن عدم وجود أسماء لبعض الشخصيات بالحديث عن سماتها الأبرز لتعريفها، مثلما أشار إلى الراوي في ثلاث روايات وعشر قصص، وهو ما قام به أيضًا في تحليله للآباء والأمهات وذوي القربى، كما قام بتعريف شخصيات أخرى عبر أدوات تغنيهم عن الاسم مثل اللقب الشائع والمهنة.
قدّم المعجم كذلك -والذي قام بترتيبه أبجديًا- عبر تحليله للعالم الروائي القضايا الرئيسية التي انشغل بها الروائي الكبير، مثل الموقف من السلطة، القضية الفلسطينية، العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، الصراع بين الشرق والغرب، التصوف والدين الشعبي، خصوصية الصحراء، إضافة إلى البيئة الصعيدية ومكوناتها، ى والتي برزت ملامحها في روايته الأشهر "خالتي صفية والدير"، كذلك تناول القضايا الإنسانية الذاتية التي يجد القارئ جانبًا من نفسه فيها، مثل الزمن، الموت، الوحدة والغربة؛ ليجد القارئ "ما قد يُعينه على الاقتراب والتواصل، قبل وأثناء وبعد عملية القراءة"، كما ذكر بيومي في مقدمته القصيرة.
وفي "عباقرة الظل"، مارس بيومي نوعا من الكتابة يجمع بين الأدب والصحافة، مذيبا الحدود بين الاثنين حتى تكاد تتلاشى، يحكي عن بشر ذوي مواهب فائقة، لكن انتهت حياتهم إلى الانزواء ثم التجاهل، فلم ينل ما تستحق من اهتمام وتكريم. لم يهتم كثيرا بسيرة حياة الشخصية التي يتناولها، بل ركز في كلماته على أدوارها السينمائية، ويرسم بورتريهات للشخصيات من خلال أدوار قامت بها، فيصنع قصة أصلية استوحى أحداثها وشخصياتها من أفلام برع فيها هؤلاء الذين حكى عنهم في كتابه، في محاولة للتدليل على استحقاقهم لوصفه لهم بالعباقرة.
وعندما قام بـ "النبش في الذاكرة، قدّم لنا "سيرة شبه ذاتية" حول تسعين شخصية حسب الترتيب الأبجدي -وهي عادة لديه- وحكى عنهم راسما صورة بانورامية نابضة بالفن والكتابة والسياسة والمسرح والرواية. وكما أنه لا يقدم سيرة ذاتية بالمعنى المألوف -تبدأ من مرحلة الطفولة ثم الشباب فالكهولة وحتى الشيخوخة- لم يقدم شخصياته بذواتهم من مولد وحياة، بقدر ما تتعلق بمنجزاتهم وأعمالهم، وبصماتهم في الحياة ويضيئها، حسب فلسفته الخاصة، هكذاـ أفسح الطريق ليقدم ذوات أخرى يتعاطى ويشتبك مع منجزاتهم ويضعهم تحت منظاره الخاص، ومراياه الناقدة النافذة.
الآن، رحل بيومي، الذي كان يبشّر أحباءه برحيله عبر أحاديث الروائي المتقاعد إلى شيخه، أما الآن، فهو كما يقول أستاذه عندما اختتم حكاية الحرافيش "فغاصَت قبضتُه في أمواج الظلام الجليل، وانتفض ناهضًا ثمِلًا بالإلهام والقدرة، فقال له قلبُه لا تجزعْ فقد ينفتح البابُ ذاتَ يومٍ تحيةً لمَن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطُموح الملائكة".
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: مصطفى بيومي النقد تاريخ الأدب نجیب محفوظ
إقرأ أيضاً:
فال كيلمر.. نجم باتمان الذي رحل صامتا
جاء رحيله، كما لو كان كذبة أبريل/نيسان الشهيرة، فقد أعاد مشهد الموت الغامض والمفاجئ للمثل الأميركي فال كيلمر إلى الذاكرة صخب حياته، التي كانت أكثر غموضا، لممثل صعد بسرعة الصاروخ إلى قمة الشهرة والنجاح، ومن ثم انطفأ نجمه بالسرعة نفسها.
وقد عرف كيلمر كأحد أكثر شخصيات هوليود غموضًا وجاذبية، إذ كان ممثلا من الطراز الأرفع، وتمتع بمظهرٍ أنيق وروح متمردة، وسعيٍ دؤوبٍ نحو الأصالة. من بداياته المسرحية الواعدة إلى فترة ارتدائه زي باتمان، وصولا إلى التجارب الشخصية والمهنية العميقة التي أعادت صياغة حياته ومسيرته المهنية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2بعيدا عن هوليود.. اكتشف متعة 6 مسلسلات قصيرة غير أميركيةlist 2 of 2هل تنتهي صيحة مسلسلات ضيوف الشرف قريبا؟end of listولد فال إدوارد كيلمر في 31 ديسمبر/كانون الأول عام 1959 في لوس أنجلوس بكاليفورنيا، وانجذب إلى عالم التمثيل منذ صغره، وساعده على ذلك نشأته في عائلة تقدر الإبداع، لكنها اتسمت أيضا بعدم الاستقرار. كان والده، يوجين كيلمر، موزعا لمعدات الطيران ومطورا عقاريا، بينما كانت والدته، غلاديس سوانيت، متدينة للغاية ومن أصل سويدي.
انفصل الزوجان عندما كان فال في التاسعة من عمره فقط – وهو حدثٌ شكّل حياته وترك أثرًا لا يُمحى، وشكّل العديد من الشخصيات الكئيبة والمحطمة عاطفيًا التي سيجسدها لاحقًا. كان لدى كيلمر شقيقان: ويسلي ومارك. توفي ويسلي في سن الخامسة عشرة بسبب مضاعفات الصرع، وهي خسارة أثرت بشدة على فال وعززت حساسيته تجاه هشاشة الحياة، وهو موضوعٌ يتجلى بوضوح في جميع عروضه.
إعلانالتحق فال بمدرسة هوليود الاحترافية قبل أن يصبح أصغر طالب يقبل في قسم الدراما بمدرسة جوليارد المرموقة في سن السابعة عشرة، حيث صقل موهبته بتفانٍ شديد، مُظهرًا موهبة مبكرة تبشر بمسيرة مهنية جادة في عالم المسرح. عكست أعماله الأولى هذا الطموح، إذ شارك في كتابة مسرحية "كيف بدأ كل شيء" (How It All Began)، وقام ببطولتها في المسرح، وشارك في إنتاجات خارج برودواي وأعمال تجريبية، ورغم خلفيته الكلاسيكية، لم يمضِ وقت طويل حتى تهافتت عليه هوليود.
ظهر كيلمر لأول مرة في السينما عام 1984 في الفيلم الكوميدي الساخر "سري للغاية!" (Top Secret!)، حيث فاجأ الجمهور بحسه الكوميدي ومواهبه الموسيقية. لكن فيلم "توب غان" (Top Gun) عام 1986 هو ما دفعه نحو النجومية. وعبر شخصية الطيار المقاتل "آيس مان" المتغطرس والبارد، أصبح كيلمر رمزًا للثقافة الشعبية، إذ لم تقل جاذبيته في كل لفته بالعمل عن النجم توم كروز.
وخلال السنوات التالية، أثبت كيلمر وجوده كواحدٍ من أكثر الممثلين تنوعًا في أدوارهم في التسعينيات. فمن تجسيده لشخصية جيم موريسون في فيلم "الأبواب" 1991 (The Doors) وهو دور استعد له بشغف شديد، ثم انتقل إلى تجسيد دور تاجر السلاح دوك هوليداي في فيلم "تومبستون" 1993 (Tombstone)، وأشاد النقاد بأدائه لدور موريسون وتصويره لشخصية هوليداي.
ومع بداية عام 1995 انتقل فال كيلمر إلى مرحلة جديدة تماما في حياته المهنية، حيث دخل كيلمر عالم الأبطال الخارقين، مرتديا العباءة والقلنسوة في فيلم "باتمان للأبد" (Batman Forever)، الذي أخرجه جويل شوماخر، وشكل انطلاقة من عالم الأبطال الخارقين المظلم الذي بناه تيم بيرتون مع مايكل كيتون. كان باتمان كيلمر كئيبًا ولكنه أنيق، معقد نفسيًا ولكنه رزين.
وجاء اختيار فال كيلمر لدور باتمان بمثابة انتصار ونقطة تحول في مسيرته الفنية، وخلفًا لمايكل كيتون، قدّم كيلمر أحد أشهر أدوار هوليوود في ذروة شهرته، بفكه المنحوت، وعينيه الحادتين، وحضوره الهادئ والغامض، بدا كيلمر مُناسبًا للدور، وأضفى على شخصية بروس واين تعقيدًا نفسيًا وهدوءا وتأملًا يفوق سابقيه.
اعتمد فيلم "باتمان للأبد" على المؤثرات البصرية والمشاهد المُصممة إلا أن كيلمر قدّم الدور برؤية جادة، تكاد تكون مأساوية، مُركزًا على الصراع الداخلي لرجل يعيش حياة مزدوجة. لم يكن بروس واين مجرد ملياردير لعوب، بل كان يتيمًا مُطاردًا لا يزال يصارع الحزن. كان باتمان أنيقا وصامدًا، يظهر القوة ويخفي ضعفًا عاطفيًا. درس كيلمر ازدواجية الشخصية بعمق حقيقي، مضيفا عليها دلالات دقيقة في الحوارات والصمت على حد سواء.
إعلانلكن على الرغم من النجاح التجاري للفيلم، وجد كيلمر التجربة مُحبطة. فبدلة باتمان، كما كشف لاحقًا، كانت تقيده، لدرجة أنها جعلت من الصعب عليه السماع أو التواصل مع زملائه الممثلين. يتذكر قائلًا: "لا تسمع، لا تتحرك. إنها مُنعزلة للغاية".
كان كيلمر يعتقد أن الدور يقيد قدرته على التفاعل العاطفي والأداء الحي، لذلك عندما عُرضت عليه فرصة العودة إلى باتمان وروبن، رفض، ليس رفضا للشخصية، بل رغبةً منه في التركيز على أدوار أكثر تعبيرًا وتحديًا، وكشف المخرج جويل شوماخر- في تصريحات صحفية- أنه وجد كيلمر صعبا في العمل، وهي سمعة بدأت تطارده في تلك الفترة.
ورغم استمراره في أداء أدوار بارزة في أفلام مثل "الحرارة" 1995(Heat)، مع آل باتشينو وروبرت دي نيرو، و"القديس" 1997(The Saint)، إلا أن أخبار سلوكياته الصعبة في موقع التصوير بدأت تطغى على مسيرته المهنية، وعرف بصعوبة أسلوبه، وصرامة قراراته، وعدم استعداده للتنازل عن قراراته الإبداعية، لذلك بدأ المخرجون والاستوديوهات ينظرون إليه على أنه مصدر خطر، مما أدى إلى تراجع عروض الأفلام الكبرى.
وتزامنت هذه الفترة أيضًا مع تراجع في ايرادات شباك التذاكر لبعض أعماله، ومنها فيلم "جزيرة الدكتور مورو" 1996(The Island of Dr. Moreau)، الذي عانى من فوضى إنتاجية، وقد تحولت خلافاته مع المخرج جون فرانكنهايمرحديث الصحافة، وانعكس الأمر على الصورة المحاطة بالشكوك لنجم صعب المراس.
في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كاد كيلمر أن يختفي عن الأضواء، ولم يعلم محبوه إلا لاحقًا بمعركته مع سرطان الحنجرة، الذي أبقاه سرًا في البداية. تسبب المرض في تغيير صوته بشكل كبير نتيجة عملية ثقب القصبة الهوائية، وتأثرت قدرة فال كيلمر على الكلام، وظنّ الكثيرون أن مسيرته الفنية قد انتهت.
إعلان توب ما فريك.. الحنينخالف كيلمر كل التوقعات، وذلك حين أصدر الفيلم الوثائقي "فال" (Val) في عام 2021، والذي احتوى على لقطات منزلية صوّرها على مدار عقود طوال حياته ومسيرته الفنية. قدّم الفيلم صورة مؤثرة وحميمة لفنان عاش حياته بشروطه الخاصة، بعيوبه، وعبقرتيه، وعمق إنسانيته، فتأثر النقاد والجمهور على حد سواء بصدق الفيلم وهشاشته.
وكان الممثل الهوليودي قد رزق بطفلين، هما جاك ومرسيدس من الممثلة جوان والي، التي التقى بها في موقع تصوير فيلم "ويلو" 1988(Willow)، وطلقا عام 1996، لكن كيلمر ظلّ قريبا من أبنائه. في السنوات الأخيرة، انخرط كلاهما في مجالات إبداعية: جاك كممثل، ومرسيدس كممثلة وعارضة أزياء.
ولعب جاك ومرسيدس أدوارا محورية في الفيلم الوثائقي "فال"، حيث كانا سندا عاطفيا لوالدهما ضد وحش السرطان الذي التهم جسده وسعادته.
ثم جاء فيلم "توب غان: مافريك" 2022 (Top Gun: Maverick)، حيث أعاد كيلمر تمثيل دور "آيس مان" في مشهد مؤثر أمام توم كروز. ورغم قدرته المحدودة على الكلام، إلا أن الجاذبية العاطفية لحضوره جعلت المشاهدين يذرفون الدموع، حيث كان الفيلم تذكيرًا قويًا بفنان لم يكف عن النضال من أجل صوته، حتى عندما سُلب منه.
لم تكن رحلة فال كيلمر مجرد مشوار لنجم هوليودي، بل كانت نضالا لروح لا تعرف اليأس، وتسعى وراء الفن بشغف لا نظير له، ويمثل كيلمر اليوم رمزا للنجاح الخاطف، ودرسا عن الثمن الباهظ للهوس الإبداعي. ومع ذلك، ورغم المرض، ورفض الوسط الفني، والتحول الشخصي، بقي كما كان دائمًا، ممثلًا لا يخشى المخاطرة، ولا يهاب الحقيقة.